9 مصاحف الكتاب الاسلامي/

الأربعاء، 24 مايو 2023

ج11وج12. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد{ كتاب الطلاق الي

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

ملحوظة هذا ترتيب الناشر في المدونة وليس ترتيب الطبعة كما وصلتني من مكتبة 

مشكاة

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد

ج11. كتاب الطلاق

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : { عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَغَيَّظَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } . وَفِي لَفْظٍ { حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً ، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا } . وَفِي لَفْظٍ { فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } . 

الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ مُحَرَّمٌ لِلْحَدِيثِ وَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّهُ لِيُعَرِّفَهُ الْحُكْمَ " وَتَغَيُّظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إمَّا ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْمَنْعَ كَانَ ظَاهِرًا ، وَكَانَ يَقْتَضِي الْحَالُ التَّثَبُّتَ فِي الْأَمْرِ ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتَضِي الْأَمْرُ الْمُشَاوِرَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لِيُرَاجِعْهَا " صِيغَةُ أَمْرٍ ، مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْوُجُوبِ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى الرَّجْعَةِ إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ عِنْدَهُ وَاللَّفْظُ يَقْتَضِي امْتِدَادَ الْمَنْعِ لِلطَّلَاقِ إلَى أَنْ تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ " حَتَّى " لِلْغَايَةِ وَقَدْ عُلِّلَ تَوَقُّفُ الْأَمْرِ إلَى الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضَةِ الْأُولَى ، لَكَانَتْ الرَّجْعَةُ لِأَجْلِ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضُوعَهَا إنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلِاسْتِبَاحَةِ ، فَإِذَا أَمْسَكَ عَنْ الطَّلَاقِ فِي هَذَا الطُّهْرِ : اسْتَمَرَّتْ الْإِبَاحَةُ فِيهِ وَرُبَّمَا كَانَ دَوَامُ مُدَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ مَعَ الْمُعَاشَرَةِ سَبَبًا لِلْوَطْءِ فَيَمْتَنِعُ الطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، لِأَجْلِ الْوَطْءِ فِيهِ وَفِي الْحَيْضِ الَّذِي يَلِيهِ فَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِدَوَامِ الْعِشْرَةِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَلَّلَ امْتِنَاعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ . فَإِنَّ تِلْكَ الْحَيْضَةَ لَا تُحْسَبُ مِنْ الْعِدَّةِ فَيَطُولَ زَمَانُ التَّرَبُّصِ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعَلِّلْ بِذَلِكَ ، وَرَأَى الْحُكْمَ مُعَلَّقًا بِوُجُودِ الْحَيْضِ وَصُورَتِهِ . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا مَا إذَا قُلْنَا : إنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ ، فَطَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ الْوَاقِعِ فِي الْحَمْلِ فَمَنْ عَلَّلَ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ : لَمْ يُحَرِّمْ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ هَهُنَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَمَنْ أَدَارَ الْحُكْمَ عَلَى صُورَةِ الْحَيْضِ : مَنَعَ . وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ : تَرْجِيحُ الْمَنْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمَ الْمُرَاجَعَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ ، وَلَا سُؤَالٍ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ : هَلْ هِيَ حَامِلٌ ، أَوْ حَائِلٌ ؟ وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مِثْلِ هَذَا : يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عُمُومِ الْمَقَالِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ أَرْبَابِ الْأُصُولِ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُضَعَّفُ هَهُنَا هَذَا الْمَأْخَذُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ لِنُدْرَةِ الْحَيْضِ فِي الْحَمْلِ . وَيَنْبَنِي أَيْضًا عَلَى هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ : مَا إذَا سَأَلَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ : هَلْ يَحْرُمُ طَلَاقُهَا فِيهِ ؟ فَمَنْ مَالَ إلَى التَّعْلِيلِ بِطُولِ الْمُدَّةِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمَرْأَةِ : لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ الضَّرَرِ . وَمَنْ أَدَارَ الْحُكْمَ عَلَى صُورَةِ الْحَيْضِ : مَنَعَ . وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى . وَقَدْ يُقَالُ فِي هَذَا مَا قِيلَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ فِيهِمَا بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سُؤَالِ الطَّلَاقِ وَعَدَمُ الْحَمْلِ . وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ، هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أَمْ لَا ؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ " مُرْهُ فَأَمَرَهُ بِأَمْرِهِ " وَعَلَى كُلِّ حَالٍ : فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَرَدَّدَ فِي اقْتِضَاءِ ذَلِكَ الطَّلَبِ . وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي أَنَّ لَوَازِمَ صِيغَةِ الْأَمْرِ : هَلْ هِيَ لَوَازِمُ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُمَا : هَلْ يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، أَمْ لَا ؟ . وَفِي قَوْلِهِ " قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا " دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ . فَإِنَّهُ شَرَطَ فِي الْإِذْنِ عَدَمَ الْمَسِيسِ لَهَا . وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ عِنْدَ عَدَمِهِ ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الثَّانِي لِكَوْنِ الطَّلَاقِ بِدْعِيًّا وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ وَهُوَ مُعَلَّلٌ بِخَوْفِ النَّدَمِ . فَإِنَّ الْمَسِيسَ سَبَبُ الْحَمْلِ وَحُدُوثِ الْوَلَدِ ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِنَدَامَةِ الطَّلَاقِ . وَقَوْلُهُ " فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا " هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْأُمَّةِ . أَعْنِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ وَالِاعْتِدَادِ بِهِ .

 

319 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ " أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ ، وَهُوَ غَائِبٌ - وَفِي رِوَايَةٍ : { طَلَّقَهَا ثَلَاثًا - فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ ، فَسَخِطَتْهُ . فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ : فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ } - وَفِي لَفْظٍ : { وَلَا سُكْنَى - فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي . قَالَتْ : فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ : فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ . وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ : فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، فَكَرِهَتْهُ ثُمَّ قَالَ : انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، فَنَكَحَتْهُ . فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا ، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ } .

 

قَوْلُهُ " طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً لِلَّفْظِ أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ . وَقَوْلُهُ " طَلَّقَهَا ثَلَاثًا " تَعْبِيرٌ عَمَّا وَقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ " أَلْبَتَّةَ " . وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَجْعَلُ لَفْظَ " أَلْبَتَّةَ " لِلثَّلَاثِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ هُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَيَكُونُ قَوْلُهُ " طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ " تَعْبِيرًا عَمَّا وَقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ " الطَّلَاقُ ثَلَاثًا " وَهَذَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَرَى جَوَازَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ دَفْعَةً ، لِعَدَمِ الْإِنْكَارِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " طَلَّقَهَا ثَلَاثًا " أَيْ أَوْقَعَ طَلْقَةً تَتِمُّ بِهَا الثَّلَاثُ . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ " .

 

وَقَوْلُهُ " وَهُوَ غَائِبٌ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ " فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَيَكُونُ الْوَكِيلُ هُوَ الْمُرْسِلُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا وَيَكُونُ الْوَكِيلُ هُوَ الْمُرْسَلُ . وَقَدْ عَيَّنَ بَعْضُهُمْ لِلرِّوَايَةِ : الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " وَكِيلَهُ " يَعُودُ عَلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ . وَقِيلَ : اسْمُهُ كُنْيَتُهُ . وَقِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ . وَقِيلَ اسْمُهُ أَحْمَدُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَبُو حَفْصِ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ : أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُغِيرَةِ . وَمَنْ قَالَ " أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ " أَكْثَرُ .

 

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ " هَذَا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ ، إذَا كَانَتْ الْبَائِنُ حَائِلًا وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَوْلُهُ " وَلَا سُكْنَى " هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ السُّكْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ } وَأَمَّا سُقُوطُ النَّفَقَةِ : فَأَخَذُوهُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ } فَمَفْهُومُهُ : إذَا لَمْ يَكُنَّ حَوَامِلَ لَا يُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ . وَقَدْ نُوزِعُوا فِي تَنَاوُلِ الْآيَةِ لِلْبَائِنِ . أَعْنِي قَوْلَهُ " أَسْكِنُوهُنَّ " وَمَنْ قَالَ : لَهَا السُّكْنَى فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ . فَقِيلَ فِي الْعُذْرِ : مَا حَكَوْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَةً لَسِنَةً اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا ، فَأَمَرَهَا بِالِانْتِقَالِ " . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا خَافَتْ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ . وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ { أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ } . وَاعْلَمْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ : أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ مَعَ الْوَكِيلِ بِسَبَبِ سَخَطِهَا الشَّعِيرَ ، وَأَنَّ الْوَكِيلَ ذَكَرَ : أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَأَنَّ ذَلِكَ اقْتَضَى أَنْ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابَهَا بِمَا أَجَابَ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي : أَنَّ التَّعْلِيلَ بِسَبَبِ مَا جَرَى مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُودِ النَّفَقَةِ لَا بِسَبَبِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي ذُكِرَتْ فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَقْوَى وَأَرْجَحُ مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ عُمِلَ بِهِ . وَقَوْلُهُ " فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ " قِيلَ : اسْمُهَا غَزِيَّةُ وَقِيلَ : غُزَيْلَةُ وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ عَامِرِيَّةٌ وَقِيلَ : إنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ .

 

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي } قِيلَ : كَانُوا يَزُورُونَهَا ، وَيُكْثِرُونَ مِنْ التَّرَدُّدِ إلَيْهَا لِصَلَاحِهَا . فَفِي الِاعْتِدَادِ عِنْدَهَا حَرَجٌ ، وَمَشَقَّةٌ فِي التَّحَفُّظِ مِنْ الرُّؤْيَةِ : إمَّا رُؤْيَتِهِمْ لَهَا ، أَوْ رُؤْيَتِهَا لَهُمْ ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَ نَظَرِ الْمَرْأَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ ، أَوْ لَهُمَا مَعًا . وَقَوْلُهُ " اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى " قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرْوِي جَوَازَ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ ، فَإِنَّهُ عُلِّلَ بِالْعَمَى وَهُوَ مُقْتَضٍ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ ، لَا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهَا . فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الِاعْتِدَادِ عِنْدَهُ : مُعَلَّلٌ بِالْعَمَى الْمُنَافِي لِرُؤْيَتِهِ وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَحْرِيمَ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا إذَا خَافَتْ الْفِتْنَةَ حَرُمَ عَلَيْهَا النَّظَرُ . فَإِذًا هَذِهِ حَالَةٌ يَجِبُ فِيهَا الْغَضُّ فَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهَا وَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ حِينَئِذٍ عَلَى وُجُوبِ الْغَضِّ مُطْلَقًا ، أَوْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ : فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ احْتِمَالًا جَيِّدًا ، يَتَوَقَّفُ مَعَهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى مَحِلِّ الْخِلَافِ . وَقَالَ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ : وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، مَعَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ : فَلَيْسَ فِيهِ إذْنٌ لَهَا فِي النَّظَرِ إلَيْهِ ، بَلْ فِيهِ : أَنَّهَا تَأْمَنُ عِنْدَهُ مِنْ نَظَرِ غَيْرِهِ . وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِغَضِّ بَصَرِهَا ، فَيُمْكِنُهَا الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّظَرِ بِلَا مَشَقَّةٍ ، بِخِلَافِ مُكْثِهَا فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ : إعْرَاضٌ عَنْ التَّعْلِيلِ بِعَمَاهُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ : مَوْجُودٌ فِي نَظَرِهَا إلَيْهِ ، مَعَ مُخَالَطَتِهَا لَهُ فِي الْبَيْتِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا عَلَّلَ بِالْعَمَى لِكَوْنِهَا تَضَعُ ثِيَابَهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَتِهِ لَهَا فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ التَّعْلِيلُ عَنْ الْحُكْمِ بِاعْتِدَادِهَا عِنْدَهُ .

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي } مَمْدُودُ الْهَمْزِ ، أَيْ أَعْلِمِينِي وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ بِخِطْبَةِ الْبَائِنِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " أَمَّا أَبُو جَهْمٍ : فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ " فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَثِيرُ الْأَسْفَارِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَثِيرُ الضَّرْبِ وَيَتَرَجَّحُ هَذَا الثَّانِي بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ { أَنَّهُ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ } .

" وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ عِنْدَ النَّصِيحَةِ . وَلَا يَكُونُ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أُبِيحَتْ فِيهَا الْغِيبَةُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ . وَ " الْعَاتِقُ " مَا بَيْنَ الْعُنُقِ وَالْمَنْكِبِ . وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مَجَازِ الْمُبَالَغَةِ ، وَجَوَازِ إطْلَاقِ مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ، فَإِنَّ أَبَا جَهْمٍ : لَا بُدَّ وَأَنْ يَضَعَ عَصَاهُ حَالَةَ نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ ، وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ مَثَلًا ، لَكِنْ اعْتَبَرَ حَالَ الْغَلَبَةِ ، وَأَهْدَرَ حَالَ النَّادِرِ وَالْيَسِيرِ . وَهَذَا الْمَجَازُ فِيمَا قِيلَ فِي أَبِي جَهْمٍ : أَظْهَرُ مِنْهُ فِيمَا قِيلَ فِي مُعَاوِيَةَ ؛ لِأَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ : إنَّ لَفْظَةَ " الْمَالِ " انْتَقَلَتْ فِي الْعُرْفِ عَنْ مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ إلَى مَا لَهُ قَدْرٌ مِنْ الْمَمْلُوكَاتِ ، أَوْ ذَلِكَ مَجَازٌ شَائِعٌ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّقْلِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ جِدًّا ، بِخِلَافِ مَا قِيلَ فِي أَبِي جَهْمٍ . وَقَوْلُهُ " انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فِيهِ جَوَازُ نِكَاحِ الْقُرَشِيَّةِ لِلْمَوْلَى . وَكَرَاهَتُهَا لَهُ : إمَّا لِكَوْنِهِ مَوْلًى ، أَوْ لِسَوَادِهِ ، وَ " اغْتَبَطَتْ " مَفْتُوحُ التَّاءِ وَالْبَاءِ وَأَبُو جَهْمٍ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ : مَفْتُوحُ الْجِيمِ سَاكِنُ الْهَاءِ ، وَهُوَ غَيْرُ أَبِي الْجُهَيْمِ الَّذِي فِي حَدِيثِ التَّيَمُّمِ .

 

كتاب الطلاق – باب العدة

 

320 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : { عَنْ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَهِيَ حَامِلٌ . فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا : تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا : مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً ؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . قَالَتْ سُبَيْعَةُ : فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ : جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي ، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي } .

 

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ . فِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ : إنَّ عِدَّتَهَا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ فَإِنْ تَقَدَّمَ وَضْعُ الْحَمْلِ عَلَى تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ : انْتَظَرَتْ تَمَامَهَا . وَإِنْ تَقَدَّمَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ وَالْعَشْرُ عَلَى وَضْعِ الْحَمْلِ : انْتَظَرَتْ وَضْعَ الْحَمْلِ . وَقِيلَ : إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : اخْتَارَ هَذَا الْمَذْهَبَ ، وَهُوَ سَحْنُونٌ . وَسَبَبُ الْخِلَافِ : تَعَارُضُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } مَعَ قَوْله تَعَالَى { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ . فَالْآيَةُ الْأُولَى : عَامَّةٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ ، سَوَاءٌ كُنَّ حَوَامِلَ أَمْ لَا . وَالثَّانِيَةُ : عَامَّةٌ فِي أُولَاتِ الْأَحْمَالِ ، سَوَاءٌ كُنَّ مُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَمْ لَا . وَلَعَلَّ هَذَا التَّعَارُضَ هُوَ السَّبَبُ لِاخْتِيَارِ مَنْ اخْتَارَ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ لِعَدَمِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يُرْفَعَ تَحْرِيمُ الْعِدَّةِ السَّابِقُ إلَّا بِيَقِينِ الْحِلِّ وَذَلِكَ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ . غَيْرَ أَنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ اعْتَمَدُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِي حُصُولِ الْبَرَاءَةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ " . وَأَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ " بِفَتْحِ السِّينِ وَ " بَعْكَكٍ " بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ ، وَفَتْحِ الْكَافِ - وَهُوَ ابْنُ الْحَجَّاجِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ ، هَكَذَا نُسِبَ . وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ قِيلَ : اسْمُهُ عَمْرٌو . وَقِيلَ : حَبَّةُ - بِالْبَاءِ - وَقِيلَ : حَنَّةُ - بِالنُّونِ . وَقَوْلُهَا " فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي " يَقْتَضِي انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَإِنْ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ النِّفَاسِ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزُّهْرِيُّ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ . وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ : لَا تَحِلُّ مِنْ الْعِدَّةِ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ النِّفَاسِ . وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَشَارَ إلَى تَعَلُّقٍ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ " فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا " أَيْ طَهُرَتْ " قَالَ لَهَا : قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت " رَتَّبَ الْحِلَّ عَلَى التَّعَلِّي فَيَكُونُ عِلَّةً لَهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِتَصْرِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُ أَفْتَاهَا بِالْحِلِّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ . وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ . يَعْنِي تَرْتِيبَ الْحِلِّ عَلَى التَّعَلِّي . وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ - مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً ، اسْتَبَانَ فِيهِ الْخَلْقُ أَمْ لَا - مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَتَّبَ الْحِلَّ عَلَى وَضْعِ الْحَمْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ . وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي قَضَايَا الْأَحْوَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَهَذَا هَهُنَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ الْحَمْلُ التَّامُّ الْمُتَخَلِّقُ ، وَوَضْعُ الْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ نَادِرٌ . وَحَمْلُ الْجَوَابِ عَلَى الْغَالِبِ ظَاهِرٌ . وَإِنَّمَا تَقْوَى تِلْكَ الْقَاعِدَةُ حَيْثُ لَا يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى بَعْضٍ وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِهَا . وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ : وَهُوَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَحَمَّادٌ .

 

321 - الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ { تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ ، فَمَسَحَتْ بِذِرَاعَيْهَا ، فَقَالَتْ : إنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .

 

الْحَمِيمُ : الْقَرَابَةُ . " الْإِحْدَادُ " تَرْكُ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ . وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ . وَقَوْلُهُ " إلَّا عَلَى زَوْجٍ " يَقْتَضِي الْإِحْدَادَ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ " لِامْرَأَةٍ " عَامٌّ فِي النِّسَاءِ . تَدْخُلُ فِيهِ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ وَالْأَمَةُ . وَفِي دُخُولِ الصَّغِيرَةِ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ نَظَرٌ . فَإِنْ وَجَبَ مِنْ غَيْرِ دُخُولِهِ تَحْتَ اللَّفْظِ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ وَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ : فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " فَمِنْ هَهُنَا خَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ وَأَجَابَ غَيْرُهُ - مِمَّنْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْإِحْدَادَ - : بِأَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ لَهُ سَبَبٌ . وَالتَّخْصِيصُ إذَا كَانَ لِفَائِدَةٍ أَوْ سَبَبٍ - غَيْرِ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ - لَمْ يَدُلَّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحُكْمِ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فِي السَّبَبِ فِي ذَلِكَ : إنَّ الْمُسْلِمَةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَثْمِرُ خِطَابَ الشَّارِعِ ، وَتَنْتَفِعُ بِهِ ، وَتَنْقَادُ لَهُ فَلِهَذَا قَيَّدَ بِهِ . وَغَيْرُ هَذَا أَقْوَى مِنْهُ . وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ هَذَا الْوَصْفَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ ، لِمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُهُ وَمَفْهُومُهُ ، مِنْ أَنَّ خِلَافَهُ مُنَافٍ لِلْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْكِيدَ أَمْرِ التَّوَكُّلِ بِرَبْطِهِ بِالْإِيمَانِ ، وَكَمَا يُقَالُ : إنْ كُنْتَ وَلَدِي فَافْعَلْ كَذَا . وَأَصْلُ لَفْظَةِ " الْإِحْدَادِ " مِنْ مَعْنَى الْمَنْعِ وَيُقَالُ : حَدَّتْ تُحِدُّ إحْدَادًا وَحَدَّتْ تَحَدُّ - بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ - وَعَنْ الْأُصْبُعِيِّ : أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا " أَحَدَّتْ " رُبَاعِيًّا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ لَا إحْدَادَ عَلَى الْأَمَةِ الْمُسْتَوْلَدَةِ ، لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَتَخْصِيصِ مَنْعِ الْإِحْدَادِ بِمَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا . وَاقْتَضَى مَفْهُومُهُ : أَنْ لَا إحْدَادَ إلَّا لِمَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

322 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ . وَلَا تَكْتَحِلُ . وَلَا تَمَسُّ طِيبًا ، إلَّا إذَا طَهُرَتْ : نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ } .

 

" الْعَصْبُ " ثِيَابٌ مِنْ الْيَمَنِ فِيهَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْمَرْأَةِ الْمُحِدِّ مِنْ الْكُحْلِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ إلَّا لَيْلًا عِنْدَ الْحَاجَةِ ، بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ . وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ . وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ إذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا بِكُحْلٍ لَا طِيبَ فِيهِ . وَاَلَّذِينَ أَجَازُوهُ : حَمَلُوا النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَلَى حَالَةِ عَدَمِ الْحَاجَةِ . وَالْجَوَازَ عَلَى حَالَةِ الْحَاجَةِ .

وَفِي الْحَدِيثِ : الْمَنْعُ مِنْ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ لِلزِّينَةِ ، إلَّا ثَوْبَ الْعَصْبِ . وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَصْبُوغِ الْأَسْوَدَ ؛ فَرَخَّصَ فِيهِ . وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ : كَرَاهَةُ الْعَصْبِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ الْمَنْعُ . وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ جَوَازُ مَا لَيْسَ بِمَصْبُوغٍ ، وَهِيَ الثِّيَابُ الْبِيضُ . وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْمُتَرَفِّعَ مِنْهَا الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ وَكَذَلِكَ جَيِّدُ السَّوَادِ . " وَالنُّبْذَةُ " بِضَمِّ النُّونِ : الْقِطْعَةُ وَالشَّيْءُ الْيَسِيرُ وَ " الْقُسْطُ " بِضَمِّ الْقَافِ ، وَ " الْأَظْفَارُ " نَوْعَانِ مِنْ الْبَخُورِ . وَقَدْ رُخِّصَ فِيهِ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فِي تَطْيِيبِ الْمَحَلِّ ، وَإِزَالَةِ كَرَاهَتِهِ .

 

323 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكَحِّلُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا - مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ . فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا : دَخَلَتْ حِفْشًا ، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ - فَتَفْتَضَّ بِهِ . فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ . ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً ، فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ } .

 

" الْحِفْشُ " الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الْحَقِيرُ ، وَ " تَفْتَضُّ " تُدَلِّكُ بِهِ جَسَدَهَا . يَجُوزُ فِي قَوْلِهَا " اشْتَكَتْ عَيْنَهَا " وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : ضَمُّ النُّونِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ هِيَ الْمُشْتَكِيَةُ . وَالثَّانِي : فَتْحُهَا وَيَكُونُ الْمُشْتَكِي مِنْ " اشْتَكَتْ " ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ . وَقَدْ رُجِّحَ هَذَا . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " عَيْنَاهَا " . وَقَوْلُهَا " أَفَنُكَحِّلُهَا " بِضَمِّ الْحَاءِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا " يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي : أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الْحَادَّةِ وَغَيْرِهَا ، إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا حَالَةَ الْحَادَّةِ . وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " تَجْعَلُهُ بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ " فَحُمِلَ عَلَى حَالَةِ الْحَادَّةِ . وَقِيلَ : فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا " وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْخَوْفُ عَلَى عَيْنِهَا . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ " تَقْلِيلٌ لِلْمُدَّةِ ، وَتَهْوِينٌ لِلصَّبْرِ عَلَى مَا مُنِعَتْ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ " قَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ . وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْإِشَارَةِ ، فَقِيلَ : إنَّهَا رَمَتْ بِالْعِدَّةِ وَخَرَجَتْ مِنْهَا ، كَانْفِصَالِهَا مِنْ هَذِهِ الْبَعْرَةِ وَرَمْيِهَا بِهَا . وَقِيلَ : هُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ وَصَبَرَتْ عَلَيْهِ ، مِنْ الِاعْتِدَادِ سَنَةً ، وَلُبْسِهَا شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلُزُومِهَا بَيْتًا صَغِيرًا : هَيِّنٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَقِّ الزَّوْجِ ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْمُرَاعَاةِ ، كَمَا يَهُونُ الرَّمْيُ بِالْبَعْرَةِ . وَقَوْلُهَا " دَخَلَتْ حِفْشًا " بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ : أَيْ بَيْتًا صَغِيرًا حَقِيرًا قَرِيبَ السُّمْكِ . وَقَوْلُهَا " ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ : حِمَارٍ ، أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ " هُوَ بَدَلٌ مِنْ " دَابَّةٍ " وَقَوْلُهَا فَتَفْتَضَّ بِهِ " بِفَتْحِ ثَالِثِ الْحُرُوفِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنْ مَعْنَى الِافْتِضَاضِ ؟ فَذَكَرُوا : أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَغْتَسِلُ ، وَلَا تَمَسُّ مَاءً ، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا . ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ ، تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا وَتَنْبِذُهُ فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ مَا تَفْتَضُّ بِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهُ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تَمْسَحُ بِهِ ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ تَغْتَسِلُ وَ " الِافْتِضَاضُ " الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ لِلْإِنْقَاءِ ، وَإِزَالَةِ الْوَسَخِ ، حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، كَالْفِضَّةِ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ وَتَتَنَقَّى مِنْ الدَّرَنِ ، تَشْبِيهًا لَهَا بِالْفِضَّةِ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا . وَقِيلَ : إنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ ثَانِي الْحُرُوفِ وَالْمَعْرُوفُ : هُوَ الْأَوَّلُ .- انتهى - =

ج12.إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

لابن دقيق العيد

عمدة الأحكام كتاب جمع فيه مصنفه عبد الغني المقدسي كما كبيرا من أحاديث الأحكام ورتبها على حسب أبواب الفقه . وإحكام الأحكام لابن دقيق هو شرح لهذه الأحاديث حيث شرح ألفاظها وبين معانيها واستخرج الأحكام الفقهية والمسائل منها وبين آراء الفقهاء فيها وهذا الشرح هو لابن دقيق العيد لكن أملاه على تلميذه الشيخ عماد الدين القاضي وعلى الكتاب شروحات وتعليقات فقهية هامة جدا ومساعدة في فهم الكتاب بشكل أكبر

 

كتاب الطهارة

1 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَفِي رِوَايَةٍ : { بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ } .

 

أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا زَاي مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ قَدِيمًا ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَقُتِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ ، وَقِيلَ لِثَلَاثٍ . ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَدَأَ بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالطَّهَارَةِ ، وَامْتَثَلَ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ : إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْتَدَأَ بِهِ فِي كُلِّ تَصْنِيفٍ وَوَقَعَ مُوَافِقًا لِمَا قَالَهُ . الثَّانِي : كَلِمَةُ إنَّمَا لِلْحَصْرِ ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَهِمَ الْحَصْرَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } وَعُورِضَ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ ، وَلَمْ يُعَارَضْ فِي فَهْمِهِ لِلْحَصْرِ وَفِي ذَلِكَ اتِّفَاقٌ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ . وَمَعْنَى الْحَصْرِ فِيهَا : إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ ، وَنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ . وَهَلْ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ : بِمُقْتَضَى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ ، أَوْ هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ ؟ فِيهِ بَحْثٌ . الثَّالِثُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ : فَتَارَةً تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ ، وَتَارَةً تَقْتَضِي حَصْرًا مَخْصُوصًا . وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ وَالسِّيَاقِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى { : إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } وَظَاهِرُ ذَلِكَ : الْحَصْرُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّذَارَةِ . وَالرَّسُولُ لَا يَنْحَصِرُ فِي النِّذَارَةِ ، بَلْ لَهُ أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ كَثِيرَةٌ ، كَالْبِشَارَةِ وَغَيْرِهَا . وَلَكِنَّ مَفْهُومَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي حَصْرَهُ فِي النِّذَارَةِ لِمَنْ يُؤْمِنُ ، وَنَفْي كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى إنْزَالِ مَا شَاءَ الْكُفَّارُ مِنْ الْآيَاتِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ } مَعْنَاهُ : حَصْرُهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى بَوَاطِنِ الْخُصُومِ ، لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ . فَإِنَّ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَافًا أُخَرَ كَثِيرَةً . وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ } يَقْتَضِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْحَصْرَ بِاعْتِبَارِ مَنْ آثَرَهَا . وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ : فَقَدْ تَكُونُ سَبِيلًا إلَى الْخَيْرَاتِ ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ لِلْأَكْثَرِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَقَلِّ . فَإِذَا وَرَدَتْ لَفْظَةُ " إنَّمَا " فَاعْتَبِرْهَا ، فَإِنْ دَلَّ السِّيَاقُ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَصْرِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ : فَقُلْ بِهِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مَخْصُوص : فَاحْمِلْ الْحَصْرَ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَمِنْ هَذَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الرَّابِعُ : مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ وَبِالْقُلُوبِ ، قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَمَلٌ ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَقَ إلَى الْفَهْمِ : تَخْصِيصُ الْعَمَلِ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ ، وَإِنْ كَانَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ فِعْلًا لِلْقُلُوبِ أَيْضًا . وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ خَصَّصَ الْأَعْمَالَ بِمَا لَا يَكُونُ قَوْلًا . وَأَخْرَجَ الْأَقْوَالَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا عِنْدِي بُعْدٌ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ " الْعَمَلِ " يَعُمُّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ . نَعَمْ لَوْ كَانَ خُصِّصَ بِذَلِكَ لَفْظُ " الْفِعْلِ " لَكَانَ أَقْرَبَ . فَإِنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُمَا مُتَقَابِلَيْنِ ، فَقَالُوا : الْأَفْعَالُ ، وَالْأَقْوَالُ . وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ الْأَقْوَالَ أَيْضًا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْخَامِسُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ . فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِهِ . فَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ ، قَدَّرُوا : " صِحَّةُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " أَوْ مَا يُقَارِبُهُ . وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا : قَدَّرُوهُ " كَمَالُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " أَوْ مَا يُقَارِبُهُ . وَقَدْ رُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْكَمَالِ ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ أَلْزَمَ لِلشَّيْءِ : كَانَ أَقْرَبَ إلَى خُطُورِهِ بِالْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ . فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى . وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَدِّرُونَهُ " إنَّمَا اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " وَقَدْ قَرَّبَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِنَظَائِرَ مِنْ الْمُثُلِ ، كَقَوْلِهِمْ : إنَّمَا الْمُلْكُ بِالرِّجَالِ ؛ أَيْ قِوَامُهُ وَوُجُودُهُ . وَإِنَّمَا الرِّجَالُ بِالْمَالِ . وَإِنَّمَا الْمَالُ بِالرَّعِيَّةِ . وَإِنَّمَا الرَّعِيَّةُ بِالْعَدْلِ . كُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ : أَنَّ قِوَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ .

السَّادِسُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَيَدْخُلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الْمَسَائِلِ . وَمِنْ هَذَا عَظَّمُوا هَذَا الْحَدِيثَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } ثُلُثَا الْعِلْمِ . فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ حَصَلَتْ فِيهَا نِيَّةٌ ، فَلَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا عَلَى حُصُولِ الْمَنْوِيِّ . وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِيهَا نِيَّةٌ ، فَلَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ حُصُولِ مَا وَقَعَ فِي النِّزَاعِ . [ وَسَيَأْتِي مَا يُقَيَّدُ بِهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ ] فَإِنْ جَاءَ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْوِيَّ لَمْ يَحْصُلْ ، أَوْ أَنَّ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ يَحْصُلُ ، وَكَانَ رَاجِحًا : عُمِلَ بِهِ وَخَصَّصَ هَذَا الْعُمُومَ .

السَّابِعُ : قَوْلُهُ " فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ " اسْمُ " الْهِجْرَةِ " يَقَعُ عَلَى أُمُورٍ ، الْهِجْرَةُ الْأُولَى : إلَى الْحَبَشَةِ . عِنْدَمَا آذَى الْكُفَّارُ الصَّحَابَةَ . الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ : مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ . الْهِجْرَةُ الثَّالِثَةُ : هِجْرَةُ الْقَبَائِلِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَعْلَمَ الشَّرَائِعَ ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَوَاطِنِ ، وَيُعَلِّمُونَ قَوْمَهُمْ . الْهِجْرَةُ الرَّابِعَةُ : هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِيَأْتِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ . الْهِجْرَةُ الْخَامِسَةُ : هِجْرَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَحُكْمُهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ، غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ، لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ الْهِجْرَةِ وَإِنَّمَا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى أُمَّ قَيْسٍ . فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ وَلِهَذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ ، دُونَ سَائِرِ مَا تُنْوَى بِهِ الْهِجْرَةُ مِنْ أَفْرَادِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِالدُّنْيَا . الثَّامِنُ : الْمُتَقَرَّرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : أَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ وَالْمُبْتَدَأَ أَوْ الْخَبَرَ ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَغَايَرَا . وَهَهُنَا وَقَعَ الِاتِّحَادُ فِي قَوْلِهِ { فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } وَجَوَابُهُ : أَنَّ التَّقْدِيرَ : فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ حُكْمًا وَشَرْعًا . التَّاسِعُ : شَرَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفٍ فِي أَسْبَابِ الْحَدِيثِ ، كَمَا صُنِّفَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ . فَوَقَفْتُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ - عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحِكَايَةِ عَنْ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ - وَاقِعٌ عَلَى سَبَبٍ يُدْخِلُهُ فِي هَذَا الْقَبِيلِ . وَتَنْضَمُّ إلَيْهِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لِمَنْ قَصَدَ تَتَبُّعَهُ . الْعَاشِرُ : فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا " مَنْ نَوَى شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " مَنْ لَمْ يَنْوِ الشَّيْءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ " وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ . أَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَآخِرُهُ يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ { وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ } .

 

2 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ } .

 

" أَبُو هُرَيْرَةَ " فِي اسْمِهِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ . وَأَشْهُرُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ . أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ . وَتُوُفِّيَ - قَالَ خَلِيفَةُ : سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ . وَقَالَ الْهَيْثَمُ : سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : سَنَةَ تِسْعٍ . الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : " الْقَبُولُ " وَتَفْسِيرُ مَعْنَاهُ . قَدْ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ بِانْتِفَاءِ الْقَبُولِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } أَيْ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْمَحِيضِ . وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْحَدِيثِ : الِاسْتِدْلَال عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ . وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْقَبُولِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ . وَقَدْ حَرَّرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا بَحْثًا . ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقَبُولِ قَدْ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ مَعَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ ، كَالْعَبْدِ إذَا أَبَقَ لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ ، وَكَمَا وَرَدَ فِيمَنْ أَتَى عَرَّافًا . وَفِي شَارِبِ الْخَمْرِ . فَإِذَا أُرِيدَ تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ مِنْ انْتِفَاءِ الْقَبُولِ . فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِ مَعْنَى الْقَبُولِ ، وَقَدْ فُسِّرَ بِأَنَّهُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ . يُقَالُ : قَبِلَ فُلَانٌ عُذْرَ فُلَانٍ : إذَا رَتَّبَ عَلَى عُذْرِهِ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ . وَهُوَ مَحْوُ الْجِنَايَةِ وَالذَّنْبِ . فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيُقَالُ ، مَثَلًا فِي هَذَا الْمَكَانِ : الْغَرَضُ مِنْ الصَّلَاةِ : وُقُوعُهَا مُجْزِئَةً بِمُطَابَقَتِهَا لِلْأَمْرِ . فَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْغَرَضُ : ثَبَتَ الْقَبُولُ ، عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْسِيرِ . وَإِذَا ثَبَتَ الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ : ثَبَتَتْ الصِّحَّةُ . وَإِذَا انْتَفَى الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ : انْتَفَتْ الصِّحَّةُ . وَرُبَّمَا قِيلَ مِنْ جِهَةِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّ " الْقَبُولَ " كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالدَّرَجَاتُ عَلَيْهَا . وَ " الْإِجْزَاءُ " كَوْنُهَا مُطَابِقَةً لِلْأَمْرِ وَالْمَعْنَيَانِ إذَا تَغَايَرَا ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَخَصُّ مِنْ الْآخَرِ : لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيِ الْأَعَمِّ . و " الْقَبُولُ " عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ : أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَقْبُولٍ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ صَحِيحٍ مَقْبُولًا . وَهَذَا - إنْ نَفَعَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ عَنْهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ ، كَمَا حَكَيْنَا عَنْ الْأَقْدَمِينَ . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ : دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْقَبُولِ مِنْ لَوَازِمِ الصِّحَّةِ . فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَتْ ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ . وَيُحْتَاجُ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ عَنْهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ إلَى تَأْوِيلٍ ، أَوْ تَخْرِيجِ جَوَابٍ . عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ فَسَّرَ " الْقَبُولَ " بِكَوْنِ الْعِبَادَةِ مُثَابًا عَلَيْهَا ، أَوْ مَرْضِيَّةً ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ : أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ نَفْي الْقَبُولِ نَفْي الصِّحَّةِ : أَنْ يُقَالَ : الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ تَقْتَضِي : أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا أُتِيَ بِهَا مُطَابِقَةً لِلْأَمْرِ كَانَتْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ وَالْإِجْزَاءِ . وَالظَّوَاهِرُ فِي ذَلِكَ لَا تَنْحَصِرُ .

الْوَجْهُ الثَّانِي : فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى : " الْحَدَثِ " فَقَدْ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا : الْخَارِجُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ . وَيَقُولُونَ : الْأَحْدَاثُ كَذَا وَكَذَا . الثَّانِي : نَفْسُ خُرُوجِ ذَلِكَ الْخَارِجِ .

الثَّالِثُ : الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْخُرُوجِ . وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ قَوْلُنَا " رَفَعْت الْحَدَثَ " وَ " نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ " فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَالْخُرُوجِ قَدْ وَقَعَ . وَمَا وَقَعَ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ ، بِمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ وَاقِعًا . وَأَمَّا الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْخُرُوجِ : فَإِنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ بِهِ . وَمَدَّ غَايَتَهُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُكَلَّفِ الطَّهُورَ ، فَبِاسْتِعْمَالِهِ يَرْتَفِعُ الْمَنْعُ . فَيَصِحُّ قَوْلُنَا " رَفَعْت الْحَدَثَ " وَ " ارْتَفَعَ الْحَدَثُ " أَيْ ارْتَفَعَ الْمَنْعُ الَّذِي كَانَ مَمْدُودًا إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ . وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَقْوَى قَوْلُ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ . ؛ لِأَنَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَفِعَ : هُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَذَلِكَ الْمَنْعُ مُرْتَفِعٌ بِالتَّيَمُّمِ . فَالتَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ . غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ : أَنَّ رَفْعَهُ لِلْحَدَثِ مَخْصُوصٌ بِوَقْتٍ مَا ، أَوْ بِحَالَةٍ مَا . وَهِيَ عَدَمُ الْمَاءِ . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا . وَقَدْ كَانَ الْوُضُوءُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَاجِبًا لِكُلِّ صَلَاةٍ ، عَلَى مَا حَكَوْهُ وَلَا نَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ . وَهُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ . وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ انْتِهَائِهِ بِانْتِهَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ : أَنْ لَا يَكُونَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ . وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ ؛ أَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ : إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ . نَعَمْ هَهُنَا مَعْنًى رَابِعٌ ، يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدَثَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ مُقَدَّرٌ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ . وَيُنْزِلُونَ ذَلِكَ الْحُكْمِيَّ مَنْزِلَةَ الْحِسِّيِّ فِي قِيَامِهِ بِالْأَعْضَاءِ . فَمَا نَقُولُ : إنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ - كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ - يُزِيلُ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْحُكْمِيَّ . فَيَزُولُ الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ الْحُكْمِيِّ . وَمَا نَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُقَدَّرُ الْقَائِمُ بِالْأَعْضَاءِ حُكْمًا بَاقٍ لَمْ يَزُلْ . وَالْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ زَائِلٌ . فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ نَقُولُ : إنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ الْوَصْفُ الْحُكْمِيُّ الْمُقَدَّرُ وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ زَائِلًا . وَحَاصِلُ هَذَا : أَنَّهُمْ أَبْدَوْا لِلْحَدَثِ مَعْنًى رَابِعًا ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَعَانِي . وَجَعَلُوهُ مُقَدَّرًا قَائِمًا بِالْأَعْضَاءِ حُكْمًا ، كَالْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ ، وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الْمَعْنَى الرَّابِعِ ، الَّذِي ادَّعَوْهُ مُقَدَّرًا قَائِمًا بِالْأَعْضَاءِ ، فَإِنَّهُ مَنْفِيٌّ بِالْحَقِيقَةِ ، وَالْأَصْلُ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ لَهَا ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ . وَأَقْرَبُ مَا يُذْكَرُ فِيهِ : أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ قَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَانِعُ ، كَمَا يُقَالُ ، وَالْمَسْأَلَةُ مُتَنَازَعٌ فِيهَا . فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ . وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ : لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ انْتِقَالُ مَانِعٍ إلَيْهِ . فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْوَجْهُ الثَّالِثُ : اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ " الْحَدَثَ " عَامًّا فِيمَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ ، فَإِذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ - أَعْنِي قَوْلَهُ { إذَا أَحْدَثَ } - جَمَعَ أَنْوَاعَ النَّوَاقِضِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ ، لَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ فَسَّرَ الْحَدَثَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ - لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ - بِأَخَصَّ مِنْ هَذَا الِاصْطِلَاحِ ، وَهُوَ الرِّيحُ ، إمَّا بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِ صَوْتٍ ، فَقِيلَ لَهُ : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، مَا الْحَدَثُ ؟ فَقَالَ : فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ " وَلَعَلَّهُ قَامَتْ لَهُ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ اقْتَضَتْ هَذَا التَّخْصِيصَ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الْقَبُولَ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الْوُضُوءِ . وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا . فَيَقْتَضِي ذَلِكَ قَبُولَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا . وَتَدْخُلُ تَحْتَهُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْوُضُوءِ لَهَا ثَانِيًا .

 

3 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ } .

 

الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الْأَعْضَاءِ بِالْمُطَهِّرِ ، وَأَنْ تَرْكَ الْبَعْضِ مِنْهَا غَيْرُ مُجْزِئٍ . وَنَصُّهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْقَابِ . وَسَبَبُ التَّخْصِيصِ : أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ . وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ " . وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ . وَالْمُرَادُ : الْأَعْقَابُ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُخَصَّ بِتِلْكَ الْأَعْقَابِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ . وَتَكُونُ الْأَعْقَابُ الَّتِي صِفَتُهَا هَذِهِ الصِّفَةُ ، أَيْ الَّتِي لَا تُعَمَّمُ بِالْمُطَهِّرِ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ الْمُطْلَقِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { رَآنَا وَنَحْنُ نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ } فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الْأَرْجُلِ غَيْرُ مُجْزِئٍ . وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِجَيِّدٍ . ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " أَنَّ الْأَعْقَابَ كَانَتْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ " وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ بِالِاتِّفَاقِ . وَاَلَّذِينَ اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُجْزِئٍ إنَّمَا اعْتَبَرُوا لَفْظَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَطْ ، وَقَدْ رُتِّبَ فِيهَا الْوَعِيدُ عَلَى مُسَمَّى الْمَسْحِ . وَلَيْسَ فِيهَا تَرْكُ بَعْضِ الْعُضْوِ . وَالصَّوَابُ - إذَا جُمِعَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ - : أَنْ يَسْتَدِلُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيُجْمَعُ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ . فَبِهِ يَظْهَرُ الْمُرَادُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ " الْعَقِبَ " مَحَلٌّ لِلتَّطْهِيرِ ، فَيَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ يَكْتَفِي بِالتَّطْهِيرِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ .

 

4 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاءِ } وَفِي لَفْظٍ { مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ } .

 

فِيهِ مَسَائِلُ : الْأُولَى : فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : " فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ " وَلَمْ يَقُلْ " مَاءً " وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِهَا وَتَرَكَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .

الثَّانِيَةُ : تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الِاسْتِنْشَاقِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ : عَدَمُ الْوُجُوبِ . وَحَمَلَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ ، بِدَلَالَةِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ { تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ } فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ . وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ .

الثَّالِثَةُ : الْمَعْرُوفُ أَنَّ " الِاسْتِنْشَاقَ " جَذْبُ الْمَاءِ إلَى الْأَنْفِ . وَ " الِاسْتِنْثَارُ " دَفْعُهُ لِلْخُرُوجِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِنْثَارَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ الَّذِي هُوَ الْجَذْبُ وَأَخَذَهُ مِنْ النَّثْرَةِ ، وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ . وَالِاسْتِفْعَالُ مِنْهَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْجَذْبُ وَالدَّفْعُ مَعًا . وَالصَّحِيحُ : هُوَ الْأَوَّلُ . ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ .

الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } الظَّاهِرُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ : اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِطَابَةِ وَإِيتَارٌ فِيهَا بِالثَّلَاثِ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ . فَإِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ أَمْرَانِ . أَحَدُهُمَا : إزَالَةُ الْعَيْنِ . وَالثَّانِي : اسْتِيفَاءُ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ . وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ . لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيتَارِ بِالثَّلَاثِ . فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ . وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ النَّاسِ الِاسْتِجْمَارَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ لِلتَّطَيُّبِ . فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ . فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عَلَى هَذَا . وَالظَّاهِرُ : هُوَ الْأَوَّلُ ، أَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ : هُوَ اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ .

الْخَامِسَةُ : ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ ، عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ . وَلَا يُفَرِّقُ هَؤُلَاءِ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ ، لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ } وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى وُجُوبِ ذَلِكَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، دُونَ نَوْمِ النَّهَارِ . لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ؟ } وَالْمَبِيتُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ . وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا . وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ . وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْأَمْرَ - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَهُ الْوُجُوبُ - إلَّا أَنَّهُ يُصْرَفُ عَنْ الظَّاهِرِ لِقَرِينَةٍ وَدَلِيلٍ ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ ، وَقَامَتْ الْقَرِينَةُ هَهُنَا . فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكَّ . وَهُوَ قَوْلُهُ { فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ؟ } وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أَنَّ الشَّكَّ لَا يَقْتَضِي وُجُوبًا فِي الْحُكْمِ ، إذَا كَانَ الْأَصْلُ الْمُسْتَصْحَبُ عَلَى خِلَافِهِ مَوْجُودًا . وَالْأَصْلُ : الطَّهَارَةُ فِي الْيَدِ ، فَلْتُسْتَصْحَبْ [ وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الصَّيْدِ ] . السَّادِسَةُ ، قِيلَ : إنَّ سَبَبَ هَذَا الْأَمْرِ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ ، فَرُبَّمَا وَقَعَتْ الْيَدُ عَلَى الْمَحِلِّ وَهُوَ عَرِقٌ ، فَتَنَجَّسَتْ . فَإِذَا وُضِعَتْ فِي الْمَاءِ نَجَّسَتْهُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ : هُوَ مَا يَكُونُ فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُتَوَضَّأُ مِنْهَا . وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا الْقِلَّةُ . وَقِيلَ : إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ حَكِّ بَثْرَةٍ فِي جِسْمِهِ ، أَوْ مُصَادَفَةِ حَيَوَانٍ ذِي دَمٍ فَيَقْتُلُهُ ، فَيَتَعَلَّقُ دَمُهُ بِيَدِهِ . السَّابِعَةُ : الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ : اسْتَحَبُّوا غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا ، سَوَاءً قَامَ مِنْ النَّوْمِ أَمْ لَا . وَلَهُمْ فِيهِ مَأْخَذَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ : وَارِدٌ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِسَبْقِ نَوْمٍ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي عُلِّلَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ - وَهُوَ جَوَلَان الْيَدِ مَوْجُودٌ فِي حَالِ الْيَقَظَةِ . فَيَعُمُّ الْحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ . الثَّامِنَةُ : فَرَّقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، أَوْ مَنْ فَرَّقَ مِنْهُمْ ، بَيْنَ حَالِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ وَغَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ . فَقَالُوا فِي الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ : يُكْرَهُ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا . وَفِي غَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ : يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهَا ، قَبْلَ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ . وَلْيُعْلَمْ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا " يُسْتَحَبُّ فِعْلُ كَذَا " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " يُكْرَهُ تَرْكُهُ " فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا . فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُسْتَحَبَّ الْفِعْلِ ، وَلَا يَكُونُ مَكْرُوهَ التَّرْكِ ، كَصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا ، وَكَثِيرٍ مِنْ النَّوَافِلِ . فَغَسْلُهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ ، قَبْلَ إدْخَالِهَا الْإِنَاءَ : مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ . وَتَرْكُ غَسْلِهَا لِلْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ : مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ . وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ النَّهْيِ عَنْ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْغَسْلِ فِي حَقِّ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ . وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ هِيَ الْأَظْهَرُ .

التَّاسِعَةُ : اُسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : الْفَرْقُ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ ، وَوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ . وَوَجْهُ ذَلِكَ : أَنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ، لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي : أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ . وَأَمَرَ بِغَسْلِهَا بِإِفْرَاغِ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِلتَّطْهِيرِ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي : أَنَّ مُلَاقَاتَهَا لِلْمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ ، وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّطْهِيرِ .

الْعَاشِرَةُ : اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ : أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ . فَإِنَّهُ مُنِعَ مِنْ إدْخَالِ الْيَدِ فِيهِ ، لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَيَقُّنَهَا مُؤَثِّرٌ فِيهِ ، وَإِلَّا لَمَا اقْتَضَى احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ الْمَنْعَ . وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي . ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ : أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ ، وَمُطْلَقُ التَّأْثِيرِ أَعَمُّ مِنْ التَّأْثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَعَمِّ ثُبُوتُ الْأَخَصِّ الْمُعَيَّنِ . فَإِذَا سَلَّمَ الْخَصْمُ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ يَكُونُ مَكْرُوهًا ، فَقَدْ ثَبَتَ مُطْلَقُ التَّأْثِيرِ . فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ خُصُوصِ التَّأْثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ . وَقَدْ يُورَدُ عَلَيْهِ : أَنَّ الْكَرَاهَةَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ التَّوَهُّمِ . فَلَا يَكُونُ أَثَرُ الْيَقِينِ هُوَ الْكَرَاهَةُ . وَيُجَابُ عَنْهُ : بِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الْيَقِينِ زِيَادَةٌ فِي رُتْبَةِ الْكَرَاهَةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

5 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ } وَلِمُسْلِمٍ { لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ } .

 

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : " الْمَاءُ الدَّائِمُ " هُوَ الرَّاكِدُ . وَقَوْلُهُ " الَّذِي لَا يَجْرِي " تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الدَّائِمِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ ؛ فَإِنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ عُمُومٍ . وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَخُصُّونَ هَذَا الْعُمُومَ ، وَيَحْمِلُونَ النَّهْيَ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ . وَيَقُولُونَ بِعَدَمِ تَنْجِيسِ الْقُلَّتَيْنِ - فَمَا زَادَ - إلَّا بِالتَّغَيُّرِ : مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ . فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ الْعَامُّ فِي النَّهْيِ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . فَإِنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ تَنْجِيسِ الْقُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا . وَذَلِكَ أَخَصُّ مِنْ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْعَامِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ . وَلِأَحْمَدَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى : وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، مِنْ عَذِرَتِهِ الْمَائِعَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ . فَأَمَّا بَوْلُ الْآدَمِيِّ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ : فَيُنَجِّسُ الْمَاءَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ . وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ : فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُلَّتَانِ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى الْخَبَثَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَنْجَاسِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَوْلِ الْآدَمِيِّ . فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ ، بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّجَاسَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ . وَيَخْرُجُ بَوْلُ الْآدَمِيِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ النَّجَاسَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُلَّتَيْنِ بِخُصُوصِهِ . فَيُنَجِّسُ الْمَاءَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ . وَيَلْحَقُ بِالْبَوْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ : مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ . ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَبْحِرَ الْكَثِيرَ جِدًّا : لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ . وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ : امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ . فَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ - لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ - لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ صُورَةُ التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ ، أَعْنِي عَنْ الْحُكْمِ بِالْكَرَاهِيَةِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ ثَمَّ : التَّحْرِيمُ ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْكُلِّ . فَلِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولُوا : خَرَجَ عَنْهُ الْمُسْتَبْحِرُ الْكَثِيرُ جِدًّا بِالْإِجْمَاعِ ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى حُكْمِ النَّصِّ ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ . وَيَقُولُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : خَرَجَ الْكَثِيرُ الْمُسْتَبْحِرُ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ . وَخَرَجَ الْقُلَّتَانِ فَمَا زَادَ ، بِمُقْتَضَى حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَيَبْقَى مَا نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ دَاخِلًا تَحْتَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ . وَيَقُولُ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ الْمَذْكُورِ : خَرَجَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ ، وَبَقِيَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ ، إلَّا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ ، مُقْتَضَى حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فِيهِ عَامٌّ فِي الْأَنْجَاسِ ، فَيُخَصُّ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ . وَلِمُخَالِفِهِمْ أَنْ يَقُولَ : قَدْ عَلِمْنَا جَزْمًا أَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى فِي النَّجَاسَةِ ، وَعَدَمِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ بِمَا خَالَطَهَا . وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي فِيهِ سَائِرُ الْأَنْجَاسِ ، وَلَا يَتَّجِهُ تَخْصِيصُ بَوْلِ الْآدَمِيِّ مِنْهَا ، بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى ، فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ لِهَذَا الْمَعْنَى - أَعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ الْأَقْذَارِ - أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ أَشَدُّ اسْتِقْذَارًا أَوْقَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَأَنْسَبَ لَهُ ، وَلَيْسَ بَوْلُ الْآدَمِيِّ بِأَقْذَرَ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، بَلْ قَدْ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ ، أَوْ يَرْجَحُ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى لِتَخْصِيصِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْعِ مَعْنًى . فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَوْلِ وَرَدَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ ، مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ . وَالْوُقُوفُ عَلَى مُجَرَّدِ الظَّاهِرِ هَهُنَا - مَعَ وُضُوحِ الْمَعْنَى ، وَشُمُولِهِ لِسَائِرِ الْأَنْجَاسِ - ظَاهِرِيَّةٌ مَحْضَةٌ . وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِذَا حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ يَسْتَمِرُّ حُكْمُ الْحَدِيثِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، غَيْرِ الْمُسْتَثْنَى بِالِاتِّفَاقِ [ وَهُوَ الْمُسْتَبْحِرُ ] مَعَ حُصُولِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاغْتِسَالِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِالْبَوْلِ . فَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ إلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ . فَإِنْ جَعَلْنَا النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ : كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ . وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى مَنْعِهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا : إنَّ حَالَةَ التَّغَيُّرِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ . فَلَا يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . وَهَذَا مُتَّجِهٌ ، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْصِيصُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَالْمُخَصِّصُ : الْإِجْمَاعُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُتَغَيِّرِ ] . الْوَجْهُ الثَّانِي : اعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاغْتِسَالِ لَا يَخُصُّ الْغُسْلَ ، بَلْ التَّوَضُّؤُ فِي مَعْنَاهُ . وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ } وَلَوْ لَمْ يَرِدْ لَكَانَ مَعْلُومًا قَطْعًا ، لِاسْتِوَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ ، لِفَهْمِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ : التَّنَزُّهُ عَنْ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْمُسْتَقْذِرَاتِ . الثَّالِثُ : وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ " وَفِي بَعْضِهَا " ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ " وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ ، يُفِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا بِطَرِيقِ النَّصِّ وَآخَرَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لَفْظَةُ " فِيهِ " لَاسْتَوَيَا ، لِمَا ذَكَرْنَا . الرَّابِعُ : مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ قَطْعًا : مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الظَّاهِرِيَّةُ الْجَامِدَةُ : مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِالْبَوْلِ فِي الْمَاءِ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي كُوزٍ وَصَبَّهُ فِي الْمَاءِ : لَمْ يَضُرَّ عِنْدَهُمْ . أَوْ لَوْ بَالَ خَارِجَ الْمَاءِ فَجَرَى الْبَوْلُ إلَى الْمَاءِ : لَمْ يَضُرَّ عِنْدَهُمْ أَيْضًا . وَالْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ حَاصِلٌ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِمْ . لِاسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِي الْحُصُولِ فِي الْمَاءِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ : اجْتِنَابُ مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِنْ الْمَاءِ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَجَالِ الظُّنُونِ ، بَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : وَهِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ } فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُسْتَعْمَلِ وَأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي الْمَاءِ يُفْسِدُهُ . ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ هَهُنَا عَلَى مُجَرَّدِ الْغُسْلِ . فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِمُجَرَّدِهِ . وَهِيَ خُرُوجُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلتَّطْهِيرِ بِهِ : إمَّا لِنَجَاسَتِهِ ، أَوْ لِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّخْصِيصِ . فَإِنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ - إمَّا الْقُلَّتَانِ فَمَا زَادَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَوْ الْمُسْتَبْحِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ . وَمَالِكٌ لِمَا رَأَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ : يَحْمِلُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ . وَقَدْ يُرَجِّحُهُ : أَنَّ وُجُوهَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ لَا تَخْتَصُّ بِالتَّطْهِيرِ . وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي النَّهْيِ . فَإِذَا حُمِلَ عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَفْسَدَةِ خُرُوجِ الْمَاءِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ : لَمْ يُنَاسَبْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَصَالِحِ الْمَاءِ تَبْقَى بَعْدَ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ الطَّهُورِيَّةِ ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ : كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ عَامَّةً ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَقْذَرُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فِيهِ . وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ أَوْ شُرْبٍ ، فَيَسْتَمِرُّ النَّهْيُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَفَاسِدِ الْمُتَوَقَّعَةِ ، إلَّا أَنَّ فِيهِ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ ، أَعْنِي حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ . فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ .

 

6 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا } وَلِمُسْلِمٍ { أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } .

 

فِيهِ مَسَائِلُ . الْأُولَى : الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ ظَاهِرٌ فِي تَنْجِيسِ الْإِنَاءِ . وَأَقْوَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ : الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ . وَهِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ ، إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ : أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا } فَإِنَّ لَفْظَةَ " طُهُورُ " تُسْتَعْمَلُ إمَّا عَنْ الْحَدَثِ ، أَوْ عَنْ الْخَبَثِ . وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ بِالضَّرُورَةِ . فَتَعَيَّنَ الْخَبَثُ . وَحَمَلَ مَالِكٌ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى التَّعَبُّدِ ، لِاعْتِقَادِهِ طَهَارَةَ الْمَاءِ وَالْإِنَاءِ . وَرُبَّمَا رَجَّحَهُ أَصْحَابُهُ بِذِكْرِ هَذَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ ، وَهُوَ السَّبْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّجَاسَةِ : لَاكْتَفَى بِمَا دُونَ السَّبْعِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَغْلَظَ مِنْ نَجَاسَةِ الْعَذِرَةِ . وَقَدْ اكْتَفَى فِيهَا بِمَا دُونَ السَّبْعِ . وَالْحَمْلُ عَلَى التَّنْجِيسِ أَوْلَى . ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَعَبُّدًا ، أَوْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى ، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى أَوْلَى . لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى . وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ أَغْلَظَ مِنْ نَجَاسَةِ الْعَذِرَةِ ، فَمَمْنُوعٌ عِنْدَ الْقَائِلِ بِنَجَاسَتِهِ ، نَعَمْ لَيْسَ بِأَقْذَرَ مِنْ الْعَذِرَةِ ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ التَّغْلِيظُ عَلَى زِيَادَةِ الِاسْتِقْذَارِ . وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا قُلْنَا بِهِ . وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّفَاصِيلِ مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ فِي التَّفْصِيلِ ، لَمْ يَنْقُصْ لِأَجْلِهِ التَّأْصِيلُ . وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ زِيَادَةُ التَّغْلِيظِ فِي النَّجَاسَةِ لَكُنَّا نَقْتَصِرُ فِي التَّعَبُّدِ عَلَى الْعَدَدِ ، وَنَمْشِي فِي أَصْلِ الْمَعْنَى عَلَى مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلنَّجَاسَةِ : فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ فَمِهِ مِنْ نَجَاسَةِ لُعَابِهِ ، فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ فَمِهِ ، وَفَمُهُ أَشْرَفُ مَا فِيهِ . فَبَقِيَّةُ بَدَنِهِ أَوْلَى . الثَّانِي : إذَا كَانَ لُعَابُهُ نَجِسًا - وَهُوَ عَرَقُ فَمِهِ - فَفَمُهُ نَجِسٌ . وَالْعَرَقُ جُزْءٌ مُتَحَلَّبٌ مِنْ الْبَدَنِ . فَجَمِيعُ عَرَقِهِ نَجِسٌ . فَجَمِيعُ بَدَنِهِ نَجِسٌ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَقَ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ . فَتَبَيَّنَ بِهَذَا : أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ ، وَأَنَّ نَجَاسَةَ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ . وَفِيهِ بَحْثٌ . وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَجَاسَةِ الْإِنَاءِ الْوُلُوغُ . وَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ نَجَاسَةِ عَيْنِ اللُّعَابِ وَعَيْنِ الْفَمِ ، أَوْ تَنَجُّسِهِمَا بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ غَالِبًا . وَالدَّالُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ . فَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْفَمِ ، أَوْ عَيْنِ اللُّعَابِ . فَلَا تَسْتَقِيمُ الدَّلَالَةُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ كُلِّهِ . وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ : لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ تَنْجِيسَ الْفَمِ أَوْ اللُّعَابِ - كَمَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ - لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ . وَهُوَ إمَّا وُقُوعُ التَّخْصِيصِ فِي الْعُمُومِ ، أَوْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ لِأَنَّا إذَا فَرَضْنَا تَطْهِيرَ فَمِ الْكَلْبِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ ، أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، فَوَلَغَ فِي الْإِنَاءِ : فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ وُجُوبُ غَسْلِهِ أَوْ لَا . فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَجَبَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ . وَإِنْ ثَبَتَ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ . وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ . وَاَلَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِهِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ ، أَنْ يُقَالَ : الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْغَالِبِ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الصُّوَرِ نَادِرٌ ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ . وَهَذَا الْبَحْثُ إذَا انْتَهَى إلَى هُنَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْغَسْلَ لِأَجْلِ قَذَارَةِ الْكَلْبِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي اعْتِبَارِ السَّبْعِ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ . وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، فِي قَوْلِهِ : يَغْسِلُ ثَلَاثًا .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ زِيَادَةُ " التُّرَابِ " وَقَالَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ . وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ الزِّيَادَةُ : فَلَمْ يَقُلْ بِهَا . وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ . وَقَالَ بِهَا غَيْرُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ ، فَفِي بَعْضِهَا " أُولَاهُنَّ " وَفِي بَعْضِهَا " أُخْرَاهُنَّ " وَفِي بَعْضِهَا " إحْدَاهُنَّ " وَالْمَقْصُودُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ : حُصُولُ التَّتْرِيبِ فِي مَرَّةٍ مِنْ الْمَرَّاتِ ، وَقَدْ يُرَجَّحُ كَوْنُهُ فِي الْأُولَى : بِأَنَّهُ إذَا تَرَّبَ أَوَّلًا ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَلْحَقَ بَعْضَ الْمَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ رَشَاشُ بَعْضِ الْغَسَلَاتِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَتْرِيبِهِ ، وَإِذَا أُخِّرَتْ غَسْلَةُ التَّتْرِيبِ ، فَلَحِقَ رَشَاشُ مَا قَبْلَهَا بَعْضَ الْمَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ : اُحْتِيجَ إلَى تَتْرِيبِهِ ، فَكَانَتْ الْأُولَى أَرْفَقَ بِالْمُكَلَّفِ . فَكَانَتْ أَوْلَى .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا { وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } تَقْتَضِي زِيَادَةَ مَرَّةٍ ثَامِنَةٍ ظَاهِرًا ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقِيلَ : لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَالْحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ : احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا ، أُولَاهُنَّ ، أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } قَدْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ ، وَيُوَصِّلَهُ إلَى الْمَحِلِّ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّهُ جَعَلَ مَرَّةَ التَّتْرِيبِ دَاخِلَةً فِي قِسْمِ مُسَمَّى الْغَسَلَاتِ ، وَذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ لَا يُسَمَّى غَسْلًا ، وَهَذَا مُمْكِنٌ . وَفِيهِ احْتِمَالٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحِلِّ ، وَأَتْبَعَهُ بِالْمَاءِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : غَسَلَ بِالتُّرَابِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلِ هَذَا فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ غَيْرُ طَهُورٍ ، إنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تُحَصِّلُ مُسَمَّى الْغَسْلِ [ وَهَذَا جَيِّدٌ ] . إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ " وَعَفِّرُوهُ " قَدْ يُشْعِرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالتَّتْرِيبِ بِطَرِيقِ ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ تَعْفِيرًا لُغَةً ، فَقَدْ ثَبَتَ مَا قَالُوهُ ، وَلَكِنْ لَفْظَةُ " التَّعْفِيرِ " حِينَئِذٍ تَنْطَلِقُ عَلَى ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ ، وَعَلَى إيصَالِهِ بِالْمَاءِ إلَيْهِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الْغَسْلَةِ ، إذْ دَلَّ عَلَى خَلْطِهِ بِالْمَاءِ وَإِيصَالِهِ إلَى الْمَحِلِّ بِهِ . فَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ التَّعْفِيرِ ، عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ " التَّعْفِيرِ " لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا ، أَعْنِي ذَرَّ التُّرَابِ وَإِيصَالَهُ بِالْمَاءِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الْحَدِيثُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْكِلَابِ . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ : قَوْلٌ بِتَخْصِيصِهِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ . وَالْأَقْرَبُ : الْعُمُومُ . ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صَرْفِهَا إلَى الْمَعْهُودِ الْمُعَيَّنِ ، فَالظَّاهِرُ كَوْنُهَا لِلْعُمُومِ ، وَمَنْ يَرَى الْخُصُوصَ قَدْ يَأْخُذُهُ مِنْ قَرِينَةٍ تَصْرِفُ الْعُمُومَ عَنْ ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُمْ نُهُوا عَنْ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ إلَّا لِوُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ . وَالْأَمْرُ بِالْغَسْلِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ عُقُوبَةٌ يُنَاسِبُهَا الِاخْتِصَاصُ بِمِنْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ فِي اتِّخَاذِ مَا مُنِعَ مِنْ اتِّخَاذِهِ . وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ مَا أُبِيحَ لَهُ اتِّخَاذُهُ ، فَإِيجَابُ الْغَسْلِ عَلَيْهِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ عُسْرٌ وَحَرَجٌ ، وَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِذْنُ وَالْإِبَاحَةُ فِي الِاتِّخَاذِ . وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَرِينَةُ مَوْجُودَةً عِنْدَ النَّهْيِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : الْإِنَاءُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ إنَاءٍ . وَالْأَمْرُ بِغَسْلِهِ لِلنَّجَاسَةِ . إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَنْجِيسَ مَا فِيهِ ، فَيَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ : قَوْلٌ : إنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ ، وَأَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ لَا يُرَاقُ وَلَا يُجْتَنَبُ . وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلٌ : إنَّهُ لِلنَّدْبِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ طَهَارَةَ الْكَلْبِ - بِالدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ - جَعَلَ ذَلِكَ قَرِينَةً صَارِفَةً لِلْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ . مِنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ . وَالْأَمْرُ قَدْ يُصْرَفُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالدَّلِيلِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ " بِالتُّرَابِ " يَقْتَضِي تَعَيُّنَهُ . وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ - أَوْ وَجْهٌ - إنَّ الصَّابُونَ وَالْأُشْنَانَ وَالْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ ، تَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتُّرَابِ : زِيَادَةُ التَّنْظِيفِ ، وَأَنَّ الصَّابُونَ وَالْأُشْنَانَ يَقُومَانِ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ . ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إذَا وَرَدَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، وَاحْتَمَلَ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَجُزْ إلْغَاءُ النَّصِّ ، وَاطِّرَاحُ خُصُوصِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ . وَالْأَمْرُ بِالتُّرَابِ - وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرُوهُ ، وَهُوَ زِيَادَةُ التَّنْظِيفِ - فَلَا نَجْزِمُ بِتَعْيِينِ ذَلِكَ الْمَعْنَى . فَإِنَّهُ يُزَاحِمُهُ مَعْنًى آخَرُ ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مُطَهِّرَيْنِ ، أَعْنِي الْمَاءَ وَالتُّرَابَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ . وَأَيْضًا ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِوَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ ، فَلَيْسَتْ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْقَوِيِّ . فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الِاحْتِمَالَاتُ ، فَالصَّوَابُ اتِّبَاعُ النَّصِّ . وَأَيْضًا ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطَ إذَا عَادَ عَلَى النَّصِّ بِإِبْطَالٍ أَوْ تَخْصِيصٍ : مَرْدُودٌ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ .

 

7 - الْحَدِيثُ السَّابِعُ : عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }

 

" عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَبْدِ مَنَافٍ . أَسْلَمَ قَدِيمًا . وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ . وَتَزَوَّجَ بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، لِثَمَانِي عَشَرَةَ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ . وَمَوْلَاهُ " حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ بْنِ خَالِدٍ كَانَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ . ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْبَصْرَةِ . احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ . وَكَانَ كَبِيرًا . الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا : " الْوَضُوءُ " بِفَتْحِ الْوَاوِ : اسْمٌ لِلْمَاءِ ، وَبِضَمِّهَا : اسْمٌ لِلْفِعْلِ عَلَى الْأَكْثَرِ . وَإِذَا كَانَ بِفَتْحِ الْوَاوِ اسْمًا لِلْمَاءِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - فَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ ، أَوْ لِلْمَاءِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُتَوَضِّئًا بِهِ ، أَوْ مُعَدًّا لِلْوُضُوءِ بِهِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى كَشْفٍ . وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ . وَهُوَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اُسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ : قَوْلُ جَابِرٍ " فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ " فَإِنَّا إنْ جَعَلْنَا " الْوَضُوءِ " اسْمًا لِمُطْلَقِ الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ " فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ " دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ . ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ : فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ مَائِهِ . وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهُ هُوَ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِي أَعْضَائِهِ . ؛ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى أَنَّ " الْوَضُوءَ " اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ . وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ : جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِوَضُوئِهِ : فَضْلَةَ مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِبَعْضِهِ ، لَا مَا اسْتَعْمَلَهُ فِي أَعْضَائِهِ . فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلِيلٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ . وَإِنْ جَعَلْنَا " الْوَضُوءَ " بِالْفَتْحِ : الْمَاءَ مُقَيَّدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوُضُوءِ - بِالضَّمِّ " أَعْنِي اسْتِعْمَالَهُ فِي الْأَعْضَاءِ ، أَوْ إعْدَادَهُ لِذَلِكَ : فَهَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : فِيهِ دَلِيلٌ . ؛ لِأَنَّ " وَضُوءَهُ " بِالْفَتْحِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَائِهِ الْمُعَدِّ لِلْوُضُوءِ بِالضَّمِّ ، وَبَيْنَ مَائِهِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوَضُوءِ . وَحَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ ، أَوْ الْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ وَاسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى الْمُعَدِّ مَجَازٌ . وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ الْأَقْرَبِ إلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى .

الثَّانِي : قَوْلُهُ " فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ " فِيهِ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا . وَالْحَدِيثُ الَّذِي مَضَى يُفِيدُ اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ عَدَمِ الْقِيَامِ : الِاسْتِحْبَابُ ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ : الْكَرَاهِيَةُ لِإِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا الثَّالِثُ : قَوْلُهُ " عَلَى يَدَيْهِ " يُؤْخَذُ مِنْهُ : الْإِفْرَاغُ عَلَيْهِمَا مَعًا . وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " أَنَّهُ أَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا " . قَوْلُهُ : " غَسَلَهُمَا " قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كَوْنِهِ غَسَلَهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ ، أَوْ مُفْتَرِقَتَيْنِ . وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ . الرَّابِعُ : قَوْلُهُ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " مُبَيِّنٌ لِمَا أُهْمِلَ مِنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ " إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ " رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا : ذِكْرُ الْعَدَدِ فِي الصَّحِيحِ . وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ .

الْخَامِسُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ تَمَضْمَضَ " مُقْتَضٍ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ . وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ : مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيكِ . وَمِنْهُ : مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ . وَاسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ - أَعْنِي الْمَضْمَضَةَ فِي الْوُضُوءِ - لِتَحْرِيكِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ . وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : " الْمَضْمَضَةُ " أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ يَمُجَّهُ - هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ - فَأَدْخَلَ الْمَجَّ فِي حَقِيقَةِ الْمَضْمَضَةِ . فَعَلَى هَذَا : لَوْ ابْتَلَعَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لِلسُّنَّةِ . وَهَذَا الَّذِي يَكْثُرُ فِي أَفْعَالِ الْمُتَوَضِّئِينَ [ أَعْنِي الْجَعْلَ وَالْمَجَّ ] وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْأَغْلَبُ وَالْعَادَةُ ، لَا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ تَأْدِي السُّنَّةِ عَلَى مَجِّهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

السَّادِسُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ " دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُمَا . فَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ . وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَةِ تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ الْمَفْرُوضِ : إنَّ صِفَاتِ الْمَاءِ ثَلَاثٌ أَعْنِي الْمُعْتَبَرَةَ فِي التَّطْهِيرِ - لَوْنٌ يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ ، وَطَعْمٌ يُدْرَكُ بِالذَّوْقِ وَرِيحٌ يُدْرَكُ بِالشَّمِّ ، فَقُدِّمَتْ هَاتَانِ السُّنَّتَانِ لِيَخْتَبِرَ حَالَ الْمَاءِ ، قَبْلَ أَدَاءِ الْفَرْضِ بِهِ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ رَأَى التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ . وَلَمْ يَرَهُ بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ ، كَمَا بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ . وَ " الْوَجْهُ " مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ . وَقَدْ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الِاشْتِقَاقَ ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَحْكَامًا . وَقَوْلُهُ " ثَلَاثًا " يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ هَذَا الْعَدَدِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ فِيهِ .

السَّابِعُ : قَوْلُهُ " وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ " الْمِرْفَقُ فِيهِ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ . وَالثَّانِي : عَكْسُهُ ، لُغَتَانِ . وَقَوْلُهُ " إلَى الْمِرْفَقَيْنِ " لَيْسَ فِيهِ إفْصَاحٌ بِكَوْنِهِ أَدْخَلَهُمَا فِي الْغَسْلِ ، أَوْ انْتَهَى إلَيْهِمَا وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إدْخَالِهِمَا فِي الْغَسْلِ . فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ : الْوُجُوبُ . وَخَالَفَ زُفَرُ وَغَيْرُهُ . وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ : أَنَّ كَلِمَةَ " إلَى " الْمَشْهُورُ فِيهَا : أَنَّهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " مَعَ " فَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَشْهُورِهَا . فَلَمْ يُوجِبْ إدْخَالَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَعْنَى " مَعَ " فَأَوْجَبَ إدْخَالَهَا . وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا أَوْ لَا . فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْجِنْسِ دَخَلَتْ ، كَمَا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ . وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَمْ تَدْخُلْ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } . وَقَالَ غَيْرُهُ : إنَّمَا دَخَلَ الْمِرْفَقَانِ هَهُنَا ؛ لِأَنَّ " إلَى " هَهُنَا غَايَةٌ لِلْإِخْرَاجِ ، لَا لِلْإِدْخَالِ . فَإِنَّ اسْمَ " الْيَدِ " يَنْطَلِقُ عَلَى الْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ . فَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْغَايَةُ لَوَجَبَ غَسْلُ الْيَدِ إلَى الْمَنْكِبِ . فَلَمَّا دَخَلَتْ : أَخْرَجَتْ عَنْ الْغَسْلِ مَا زَادَ عَلَى الْمِرْفَقِ . فَانْتَهَى الْإِخْرَاجُ إلَى الْمِرْفَقِ ، فَدَخَلَ فِي الْغَسْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمَّا تَرَدَّدَ لَفْظُ " إلَى " بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِلْغَايَةِ ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى " مَعَ " وَجَاءَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ " كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ . وَأَفْعَالُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ الْمُجْمَلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ . وَهَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ . ؛ لِأَنَّ " إلَى " حَقِيقَةٌ فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ ، مَجَازٌ بِمَعْنَى " مَعَ " وَلَا إجْمَالَ فِي اللَّفْظِ بَعْدَ تَبَيُّنِ حَقِيقَتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ : كَثْرَةُ نُصُوصِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ . وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا بِمَعْنَى " مَعَ " فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي ذَلِكَ . فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْمَجَازَ .

الثَّامِنُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ " ظَاهِرُهُ : اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ . ؛ لِأَنَّ اسْمَ " الرَّأْسِ " حَقِيقَةٌ فِي الْعُضْوِ كُلِّهِ . وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَسْحِ . وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ . ؛ لِأَنَّهُ فِي آخِرِهِ : إنَّمَا ذُكِرَ تَرْتِيبُ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ . وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ الصِّحَّةِ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ . فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوَابُ مُرَتَّبًا عَلَى إكْمَالِ مَسْحِ الرَّأْسِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إكْمَالُهُ ، كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، أَوْ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ . فَإِنْ سَلَكَ سَالِكٌ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمِرْفَقَيْنِ - مِنْ ادِّعَاءِ الْإِجْمَالِ فِي الْآيَةِ ، وَأَنَّ الْفِعْلَ بَيَانٌ لَهُ - فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ . ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْآيَةِ : مُبَيَّنٌ . إمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : مُطْلَقَ الْمَسْحِ ، عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْبَاءِ فِي الْآيَةِ التَّبْعِيضُ [ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ] ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ : الْكُلُّ ، عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ . بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْمَ " الرَّأْسِ " حَقِيقَةٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَنَّ " الْبَاءَ " لَا تُعَارِضُ ذَلِكَ . وَكَيْفَمَا كَانَ : فَلَا إجْمَالَ .

التَّاسِعُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ " صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِي أَنَّ وَاجِبَ الرِّجْلَيْنِ : الْمَسْحُ . وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَجَمَاعَةٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِيهِ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ - إلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } فَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : انْضَمَّ الْقَوْلُ إلَى الْفِعْلِ . وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ : الْغَسْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ .

الْعَاشِرُ : قَوْلُهُ " ثَلَاثًا " يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ثَلَاثًا وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَى هَذَا الْعَدَدَ فِي الرِّجْلِ ، كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا " وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا . فَاسْتُدِلَّ بِهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ . وَأُكِّدَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى : بِأَنَّ الرِّجْلَ لِقُرْبِهَا مِنْ الْأَرْضِ فِي الْمَشْيِ عَلَيْهَا يَكْثُرُ فِيهَا الْأَوْسَاخُ وَالْأَدْرَانُ ، فَيُحَالُ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِنْقَاءِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ . وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْعَدَدُ : زَائِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا فَالْأَخْذُ بِهَا مُتَعَيِّنٌ وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْعَدَدِ . فَلْيُعْمَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ " مِثْلَ " .

الْحَادِيَ عَشَرَ : قَوْلُهُ " نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا " لَفْظَةُ " نَحْوَ " لَا تُطَابِقُ لَفْظَةَ " مِثْلَ " فَإِنَّ لَفْظَةَ " مِثْلَ " يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، إلَّا فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ ، بِحَيْثُ يُخْرِجُهُمَا عَنْ الْوَحْدَةِ . وَلَفْظَةُ " نَحْوَ " لَا تُعْطِي ذَلِكَ وَلَعَلَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى الْمِثْلِ مَجَازًا أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِمَّا يَقْتَضِي الْمِثْلِيَّةَ إلَّا مَا لَا يَقْدَحُ فِي الْمَقْصُودِ . يَظْهَرُ فِي الْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ : أَنَّ فِيهِ أَشْيَاءَ مُلْغَاةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْفِعْلِ : فَإِذَا تَرَكْتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُمَاثِلًا حَقِيقَةً لِذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَلَمْ يَقْدَحْ تَرْكُهَا فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ . وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ ، وَتَرَتُّبُ الثَّوَابِ . وَإِنَّمَا احْتَجْنَا إلَى هَذَا وَقُلْنَا بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذُكِرَ لِبَيَانِ فِعْلٍ يُقْتَدَى بِهِ ، وَيَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ عَلَيْهِ . فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ الْمَحْكِيُّ الْمَفْعُولُ مُحَصِّلًا لِهَذَا الْغَرَضِ . فَلِهَذَا قُلْنَا : إمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَ " نَحْوَ " فِي حَقِيقَتِهَا ، مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ ، لَا بِمَعْنَى " مِثْلَ " أَوْ يَكُونَ تَرَكَ مَا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ . فَاسْتَعْمَلَ " نَحْوَ " فِي " مِثْلَ " مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُمْكِنُ أَنْ تُقَالَ : إنَّ الثَّوَابَ يَتَرَتَّبُ عَلَى مُقَارَنَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، تَسْهِيلًا وَتَوْسِيعًا عَلَى الْمُخَاطَبِينَ ، مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ وَنُقَيِّدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْبَيَانِ . الثَّانِيَ عَشَرَ : هَذَا الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ بِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْوُضُوءُ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ . وَالثَّانِي : صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَالْمُرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ : لَا يَلْزَمُ تَرَتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ . وَقَدْ أَدْخَلَ قَوْمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ . وَعَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ هَذَا السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَيُجَابُ عَنْهُ : بِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ جُزْءًا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ : كَافٍ فِي كَوْنِهِ ذَا فَضْلٍ . فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ دَالًا عَلَى فَضِيلَةِ الْوُضُوءِ . وَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ حُصُولِ الثَّوَابِ الْمَخْصُوصِ ، وَحُصُولِ مُطْلَقِ الثَّوَابِ . فَالثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ : يَتَرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ الْوُضُوءِ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ . وَالصَّلَاةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ . وَمُطْلَقُ الثَّوَابِ : قَدْ يَحْصُلُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ .

الثَّالِثَ عَشَرَ : قَوْلُهُ " وَلَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ " إشَارَةٌ إلَى الْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ الْوَارِدَةِ عَلَى النَّفْسِ . وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ . أَحَدُهُمَا : مَا يَهْجُمُ هَجْمًا يَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ عَنْ النَّفْسِ . وَالثَّانِي : مَا تَسْتَرْسِلُ مَعَهُ النَّفْسُ ، وَيُمْكِنُ قَطْعُهُ وَدَفْعُهُ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي . فَيَخْرُجُ عَنْهُ النَّوْعُ الْأَوَّلُ ، لِعُسْرِ اعْتِبَارِهِ . وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ : لَفْظَةُ " يُحَدِّثُ نَفْسَهُ " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ ، وَتَفَعُّلًا لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ مَعًا ، إلَّا أَنَّ الْعُسْرَ إنَّمَا يَجِبُ دَفْعُهُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ . وَالْحَدِيثُ إنَّمَا يَقْتَضِي تَرَتُّبَ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى عَمَلٍ مَخْصُوصٍ . فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمَلُ : حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الثَّوَابُ ، وَمَنْ لَا ، فَلَا . وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّكَالِيفِ ، حَتَّى يَلْزَمَ رَفْعُ الْعُسْرِ عَنْهُ . نَعَمْ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَالَةُ مُمْكِنَةَ الْحُصُولِ - أَعْنِي الْوَصْفَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ - وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ . فَإِنَّ الْمُتَجَرِّدِينَ عَنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا ، الَّذِينَ غَلَبَ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَغَمَرَهَا : تَحْصُلُ لَهُمْ تِلْكَ الْحَالَةُ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ .

الرَّابِعَ عَشَرَ " حَدِيثُ النَّفْسِ " يَعُمُّ الْخَوَاطِرَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالدُّنْيَا ، وَالْخَوَاطِرَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْآخِرَةِ . وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا . إذْ لَا بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ ، كَالْفِكْرِ فِي مَعَانِي الْمَتْلُوِّ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ، وَالْمَذْكُورِ مِنْ الدَّعَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ . وَلَا نُرِيدُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ : كُلَّ أَمْرٍ مَحْمُودٍ ، أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ . فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ . وَإِدْخَالُهُ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " إنِّي لَأُجَهِّزُ الْجَيْشَ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ " أَوْ كَمَا قَالَ . وَهَذِهِ قُرْبَةٌ ، إلَّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ .

8 - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ } . وَفِي رِوَايَةٍ { أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ } التَّوْرُ : شِبْهُ الطَّسْتِ .

 

عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ : ثِقَةٌ . رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ . وَكَذَلِكَ أَبُوهُ ثِقَةٌ ، اتَّفَقُوا عَلَيْهِ . فِيهِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ زَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ : وَهُوَ غَيْرُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، لَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ . وَحَدِيثُ الْأَذَانِ وَرُؤْيَتِهِ فِي الْمَنَامِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ لَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ . فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ . فَإِنَّهُ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ وَالْغَلَطُ . الثَّانِي : قَوْلُهُ " فَدَعَا بِتَوْرٍ " التَّوْرُ : بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ : الطَّسْتُ . وَالطَّسْتُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِفَتْحِهَا ، وَبِإِسْقَاطِ التَّاءِ - لُغَاتٌ . الثَّالِثُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ مِنْ آنِيَةِ الصُّفْرِ . وَالطَّهَارَةُ جَائِزَةٌ مِنْ الْأَوَانِي الطَّاهِرَةِ كُلِّهَا ، إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا . وَقِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى ذَلِكَ .

الرَّابِعُ : مَا يَتَعَلَّقُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ : قَدْ مَرَّ . وَقَوْلُهُ " فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ " تَعَرَّضَ لِكَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَصْلِ وَالْجَمْعِ ، وَعَدَدِ الْغَرَفَاتِ . وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ الْجَمْعَ . وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ الْفَصْلَ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غُرْفَةٍ ، ثُمَّ فَعَلَ كَذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى ، ثُمَّ فَعَلَ كَذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى . وَهُوَ مُحْتَمِلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ غَيْرَ ذَلِكَ . وَهُوَ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَ الْعَدَدِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، مَعَ اعْتِبَارِ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ ، إلَّا أَنَّا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ . مِثَالُ ذَلِكَ : أَنْ يَغْرِفَ غُرْفَةً ، فَيَتَمَضْمَضَ بِهَا مَرَّةً مَثَلًا . ثُمَّ يَأْخُذَ غُرْفَةً أُخْرَى . فَيَتَمَضْمَضَ بِهَا مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ يَأْخُذَ غُرْفَةً أُخْرَى ، فَيَسْتَنْشِقَ بِهَا ثَلَاثًا ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي تُعْطِي هَذَا الْمَعْنَى . فَيَصْدُقُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ : تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا مِنْ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ .

الْخَامِسُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا " قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ . وَقَوْلُهُ " وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ، وَاثْنَتَيْنِ فِي بَعْضِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَبَعْضُهُ ثَلَاثًا ، وَبَعْضُهُ مَرَّتَيْنِ . وَهُوَ هَذَا الْحَدِيثُ .

السَّادِسُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ، مَعَ التَّكْرَارِ فِي غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَوَرَدَ الْمَسْحُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا ، وَفِي بَعْضِهَا مُقَيَّدًا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَوْلُهُ " فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ " اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ ، عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ . أَحَدُهَا : أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ ، وَيَذْهَبَ إلَى الْقَفَا ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، وَهُوَ مَبْدَأُ الشَّعْرِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ " وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ - أَعْنِي إطْلَاقَ قَوْلِهِ " فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ " - إشْكَالٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ إلَى جِهَةِ الْقَفَا إدْبَارٌ ، وَرُجُوعَهُ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ إقْبَالٌ . فَمِنْ النَّاسِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُفَسِّرُ وَهُوَ قَوْلُهُ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ . .. إلَخْ " . وَأَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ " الْوَاوَ " لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ . فَالتَّقْدِيرُ : أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ . وَعِنْدِي فِيهِ جَوَابٌ آخَرُ ؛ وَهُوَ أَنَّ " الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ " مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ أَعْنِي : أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى مَا يُقْبِلُ إلَيْهِ ، وَيُدْبِرُ عَنْهُ ، فَيُمْكِنُهُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِقْبَالِ : الْإِقْبَالَ عَلَى الْفِعْلِ لَا غَيْرَ وَيُضَعِّفُهُ قَوْلُهُ " وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً " . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَيَمُرُّ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْمُؤَخَّرِ ، مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ " أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ " وَيُنْسَبُ الْإِقْبَالُ : إلَى مُقَدَّمِ الْوَجْهِ ، وَالْإِدْبَارُ : إلَى نَاحِيَةِ الْمُؤَخَّرِ . وَهَذَا يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الْمُفَسِّرُ لِكَيْفِيَّةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ . وَإِنْ كَانَ يُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ } فَقَدْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَةٍ ، أَوْ وَقْتٍ . وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْسِيرِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : يَبْدَأُ بِالنَّاصِيَةِ ، وَيَذْهَبُ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ ، ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى جِهَةِ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ ، وَهُوَ النَّاصِيَةُ . وَكَأَنَّ هَذَا قَدْ قَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِهِ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ " [ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ظَاهِرِ " أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ " ] فَإِنَّهُ إذَا بَدَأَ بِالنَّاصِيَةِ صَدَقَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، وَصَدَقَ أَنَّهُ أَقْبَلَ أَيْضًا . فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ ، وَهُوَ الْقُبُلُ . إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُفَسِّرَةِ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ " قَدْ يُعَارِضُ هَذَا . فَإِنَّهُ جَعَلَهُ بَادِئًا بِالْمُقَدَّمِ إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى قَفَاهُ . وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِلُ - تَقْتَضِي أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، غَيْرَ ذَاهِبٍ إلَى قَفَاهُ ، بَلْ إلَى نَاحِيَةِ وَجْهِهِ : وَهُوَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَائِلُ - الَّذِي اخْتَارَ هَذِهِ الصِّفَةَ الْأَخِيرَةَ - : إنَّ الْبُدَاءَةَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ مُمْتَدٌّ إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى الْمُؤَخَّرِ ، وَابْتِدَاءُ الذَّهَابِ مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَجْهِ إلَى الْقَفَا . وَالْحَدِيثُ إنَّمَا جَعَلَ الْبُدَاءَةَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى الْقَفَا ، لَا إلَى غَايَةِ الْوُصُولِ إلَى الْقَفَا وَفَرْقٌ بَيْنَ الذَّهَابِ إلَى الْقَفَا ، وَبَيْنَ الْوُصُولِ إلَيْهِ . فَإِذَا جَعَلَ هَذَا الْقَائِلُ الذَّهَابَ إلَى الْقَفَا مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ مِنْ مُبْتَدَأِ الشَّعْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَجْهِ إلَى جِهَةِ الْقَفَا : صَحَّ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى جِهَةِ الْقَفَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْعَدَدِ فِيهِمَا ، أَوْ عَدَمِ الْعَدَدِ . وَالرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ : مُصَرِّحَةٌ بِالْوُضُوءِ مِنْ الصُّفْرِ . وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ . وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي قَوْلِهِ " تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَجَازٌ ، أَعْنِي قَوْلَهُ " مِنْ تَوْرٍ مِنْ مَاءٍ " وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى : مِنْ إنَاءِ مَاءٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .

 

9 - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ ، وَتَرَجُّلِهِ ، وَطُهُورِهِ ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ } .

 

" عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تُكَنَّى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْمُهُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ . يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ . تُوُفِّيَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ . وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ . تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ ، وَقِيلَ : بِثَلَاثٍ . وَ " التَّنَعُّلُ " لُبْسُ النَّعْلِ . وَ " التَّرَجُّلُ " تَسْرِيحُ الشَّعْرِ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : شَعْرٌ مُرَجَّلٌ ، أَيْ مُسَرَّحٌ . وَقَالَ كُرَاعٌ : شَعْرٌ رَجْلٌ وَرَجِلٌ ، وَقَدْ رَجَّلَهُ صَاحِبُهُ : إذَا سَرَّحَهُ وَدَهَنَهُ وَمَعْنَى التَّيَمُّنِ فِي التَّنَعُّلِ : الْبُدَاءَةُ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى . وَمَعْنَاهُ فِي التَّرَجُّلِ : الْبُدَاءَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنْ الرَّأْسِ فِي تَسْرِيحِهِ وَدَهْنِهِ . وَفِي الطُّهُورِ : الْبُدَاءَةُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ . وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ . وَالْبُدَاءَةُ بِالْيُمْنَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ ، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ ، حَيْثُ جُمِعَا فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، حَيْثُ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ { أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } . وَقَوْلُهَا " وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ " عَامٌّ يُخَصُّ ، فَإِنَّ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، يُبْدَأُ فِيهِمَا بِالْيَسَارِ . وَكَذَلِكَ مَا يُشَابِهُهُمَا .

 

10 - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ : عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : سَمِعْتُ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ } .

 

الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ " الْمُجْمِرِ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ . وُصِفَ بِهِ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُجَمِّرُ الْمَسْجِدَ ، أَيْ يُبَخِّرُهُ . الثَّانِي : قَوْلُهُ " إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ " يَحْتَمِلُ " غُرًّا " وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَيُدْعَوْنَ ، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى يُسَمَّوْنَ غُرًّا . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَقْرَبُ - أَنْ يَكُونَ حَالًا ، كَأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ أَوْ الْمِيزَانِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْعَى النَّاسُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، أَيْ غُرًّا مُحَجَّلِينَ . فَيُعَدَّى " يُدْعَوْنَ " فِي الْمَعْنَى بِالْحَرْفِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ اللَّهِ } وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى " يُدْعَوْنَ " بِحَرْفِ الْجَرِّ . وَيَكُونُ " غُرًّا " حَالًا أَيْضًا . وَالْغُرَّةُ : فِي الْوَجْهِ . وَالتَّحْجِيلُ : فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ . الثَّالِثُ : الْمَرْوِيُّ الْمَعْرُوفُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ " الضَّمُّ فِي " الْوُضُوءِ " وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَتْحِ ، أَيْ مِنْ آثَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ : نَشَأَ عَنْ الْفِعْلِ بِالْمَاءِ . فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا . الرَّابِعُ : قَوْلُهُ " فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ " اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى لَفْظِ " الْغُرَّةِ " هُنَا ، دُونَ التَّحْجِيلِ - وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ التَّحْجِيلِ أَيْضًا . وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَا بِسَبِيلٍ وَاحِدٍ . وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَالُوا : يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ . وَأَرَادُوا : الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ . وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ فِي الْوَجْهِ : بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ . وَفِي الْيَدَيْنِ : بِغَسْلِ بَعْضِ الْعَضُدَيْنِ . وَفِي الرِّجْلَيْنِ : بِغَسْلِ بَعْضِ السَّاقَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَقْيِيدٌ وَلَا تَحْدِيدٌ لِمِقْدَارِ مَا يُغْسَلُ مِنْ الْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ . وَقَدْ اسْتَعْمَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَظَاهِرِهِ فِي طَلَبِ إطَالَةِ الْغُرَّةِ فَغَسَلَ إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمَنْكِبَيْنِ . وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ . وَرَأَيْتُ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ ذَكَرَ : أَنَّ حَدَّ ذَلِكَ : نِصْفُ الْعَضُدِ ، وَنِصْفُ السَّاقِ ا هـ .

 

باب الاستطابة

 

11 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ } .

 

الْخُبُثُ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ - جَمْعُ خَبِيثٍ ، وَالْخَبَائِثُ : جَمْعُ خَبِيثَةٍ . اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ . أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ " بْنِ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ - فَتْحُ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - أَنْصَارِيٌّ ، نَجَّارِيٌّ . خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَعُمِّرَ وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ كَثِيرُونَ ، يُقَالُ : ثَمَانُونَ ، ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ ذَكَرًا وَابْنَتَانِ . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ . وَقِيلَ : سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ . وَقِيلَ : كَانَتْ سِنُّهُ يَوْمَ مَاتَ : مِائَةً وَسَبْعَ سِنِينَ . وَقَالَ أَنَسٌ : أَخْبَرَتْنِي ابْنَتِي أُمَنَةُ : أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي - إلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ - بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ . الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا " : الِاسْتِطَابَةُ " إزَالَةُ الْأَذَى عَنْ الْمَخْرَجَيْنِ بِحَجَرٍ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ . مَأْخُوذٌ مِنْ الطِّيبِ ، يُقَالُ : اسْتَطَابَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُسْتَطِيبٌ . وَأَطَابَ ، فَهُوَ مُطَيِّبٌ . الثَّانِي : " الْخَلَاءُ " بِالْمَدِّ فِي الْأَصْلِ : هُوَ الْمَكَانُ الْخَالِي . كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ . ثُمَّ كَثُرَ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ . الثَّالِثُ : قَوْلُهُ " إذَا دَخَلَ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ : إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ . كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ . ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ . وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ فِي ابْتِدَاءِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ . فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ غَيْرَ مُعَدٍّ لِذَلِكَ - كَالصَّحْرَاءِ مَثَلًا - جَازَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ . وَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ - كَالْكُنُفِ - فَفِي جَوَازِ الذِّكْرِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ . فَمَنْ كَرِهَهُ ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يُؤَوِّلَ قَوْلَهُ " إذَا دَخَلَ " بِمَعْنَى : إذَا أَرَادَ . ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ " دَخَلَ " أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْكُنُفِ الْمَبْنِيَّةِ مِنْهَا عَلَى الْمَكَانِ الْبَرَاحِ ؛ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْمُرَادُ ، حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ - الْحَدِيثُ " . وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَكَانِ : فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ . وَيَحْمِلُ " دَخَلَ " عَلَى حَقِيقَتِهَا . الرَّابِعُ : " الْخُبُثُ " بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ : جَمْعُ خَبِيثٍ ، كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَغَالِيطِ الْمُحَدِّثِينَ رِوَايَتَهُمْ لَهُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ . وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هَذَا غَلَطًا ؛ لِأَنَّ فُعُلًا - بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ - يُخَفَّفُ عَيْنُهُ قِيَاسًا . فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُبْثِ - بِسُكُونِ الْبَاءِ - مَا لَا يُنَاسِبُ الْمَعْنَى ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ - وَهُوَ سَاكِنُ الْبَاءِ - بِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ مَضْمُومُ الْبَاءِ . نَعَمْ ، مَنْ حَمَلَهُ - وَهُوَ سَاكِنُ الْبَاءِ - عَلَى مَا لَا يُنَاسِبُ : فَهُوَ غَالِطٌ فِي الْحَمْلِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، لَا فِي اللَّفْظِ . الْخَامِسُ : الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ " أَيْ لِلْجَانِّ وَالشَّيَاطِينِ ، بَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ هَذَا الدُّعَاءِ الْمَخْصُوصِ لِهَذَا الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ .

 

12 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا } . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : " فَقَدِمْنَا الشَّامَ ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ " .

 

الْغَائِطُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ يَنْتَابُونَهُ لِلْحَاجَةِ . فَكَنُّوا بِهِ عَنْ نَفْسِ الْحَدَثِ ، كَرَاهِيَةً لِذِكْرِهِ بِخَاصِّ اسْمِهِ " وَالْمَرَاحِيضُ " جَمْعُ الْمِرْحَاضِ . وَهُوَ الْمُغْتَسَلُ . وَهُوَ أَيْضًا كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِ التَّخَلِّي . الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا " أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ نَجَّارِيٌّ ، شَهِدَ بَدْرًا . وَمَاتَ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ . وَقَالَ خَلِيفَةٌ : مَاتَ بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ خَمْسِينَ . وَذَلِكَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ . وَقِيلَ : فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ . الثَّانِي : قَوْلُهُ " إذَا أَتَيْتُمْ الْخَلَاءَ " اسْتَعْمَلَ " الْخَلَاءَ " فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَيْفَ كَانَ . ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ . وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَجَازًا . الثَّالِثُ : الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا . وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مَذَاهِبَ فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا ، عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا ، وَرَأَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَزَعَمَ أَنَّ نَاسِخَهُ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ . فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا } وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ التَّرْخِيصَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا : عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّحَارِي وَالْبُنْيَانِ فَمَنَعَ فِي الصَّحَارِي ، وَأَجَازَ فِي الْبُنْيَانِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى الْحَدِيثَ الَّذِي يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُنْيَانِ . فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، فَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ - عَلَى الصَّحَارِي ، وَحَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْبُنْيَانِ . وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ " رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا . فَقُلْتُ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ . فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَاعْلَمْ أَنَّ حَمْلَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى الصَّحَارِي مُخَالِفٌ لِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ مِنْ الْعُمُومِ . فَإِنَّهُ قَالَ " فَأَتَيْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قَبَلَ الْقِبْلَةِ ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا " فَرَأَى النَّهْيَ عَامًّا . الرَّابِعُ : اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ هَذَا النَّهْيِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى . وَالظَّاهِرُ : أَنَّهُ لِإِظْهَارِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْقِبْلَةِ . ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى مُنَاسِبٌ وَرَدَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ ، فَيَكُونُ عِلَّةً لَهُ . وَأَقْوَى مِنْ هَذَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ : مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْبَرَازَ . فَلْيُكَرِّمْ قِبْلَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ } وَهَذَا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَمْرٍ آخَرَ . فَذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ - هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - عَجِبْتُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : وَمَا قَالَا ؟ قُلْتُ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا " وَقَالَ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ مَذْهَبًا مُوَاجِهَ الْقِبْلَةَ " قَالَ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَفِي الصَّحْرَاءِ ، إنَّ لِلَّهِ خَلْقًا مِنْ عِبَادِهِ يُصَلُّونَ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوهُمْ ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهُمْ وَأَمَّا بُيُوتُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَتَّخِذُونَهَا لِلنَّتِنِ فَإِنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهَا . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَنَّ عِيسَى هَذَا ضَعِيفٌ . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَاسْتَتَرَ بِشَيْءٍ : هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ أَمْ لَا ؟ فَالتَّعْلِيلُ بِاحْتِرَامِ الْقِبْلَةِ : يَقْتَضِي الْمَنْعَ ، وَالتَّعْلِيلُ بِرُؤْيَةِ الْمُصَلِّينَ : يَقْتَضِي الْجَوَازَ . الْخَامِسُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا أَتَيْتُمْ الْخَلَاءَ ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ - الْحَدِيثُ " يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَمْنُوعٌ مِنْهُ . وَالثَّانِي : عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْمَنْعِ . وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَنْ الْعِلَّةِ . وَالْكَلَامُ الْآنَ عَلَى مَحِلِّ الْعِلَّةِ . فَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ تَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : خُرُوجُ الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ . وَالثَّانِي : كَشْفُ الْعَوْرَةِ ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : الْمَنْعُ لِلْخَارِجِ ، لِمُنَاسِبَتِهِ لِتَعْظِيمِ الْقِبْلَةِ عَنْهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمَنْعُ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ : خِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَطْءِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ ، فَمَنْ عَلَّلَ بِالْخَارِجِ أَبَاحَهُ ، إذْ لَا خَارِجَ . وَمَنْ عَلَّلَ بِالْعَوْرَةِ مَنَعَهُ . السَّادِسُ : " الْغَائِطُ " فِي الْأَصْلِ : هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ ، كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْخَارِجِ . وَغَلَبَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ ، فَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً . وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ " الْغَائِطِ " لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْبَوْلِ ، لِتَفْرِقَتِهِ بَيْنَهُمَا . وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } هَلْ يَتَنَاوَلُ الرِّيحَ مَثَلًا ، أَوْ الْبَوْلَ أَوْ لَا ؟ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُخَصَّصُ لَفْظُ " الْغَائِطِ " لِمَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُقْصَدَ لِأَجْلِهِ ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الْغَائِطَ لِلرِّيحِ مَثَلًا . أَوْ يُقَالُ : إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا كَانَ يَقَعُ عِنْدَ قَصْدِهِمْ الْغَائِطَ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ كَيْفَ كَانَ . وَالسَّابِعُ : قَوْلُهُ " وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا " مَحْمُولٌ عَلَى مَحِلٍّ يَكُونُ التَّشْرِيقُ وَالتَّغْرِيبُ فِيهِ مُخَالِفًا لِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا ، كَالْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ مَسْكَنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْبِلَادِ ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا كَانَتْ الْقِبْلَةُ فِيهِ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ . الثَّامِنُ : قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ " فَقَدِمْنَا الشَّامَ إلَخْ " فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ ثَمَّةَ مِنْ حَمْلِهِ لَهُ عَلَى الْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبُنْيَانِ وَالصَّحَارِي ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً عِنْدَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الشَّرْعِ ، عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ . وَهَذَا - أَعْنِي اسْتِعْمَالَ صِيغَةِ الْعُمُومِ - فَرْدٌ مِنْ الْأَفْرَادِ ، لَهُ نَظَائِرُ لَا تُحْصَى ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمَثَلِ ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَتَتَبَّعْ نَظَائِرَهَا يَجِدْهَا . التَّاسِعُ : أَوْلَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ - وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ - بِأَنْ قَالُوا : إنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذَّوَاتِ مَثَلًا أَوْ عَلَى الْأَفْعَالِ . كَانَتْ عَامَّةً فِي ذَلِكَ ، مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَالْأَحْوَالِ وَالْمُتَعَلِّقَات . ثُمَّ يَقُولُونَ : الْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ . فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ . وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهُمْ فِي الْجِدَالِ . وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ ، بَلْ الْوَاجِبُ : أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الذَّوَاتِ - مَثَلًا - يَكُونُ دَالًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ . وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا ذَاتٌ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ . فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ ، فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ . نَعَمْ الْمُطْلَقُ يَكْفِي الْعَمَلُ بِهِ مَرَّةً ، كَمَا قَالُوهُ . وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ . فَإِنْ كَانَ الْمُطْلَقُ مِمَّا لَا يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مُخَالِفَةً لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ : اكْتَفَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ مُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ . قُلْنَا بِالْعُمُومِ مُحَافَظَةً عَلَى مُقْتَضَى صِيغَتِهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ ، مِثَالُ ذَلِكَ : إذَا قَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا . فَمُقْتَضَى الصِّيغَةِ : الْعُمُومُ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَزْمَانِ ، فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَثَلًا ، وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ ، وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ مَرَّةً ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ . قُلْنَا لَهُ : لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا : الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ . فَإِذَا أَخْرَجْتَ تِلْكَ الذَّوَاتِ فَقَدْ أَخْرَجْتَ مَا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى دُخُولِهِ . وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا قُلْنَا . فَإِنَّ أَبَا أَيُّوبَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالشَّرْعِ ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ قَوْلَهُ " لَا تَسْتَقْبِلُوا وَلَا تَسْتَدْبِرُوا " عَامًّا فِي الْأَمَاكِنِ . وَهُوَ مُطْلَقٌ فِيهَا . وَعَلَى مَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ : لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ ، وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ : يَعُمُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخْرِجَ عَنْهُ بَعْضُ الْأَمَاكِنِ خَالَفَ صِيغَةَ الْعُمُومِ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ . الْعَاشِرُ : قَوْلُهُ " وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ " قِيلَ : يُرَادُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِبَانِي الْكُنُفِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَمْنُوعَةِ عِنْدَهُ . وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : أَنَّهُ إذَا انْحَرَفَ عَنْهَا لَمْ يَفْعَلْ مَمْنُوعًا . فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِغْفَارِ . وَالْأَقْرَبُ : أَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ لِنَفْسِهِ . وَلَعَلَّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقْبَلَ وَاسْتَدْبَرَ بِسَبَبِ مُوَافَقَتِهِ لِمُقْتَضَى الْبِنَاءِ غَلَطًا أَوْ سَهْوًا . فَيَتَذَكَّرُ فَيَنْحَرِفُ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ . فَإِنْ قُلْتَ : فَالْغَالِطِ وَالسَّاهِي لَمْ يَفْعَلَا إثْمًا . فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الِاسْتِغْفَارِ . قُلْتُ : أَهْلُ الْوَرَعِ وَالْمَنَاصِبِ الْعَلِيَّةِ فِي التَّقْوَى قَدْ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا ، بِنَاءً عَلَى نِسْبَتِهِمْ التَّقْصِيرَ إلَى أَنْفُسِهِمْ فِي [ عَدَمِ ] التَّحَفُّظِ ابْتِدَاءً . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

13 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { رَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ } . وَفِي رِوَايَةٍ " مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ " .

 

" " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " بْنِ الْخَطَّابِ . تَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي ذِكْرِ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا وَدِينًا . تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . وَقَالَ مَالِكٌ : بَلَغَ ابْنُ عُمَرَ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً . هَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ وَجْهٍ ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهِ ، أَوْ بِالْأَوَّلِ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ . فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْمَنْعِ . وَاعْتَقَدَ الْإِبَاحَةَ مُطْلَقًا ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ تَخْصِيصَ حُكْمِهِ بِالْبُنْيَانِ مُطَّرَحٌ ، وَأَخَذَ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجَوَازِ مُجَرَّدَةً عَنْ اعْتِبَارِ خُصُوصِ كَوْنِهِ فِي الْبُنْيَانِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ وَصْفٌ مُلْغَى ، لَا اعْتِبَارَ بِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ . وَاعْتَقَدَ هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . فَرَأَى حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَخْصُوصًا بِالْبُنْيَانِ ، فَيُخَصُّ بِهِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْعَامُّ فِي الْبُنْيَانِ وَغَيْرِهِ ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ . وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَنَحْنُ نُنَبِّهُ هَهُنَا عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ هَذَا الْفِعْلِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنْ يَقُولَ : إنَّ رُؤْيَةَ هَذَا الْفِعْلِ كَانَ أَمْرًا اتِّفَاقِيًّا ، لَمْ يَقْصِدْهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَلَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ يَتَعَرَّضُ لِرُؤْيَةِ أَحَدٍ . فَلَوْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ حُكْمٌ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ بِإِظْهَارِهِ بِالْقَوْلِ ، أَوْ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الْفِعْلِ . فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْعَامَّةَ لِلْأُمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا . فَلَمَّا لَمْ يَقَع ذَلِكَ - وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ ، وَعَدَمِ قَصْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمِ الْعُمُومِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ وَفِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ بَحْثٌ . التَّنْبِيهُ الثَّانِي : أَنَّ الْحَدِيثَ : إذَا كَانَ عَامَّ الدَّلَالَةِ . وَعَارَضَهُ غَيْرُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، وَأَرَدْنَا التَّخْصِيصَ - فَالْوَاجِبُ أَنْ نَقْتَصِرَ فِي مُخَالَفَةِ مُقْتَضَى الْعُمُومِ عَلَى مِقْدَارِ الضَّرُورَةِ ، وَيَبْقَى الْحَدِيثُ الْعَامُّ عَلَى مُقْتَضَى عُمُومِهِ فِيمَا يَبْقَى مِنْ الصُّوَرِ ، إذْ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيمَا عَدَا تِلْكَ الصُّوَرِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الدَّلِيلُ الْخَاصُّ . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ مَعًا فِي الْبُنْيَانِ . وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي الِاسْتِدْبَارِ فَقَطْ . فَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ إنَّمَا هِيَ فِي الِاسْتِدْبَارِ . فَيَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ . فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِمُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ مُطْلَقًا ، لَكِنَّهُمْ أَجَازُوا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ مَعًا فِي الْبُنْيَانِ . وَعَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالُ . هَذَا لَوْ كَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ لَفْظٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الِاسْتِدْبَارُ ، وَيَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا . وَلَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ . بَلْ هُمَا جُمْلَتَانِ ، دَلَّتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الِاسْتِقْبَالِ ، وَالْأُخْرَى عَلَى الِاسْتِدْبَارِ . تَنَاوَلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إحْدَاهُمَا ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي مَحَلِّهَا . وَحَدِيثُهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ صُوَرِ عُمُومِهَا . وَالْجُمْلَةُ الْأُخْرَى : لَمْ يَتَنَاوَلْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ . فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا . وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ : أَقِيسُ الِاسْتِقْبَالَ فِي الْبُنْيَانِ - وَإِنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ - عَلَى الِاسْتِدْبَارِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ . فَيُقَالُ لَهُ : أَوَّلًا : فِي هَذَا تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ الْعَامِّ . وَفِيهِ مَا فِيهِ ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ . وَثَانِيًا : إنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ ، أَوْ زِيَادَتُهُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي الْحُكْمِ . وَلَا تَسَاوِي هَهُنَا . فَإِنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَزِيدُ فِي الْقُبْحِ عَلَى الِاسْتِدْبَارِ ، عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ . وَلِهَذَا اعْتَبَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَمَنَعَ الِاسْتِقْبَالَ وَأَجَازَ الِاسْتِدْبَارَ . وَإِذَا كَانَ الِاسْتِقْبَالُ أَزْيَدَ فِي الْقُبْحِ مِنْ الِاسْتِدْبَارِ : فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ الْمَفْسَدَةِ النَّاقِصَةِ فِي الْقُبْحِ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ إلْغَاءُ الْمَفْسَدَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْقُبْحِ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ .

 

14 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً ، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ } .

 

" الْعَنَزَةُ " الْحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ . وَكَأَنَّ حَمْلَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَوَضَّأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ ، فَتُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " أَنَّهَا كَانَتْ تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيُصَلِّي إلَيْهَا " وَالْكَلَامُ عَلَى " الْخَلَاءِ " قَدْ تَقَدَّمَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هَهُنَا مُجَرَّدُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا الَّذِي يُنَاسِبُهُ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَمْلِ الْعَنَزَةِ لِلصَّلَاةِ . فَإِنَّ السُّتْرَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْبَرَاحِ مِنْ الْأَرْضِ ، حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ : الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْبُنْيَانِ . وَهَذَا لَا يُنَاسِبُهُ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَمْلِ الْعَنَزَةِ . وَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ خِدْمَةَ الرِّجَالِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُنَاسَبَةٌ لِلسَّفَرِ . فَإِنَّ الْحَضَرَ يُنَاسِبُهُ خِدْمَةُ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ نِسَائِهِ وَنَحْوِهِنَّ . وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : اسْتِخْدَامُ الْأَحْرَارِ مِنْ النَّاسِ إذَا كَانُوا أَتْبَاعًا ، وَأَرْصَدُوا أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ . وَفِيهِ أَيْضًا : جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي مِثْلِ هَذَا . وَمَقْصُودُهُ الْأَكْبَرُ : الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ . وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لَفْظٌ يَقْتَضِي تَضْعِيفَهُ لِلرِّجَالِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ؟ فَقَالَ " إنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ " أَوْ قَالَ " ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ " وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ أَيْضًا . وَالسُّنَّةُ دَلَّتْ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ، كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ . فَهِيَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ . وَلَعَلَّ سَعِيدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَهِمَ مِنْ أَحَدٍ غُلُوًّا فِي هَذَا الْبَابِ ، بِحَيْثُ يَمْنَعُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ فَقَصَدَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا اللَّفْظَ لِإِزَالَةِ ذَلِكَ الْغُلُوِّ وَبَالَغَ بِإِيرَادِهِ إيَّاهُ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ - وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ - إلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . وَإِذَا ذَهَبَ إلَيْهِ ذَاهِبٌ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فِي زَمَنِ سَعِيدٍ . وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِإِزَالَةِ الْعَيْنِ وَالْأَثَرِ مَعًا . فَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ .

 

15 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ } .

 

" أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيِّ بْنِ بَلْدَمَةَ - بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَيُقَالُ بُلْدُمَةَ - بِالضَّمِّ فِيهِمَا - وَيُقَالُ : بُلْذُمَةَ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ - فَارِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ . مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ : بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْرَاجِ لَهُ ، ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهُمَا : الْحَدِيثُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فِي حَالَةِ الْبَوْلِ وَوَرَدَتْ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي النَّهْيِ عَنْ مَسِّهِ بِالْيَمِينِ مُطْلَقًا ، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالَةِ الْبَوْلِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَخَذَ بِهَذَا الْعَامِّ الْمُطْلَقِ وَقَدْ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ : أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، فَيَخْتَصُّ النَّهْيُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَفِيهِ بَحْثٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي يُقَالُ يَتَّجِهُ فِي بَابِ الْأَمْرِ وَالْإِثْبَاتِ فَإِنَّا لَوْ جَعَلْنَا الْحُكْمَ لِلْمُطْلَقِ ، أَوْ الْعَامِّ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ ، أَوْ الْعُمُومِ مَثَلًا : كَانَ فِيهِ إخْلَالٌ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَقَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ . وَأَمَّا فِي بَابِ النَّهْيِ : فَإِنَّا إذَا جَعَلْنَا الْحُكْمَ لِلْمُقَيَّدِ أَخْلَلْنَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ الْمُطْلَقَ ، مَعَ تَنَاوُلِ النَّهْيِ لَهُ وَذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ مُرَاعَاةِ أَمْرٍ مِنْ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ : هَلْ هُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، أَوْ حَدِيثَانِ ؟ وَلَك أَيْضًا ، بَعْدَ النَّظَرِ فِي دَلَائِلِ الْمَفْهُومِ ، وَمَا يُعْمَلُ بِهِ مِنْهُ ، وَمَا لَا يُعْمَلُ بِهِ وَبَعْدَ أَنْ تَنْظُرَ فِي تَقْدِيمِ الْمَفْهُومِ عَلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ - أَعْنِي رِوَايَةَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ - فَإِنْ كَانَا حَدِيثًا وَاحِدًا مُخَرِّجُهُ وَاحِدٌ ، اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الرُّوَاةُ : فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ زِيَادَةً مِنْ عَدْلٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، فَتُقْبَلُ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَاجِعٌ إلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ . الثَّانِي : ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الظَّاهِرِيُّ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ } يَتَنَاوَلُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَسُّحِ فِي الْقُبُلِ ، إذَا كَانَ الْحَجَرُ صَغِيرًا ، وَلَا بُدَّ مِنْ إمْسَاكِهِ بِإِحْدَى الْيَدَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُمْسِكُ الْحَجَرَ بِالْيُمْنَى وَالذَّكَرَ بِالْيُسْرَى ، فَتَكُونُ الْحَرَكَةُ لِلْيُسْرَى ، وَالْيُمْنَى قَارَّةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُؤْخَذُ الذَّكَرُ بِالْيُمْنَى وَالْحَجَرُ بِالْيُسْرَى وَتُحَرَّكُ الْيُسْرَى وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحَدِيثِ

الرَّابِعُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ " يُرَادُ بِهِ إبَانَةُ الْإِنَاءِ عِنْدَ إرَادَةِ التَّنَفُّسِ ، لِمَا فِي التَّنَفُّسِ مِنْ احْتِمَالِ خُرُوجِ شَيْءٍ مُسْتَقْذَرٍ لِلْغَيْرِ وَفِيهِ إفْسَادٌ لِمَا فِي الْإِنَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَيْرِ ، لِعِيَافَتِهِ لَهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إبَانَةُ الْإِنَاءِ لِلتَّنَفُّسِ ثَلَاثًا وَهُوَ هَهُنَا مُطْلَقٌ

 

16 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ ، فَقَالَ : إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ : فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً ، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا }

 

" عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّيُّ أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فِي الْعِلْمِ سُمِّيَ بِالْحَبْرِ وَالْبَحْرِ ، لِسَعَةِ عِلْمِهِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ ، وَيُقَالُ : كَانَ سِنُّهُ حِينَئِذٍ : اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي سَنَةَ إحْدَى - أَوْ اثْنَتَيْنِ - وَسَبْعِينَ سَنَةً ، أَعْنِي فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ وَكَانَ مَوْتُهُ بِالطَّائِفِ ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : تَصْرِيحُهُ بِإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاشْتَهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَفِي إضَافَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ إلَى الْبَوْلِ خُصُوصِيَّةٌ تَخُصُّهُ دُونَ سَائِرِ الْمَعَاصِي مَعَ أَنَّ الْعَذَابَ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ أَيْضًا ، إنْ أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ بَعْضِ عِبَادِهِ وَعَلَى هَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ { تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ } وَكَذَا جَاءَ أَيْضًا : أَنَّ بَعْضَ مَنْ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّهُ الْقَبْرُ ، أَوْ ضَغَطَهُ فَسُئِلَ أَهْلُهُ ؟ فَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي الطُّهُورِ . الثَّانِي : قَوْلُهُ " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ " يَحْتَمِلُ - مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ - وَجْهَيْنِ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا : أَنَّهُمَا لَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرِ إزَالَتِهِ ، أَوْ دَفْعِهِ ، أَوْ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ أَيْ إنَّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّوَقِّيَ مِنْهُ ، وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ : أَنَّهُ صَغِيرٌ مِنْ الذُّنُوبِ ، غَيْرُ كَبِيرٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْحَدِيثِ " وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ " فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ " عَلَى كِبَرِ الذَّنْبِ . وَقَوْلُهُ " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ " عَلَى سُهُولَةِ الدَّفْعِ وَالِاحْتِرَازِ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ " أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ " هَذِهِ اللَّفْظَةُ - أَعْنِي " يَسْتَتِرُ " - قَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهَا الرِّوَايَةُ عَلَى وُجُوهٍ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْحَمْلُ عَلَى حَقِيقَتِهَا مِنْ الِاسْتِتَارِ عَنْ الْأَعْيُنِ ، وَيَكُونُ الْعَذَابُ عَلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَقْرَبُ - : أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالِاسْتِتَارِ : التَّنَزُّهَ عَنْ الْبَوْلِ وَالتَّوَقِّيَ مِنْهُ ، إمَّا بِعَدَمِ مُلَابَسَتِهِ ، أَوْ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ مَفْسَدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ ، كَانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ ، وَعُبِّرَ عَنْ التَّوَقِّي بِالِاسْتِتَارِ مَجَازًا ، وَوَجْهُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْمُسْتَتِرَ عَنْ الشَّيْءِ فِيهِ بُعْدٌ عَنْهُ وَاحْتِجَابٌ ، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِالْبُعْدِ عَنْ مُلَابَسَةِ الْبَوْلِ ، وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا الْمَجَازَ - وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ الْحَقِيقَةَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ : أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مُجَرَّدِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ : كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا أَجْنَبِيًّا عَنْ الْبَوْلِ ، فَإِنَّهُ حَيْثُ حَصَلَ الْكَشْفُ لِلْعَوْرَةِ حَصَلَ الْعَذَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ بَوْلٌ فَيَبْقَى تَأْثِيرُ الْبَوْلِ بِخُصُوصِهِ مُطْرَحَ الِاعْتِبَارِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْبَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَذَابِ الْقَبْرِ خُصُوصِيَّةً ، فَالْحَمْلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْمُصَرِّحُ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ أَوْلَى وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَةَ " مِنْ " لَمَّا أُضِيفَتْ إلَى الْبَوْلِ - وَهِيَ غَالِبًا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ حَقِيقَةً ، أَوْ مَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ مَجَازًا - تَقْتَضِي نِسْبَةَ الِاسْتِتَارِ الَّذِي عَدَمُهُ سَبَبُ الْعَذَابِ إلَى الْبَوْلِ ، بِمَعْنَى أَنَّ ابْتِدَاءَ سَبَبِ عَذَابِهِ مِنْ الْبَوْلِ ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ : التَّنَزُّهُ مِنْ الْبَوْلِ وَهِيَ رِوَايَةُ وَكِيعٍ " لَا يَتَوَقَّى " وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ " لَا يَسْتَنْزِهُ " فَتُحْمَلُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى تِلْكَ ، لِيَتَّفِقَ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ .

الرَّابِعُ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ أَمْرِ النَّمِيمَةِ ، وَأَنَّهَا سَبَبُ الْعَذَابِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّمِيمَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَإِنَّ النَّمِيمَةَ إذَا اقْتَضَى تَرْكُهَا مَفْسَدَةً تَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ ، أَوْ فِعْلُهَا مَصْلَحَةً يَسْتَضِرُّ الْغَيْرُ بِتَرْكِهَا : لَمْ تَكُنْ مَمْنُوعَةً ، كَمَا نَقُولُ فِي الْغِيبَةِ : إذَا كَانَتْ لِلنَّصِيحَةِ ، أَوْ لِدَفْعِ الْمُفْسِدَةِ : لَمْ تُمْنَعْ ، وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا اطَّلَعَ مِنْ آخَرَ عَلَى قَوْلٍ يَقْتَضِي إيقَاعَ ضَرَرٍ بِإِنْسَانٍ ، فَإِذَا نَقَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْقَوْلَ اُحْتُرِزَ عَنْ ذَلِكَ الضَّرَرِ لَوَجَبَ ذِكْرُهُ لَهُ .

الْخَامِسُ : قِيلَ فِي أَمْرِ " الْجَرِيدَةِ " الَّتِي شَقَّهَا اثْنَتَيْنِ ، فَوَضَعَهَا عَلَى الْقَبْرَيْنِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا " إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّبَاتَ يُسَبِّحُ مَا دَامَ رَطْبًا فَإِذَا حَصَلَ التَّسْبِيحُ بِحَضْرَةِ الْمَيِّتِ حَصَلَتْ لَهُ بَرَكَتُهُ ، فَلِهَذَا اُخْتُصَّ بِحَالَةِ الرُّطُوبَةِ .

السَّادِسُ : أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذَا : أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى قَبْرِهِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِبَيْ الْقَبْرَيْنِ هُوَ تَسْبِيحُ النَّبَاتِ مَا دَامَ رَطْبًا فَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

باب السواك

17 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ }

الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ كَلِمَةَ " لَوْلَا " تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ فَيَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَالْمُنْتَفِي لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ : إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ ، لَا الِاسْتِحْبَابُ فَإِنَّ اسْتِحْبَابَ السِّوَاكِ ثَابِتٌ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ .

الثَّانِي : السِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ فِي حَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ : مِنْهَا : مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَهُوَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ ، وَالسِّرُّ فِيهِ : أَنَّا مَأْمُورُونَ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَكُونَ فِي حَالَةِ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ ، إظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَضَعُ فَاهُ عَلَى فِي الْقَارِئِ ، وَيَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَسُنَّ السِّوَاكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ .

الثَّالِثُ : قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مَذْهَبُ مَنْ يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهَادِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُهُ عَلَى النَّصِّ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَوْقُوفًا عَلَى النَّصِّ ؛ لَكَانَ سَبَبَ انْتِفَاءِ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَمُ وُرُودِ النَّصِّ بِهِ ، وَلَا وُجُودُ الْمَشَقَّةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْبَحْثِ وَالتَّأْوِيلِ .

الرَّابِعُ : الْحَدِيثُ بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ وَيَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ ، وَمَنْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ بِهَذَا الْوَقْتِ ، يَخُصُّ بِهِ ذَلِكَ الْعُمُومَ وَهُوَ حَدِيثُ الْخُلُوفِ وَفِيهِ بَحْثٌ .

 

18 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ . }

 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ " يَشُوصُ " مَعْنَاهُ : يَغْسِلُ ، يُقَالُ : شَاصَهُ يَشُوصُهُ ، وَمَاصَهُ يَمُوصُهُ إذَا غَسَلَهُ " حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ اسْمُهُ حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ وَقِيلَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْحُسَيْلِ بْنِ الْيَمَانِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَمَشَاهِيرِهِمْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَاتَ بَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ أَبُو نَصْرٍ : وَذَلِكَ أَوَّلُ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ بْنِ حُسَيْلٍ بْنِ جَابِرٍ الْعَبْسِيُّ ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَابْنُ أُخْتِهِمْ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ الْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ وَعِلَّتُهُ : أَنَّ النَّوْمَ مُقْتَضٍ لِتُغَيِّرْ الْفَمِ ، وَالسِّوَاكُ هُوَ آلَةُ التَّنْظِيفِ لِلْفَمِ ، فَيُسَنُّ عِنْدَ مُقْتَضَى التَّغَيُّرِ ، وَقَوْلُهُ " يَشُوصُ " اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ ، فَقِيلَ : يُدَلِّكُ وَقِيلَ : يَغْسِلُ وَقِيلَ : يُنَقِّي ، وَالْأَوَّلُ : أَقْرَبُ . وَقَوْلُهُ " إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ " ظَاهِرُهُ : يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ : إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ لِلصَّلَاةِ فَيَعُودُ إلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ

 

، 19 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي ، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ . فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ ، فَطَيَّبْتُهُ ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ : فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى - ثَلَاثًا - ثُمَّ قَضَى . وَكَانَتْ تَقُولُ : مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي } وَفِي لَفْظٍ { فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ ، وَعَرَفْتُ : أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ : آخُذُهُ لَكَ ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ : أَنْ نَعَمْ } هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ رَطْبٍ ، قَالَ : وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : أع ، أع ، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ }

 

" أَبُو مُوسَى " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حضار - وَيُقَالُ : حُضَّارٌ - الْأَشْعَرِيُّ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَمَشَاهِيرِهِمْ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ . وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً . وَقِيلَ : مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُقَالُ : أَبْدَدْتَ فُلَانًا الْبَصَرَ : إذَا طَوَّلْتَهُ إلَيْهِ ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ مَعْنَى التَّبْدِيدِ ، الَّذِي هُوَ التَّفْرِيقُ . وَيُرْوَى : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ " أَجْلَسُونِي فَأَجْلَسُوهُ ، فَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَقَصَّرْتُ ، وَنَهَيْتَنِي فَعَصَيْتُ ، وَلَكِنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَبَدَّ النَّظَرَ ، فَقَالَ : إنِّي لَأَرَى حَضْرَةً مَا هُمْ بِإِنْسٍ وَلَا جِنٍّ ، ثُمَّ قُبِضَ " وَقَوْلُهَا " بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي " قِيلَ " الذَّاقِنَةُ " نَقْرَةُ النَّحْرِ ، وَقِيلَ : طَرَفُ الْحُلْقُومِ وَقِيلَ : أَعْلَى الْبَطْنِ وَ " الْحَوَاقِنُ " أَسَافِلُهُ ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ : مَا يَحْقِنُ الطَّعَامَ أَيْ يَجْمَعُهُ وَمِنْهُ الْمِحْقَنَةُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - الَّتِي يُحْتَقَنُ بِهَا ، وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ : لَأَجْمَعَنَّ بَيْنَ ذَوَاقِنِكَ وَحَوَاقِنِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ الِاسْتِيَاكُ بِالرَّطْبِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : إنَّ الْأَخْضَرَ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَحْسَنُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ ، قَدْ نُدِّيَ بِالْمَاءِ ، وَفِيهِ إصْلَاحُ السِّوَاكِ وَتَهْيِئَتُهُ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ " فَقَضَمْتُهُ " وَالْقَضْمُ بِالْأَسْنَانِ ، وَمِنْ طَلَبِ الْإِصْلَاحِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ قَدْ نُدِّيَ بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ ، وَتَنْدِيَتُهُ بِالْمَاءِ : لِئَلَّا يَجْرَحَ اللِّثَةَ لِشِدَّةِ يَبِسِهِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : الِاسْتِيَاكُ بِسِوَاكِ الْغَيْرِ ، وَفِيهِ : الْعَمَلُ بِمَا يُفْهِمُ ، مِنْ الْإِشَارَةِ وَالْحَرَكَاتِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى " إشَارَةٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } ، الْآيَةُ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ قَوْله تَعَالَى { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } إشَارَةٌ إلَى مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } فَكَأَنَّ هَذِهِ تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ صُنِّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ يُفَسَّرُ فِيهِ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " الْأَعْلَى " مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَفْهُومٌ يُخَالِفُ الْمَنْطُوقَ ، كَمَا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } وَلَيْسَ ثَمَّةَ دَاعٍ إلَهًا آخَرَ لَهُ بِهِ بُرْهَانٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ } وَلَا يَكُونُ قَتْلُ النَّبِيِّينَ إلَّا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَكَوْنُ " الرَّفِيقِ " لَمْ يُطْلَقْ إلَّا عَلَى الْأَعْلَى الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ الرَّفِيقُ ، وَيُقَوِّي هَذَا : مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ " وَلَمْ يَصِفْهُ بِالْأَعْلَى ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِلَفْظَةِ " الرَّفِيقِ الْأَعْلَى " ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّفِيقِ : مَا يَعُمُّ الْأَعْلَى وَغَيْرَهُ ، ثُمَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَخْتَصَّ الرَّفِيقَانِ مَعًا بِالْمُقَرَّبِينَ الْمَرْضِيِّينَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَرَاتِبَهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ ، فَيَكُونُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الرَّفِيقِ ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ السُّعَدَاءِ الْمَرْضِيِّينَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُطْلَقُ " الرَّفِيقُ " بِالْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ الَّذِي يَعُمُّ كُلَّ رَفِيقٍ ، ثُمَّ يُخَصُّ مِنْهُ " الْأَعْلَى " بِالطَّلَبِ ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَرْضِيِّينَ ، وَيَكُونُ " الْأَعْلَى " بِمَعْنَى الْعَالِي ، وَيُخْرِجُ عَنْهُ غَيْرَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ اسْمُ " الرَّفِيقِ " مُنْطَلِقًا عَلَيْهِمْ .

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى : فَفِيهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : الِاسْتِيَاكُ عَلَى اللِّسَانِ وَاللَّفْظُ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ - وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الِاسْتِيَاكِ عَلَى اللِّسَانِ - فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي الِاسْتِيَاكَ عَلَى الْأَسْنَانِ مَوْجُودَةٌ فِي اللِّسَانِ ، بَلْ هِيَ أَبْلَغُ وَأَقْوَى ، لِمَا يَرْتَقِي إلَيْهِ مِنْ أَبْخِرَةِ الْمَعِدَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِيَاكُ عَرْضًا ، وَذَلِكَ فِي الْأَسْنَانِ ، وَأَمَّا فِي اللِّسَانِ : فَقَدْ وَرَدَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " الِاسْتِيَاكُ فِيهِ طُولًا " .

الثَّانِي : تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِاسْتِيَاكِ الْإِمَامِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِهِ فَقَالَ : " بَابُ اسْتِيَاكِ الْإِمَامِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِهِ " ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الشَّارِحُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالتَّرَاجِمُ الَّتِي يُتَرْجِمُ بِهَا أَصْحَابُ التَّصَانِيفِ عَلَى الْأَحَادِيثِ ، إشَارَةً إلَى الْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهَا : عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ مِنْهَا : مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ ، مُفِيدٌ لِفَائِدَةٍ مَطْلُوبَةٍ ، وَمِنْهَا : مَا هُوَ خَفِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ ، بَعِيدٌ مُسْتَكْرَهٌ ، لَا يَتَمَشَّى إلَّا بِتَعَسُّفٍ ، وَمِنْهَا : مَا هُوَ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ ، إلَّا أَنَّ فَائِدَتَهُ قَلِيلَةٌ لَا تَكَادُ تُسْتَحْسَنُ ، مِثْلُ مَا تُرْجِمَ " بَابُ السِّوَاكِ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ " وَهَذَا الْقِسْمُ - أَعْنِي مَا لَا تَظْهَرُ مِنْهُ الْفَائِدَةُ - يَحْسُنُ إذَا وُجِدَ مَعْنًى فِي ذَلِكَ الْمُرَادِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ ، فَتَارَةً يَكُونُ سَبَبَهُ الرَّدُّ عَلَى مُخَالِفٍ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ تُشْهَرْ مَقَالَتُهُ ، مِثْلُ مَا تُرْجِمَ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ " مَا صَلَّيْنَا " فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ " أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ " وَرُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنْ صَلَّيْتَهَا ، أَوْ مَا صَلَّيْتَهَا " وَتَارَةً يَكُونُ سَبَبَهُ الرَّدُّ عَلَى فِعْلٍ شَائِعٍ بَيْنَ النَّاسِ لَا أَصْلَ لَهُ ، فَيُذْكَرُ الْحَدِيثُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ ، كَمَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَكَانِ : التَّحَرُّزُ عَنْ قَوْلِهِمْ " مَا صَلَّيْنَا " إنْ لَمْ يَصِحَّ أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ ، وَتَارَةً يَكُونُ لِمَعْنَى يَخُصُّ الْوَاقِعَةَ ، لَا يَظْهَرُ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ ، مِثْلُ مَا تُرْجِمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ " اسْتِيَاكُ الْإِمَامِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِهِ " فَإِنَّ الِاسْتِيَاكَ مِنْ أَفْعَالِ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ ، وَيُلَازِمُهُ أَيْضًا مِنْ إخْرَاجِ الْبُصَاقِ وَغَيْرِهِ مَا لَعَلَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إخْفَاءَهُ ، وَتَرْكَهُ بِحَضْرَةِ الرَّعِيَّةِ ، وَقَدْ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِحِفْظِ الْمُرُوءَةِ ، فَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِيَاكَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُطْلَبُ إخْفَاؤُهُ ، وَيَتْرُكُهُ الْإِمَامُ بِحَضْرَةِ الرَّعَايَا ، إدْخَالًا لَهُ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ وَالْقُرُبَاتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

باب المسح على الخفين :

20 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا ، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا } ، 21 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَالَ ، وَتَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ }

 

مُخْتَصَرُ كِلَا الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَدْ تَكَثَّرَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ ، وَمِنْ أَشْهَرِهَا : رِوَايَةُ الْمُغِيرَةِ ، وَمِنْ أَصَحِّهَا : رِوَايَةُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ - بِفَتْحِ الْبَاء وَالْجِيمِ مَعًا - وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ : أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ إنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، كَانَ جَوَازُ الْمَسْحِ ثَابِتًا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ ، وَإِنْ كَانَ مَسْحُ الْخُفَّيْنِ مُتَقَدِّمًا كَانَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ ، فَيُنْسَخُ بِهَا الْمَسْحُ ، فَلَمَّا تَرَدَّدَ الْحَالُ تَوَقَّفَتْ الدَّلَالَةُ عِنْدَ قَوْمٍ ، وَشَكُّوا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ " قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَلَكِنْ أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَمْ بَعْدَهَا ؟ " إشَارَةً مِنْهُ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَلَمَّا جَاءَ حَدِيثُ جَرِيرٍ مُبَيِّنًا لِلْمَسْحِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ : زَالَ الْإِشْكَالُ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ { رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ } وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ جَرِيرٍ " وَهَلْ أَسْلَمْتُ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ؟ " ، وَقَدْ اشْتَهَرَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ ، حَتَّى عُدَّ شِعَارًا لِأَهْلِ السُّنَّةِ ، وَعُدَّ إنْكَارُهُ شِعَارًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ { دَعْهُمَا ، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ } دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي اللُّبْسِ لِجَوَازِ الْمَسْحِ ، حَيْثُ عَلَّلَ عَدَمَ نَزْعِهِمَا بِإِدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ فَيَقْتَضِي أَنَّ إدْخَالَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ مُقْتَضٍ لِلنَّزْعِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ إكْمَالَ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا شَرْطٌ ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ إحْدَاهُمَا وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ : لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَنَا ضَعْفٌ - أَعْنِي فِي دَلَالَتِهِ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - فَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُدْخِلَتْ طَاهِرَةً . بَلْ رُبَّمَا يُدَّعَى أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ " أَدْخَلْتُهُمَا " يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَعَمْ ، مَنْ رَوَى " فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ " فَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِرِوَايَةِ هَذَا الْقَائِلِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ " أَدْخَلْتُهُمَا " إذَا اقْتَضَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَقَوْلُهُ " وَهُمَا طَاهِرَتَانِ " حَالٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ : أَدْخَلْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي حَالِ طَهَارَتِهَا ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : قَدْ لَا يَتَأَتَّى فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى " أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ " وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ بِالْقَوِيِّ جِدًّا ، لِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الْآخَرِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَضُمَّ إلَى هَذَا دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ لِإِحْدَاهُمَا إلَّا بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ - مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ - مُسْتَنَدًا لِقَوْلِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ ، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ هُوَ الْمُسْتَنَدُ ، فَيَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَى اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالًا عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ ، وَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْمَجْمُوعِ : حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ : تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَنْ حَدَثِ الْبَوْلِ ، وَفِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ - بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيد السِّينِ - مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ عَنْ حَدَثِ الْغَائِطِ ، وَعَنْ النَّوْمِ أَيْضًا ، وَمَنْعَهُ عَنْ الْجَنَابَةِ .

 

باب في المذي وغيرة :

22 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، وَيَتَوَضَّأُ وَلِلْبُخَارِيِّ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ وَلِمُسْلِمٍ تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ }

 

" الْمَذْيُ " مَفْتُوحُ الْمِيمِ سَاكِنُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، مُخَفَّفُ الْيَاءِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِيهِ ، وَقِيلَ : فِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى : وَهِيَ كَسْرُ الذَّالِ وَتَشْدِيدُ الْيَاءِ - هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ عِنْدَ الْإِنْعَاظِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً " هِيَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ ، عَلَى زِنَةِ فَعَّالٍ ، مِنْ الْمَذْي ، يُقَالُ : مَذَى يَمْذِي ، وَأَمْذَى يُمْذِي ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ : أَحَدُهَا : اسْتِعْمَالُ الْأَدَبِ ، وَمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ فِي تَرْكِ الْمُوَاجَهَةِ بِمَا يُسْتَحَى مِنْهُ عُرْفًا " وَالْحَيَاءُ " تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ تَخَوُّفِ مَا يُعَاتَبُ بِهِ ، أَوْ يُذَمُّ عَلَيْهِ ، كَذَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ ، وَقَوْلُهُ " فَاسْتَحْيَيْتُ " هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ ، وَقَدْ يُقَالُ : اسْتَحَيْتُ ، وَثَانِيهَا : وُجُوبُ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ ، وَأَنَّهُ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَثَالِثُهَا : عَدَمُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ ، وَرَابِعُهَا : نَجَاسَتُهُ ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ .

وَخَامِسُهَا : اخْتَلَفُوا ، هَلْ يُغْسَلُ مِنْهُ الذَّكَرُ كُلُّهُ ، أَوْ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ فَقَطْ ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَصَرُ عَلَى مَحَلِّ النَّجَاسَةِ ، وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْهُ الذَّكَرُ كُلُّهُ ، تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ " فَإِنَّ اسْمَ " ' الذَّكَرِ " حَقِيقَةٌ فِي الْعُضْوِ كُلِّهِ ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا فَرْعًا ، وَهُوَ : أَنَّهُ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فِي غَسْلِهِ ؟ فَذَكَرُوا قَوْلَيْنِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّا إذَا أَوْجَبْنَا غَسْلَ جَمِيعِ الذَّكَرِ : كَانَ ذَلِكَ تَعَبُّدًا ، وَالطَّهَارَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، كَالْوُضُوءِ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْجُمْهُورُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ فِي " الذَّكَرِ " كُلِّهِ ، نَظَرًا مِنْهُمْ إلَى الْمَعْنَى ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْغَسْلِ : إنَّمَا هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَحَلِّهِ .

وَسَادِسُهَا : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ سَلَسَ الْمَذْيِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْهُ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصْفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ " كَانَ مَذَّاءً " وَهُوَ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الْمَذْيُ ، وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهُ قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ ، لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، وَقَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَضِ وَالِاسْتِرْسَالِ ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ صِفَةِ هَذَا الْخَارِجِ ، عَلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ هُوَ . ؟

وَسَابِعُهَا : الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ " بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى صِيغَةِ الْإِخْبَارِ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ لِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ، وَاسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ جَائِزٌ مَجَازًا ؛ لِمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِثْبَاتِ لِلشَّيْءِ .

 

وَلَوْ رَوَى : يَغْسِلْ ذَكَرَهُ - بِجَزْمِ اللَّامِ ، عَلَى حَذْفِ اللَّامِ الْجَازِمَةِ ، وَإِبْقَاءِ عَمَلِهَا - لَجَازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلَى ضَعْفٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، كَقَوْلِ الشَّاعِر : مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ .

 

وَثَامِنُهَا " وَانْضَحْ فَرْجَكَ " يُرَادُ بِهِ : الْغَسْلُ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالرَّشِّ الَّذِي هُوَ دُونَ الْغَسْلِ ، وَالرِّوَايَةُ " وَانْضَحْ " بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، لَا نَعْرِفُ غَيْرَهُ ، وَلَوْ رُوِيَ " انْضَخْ " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، لَكَانَ أَقْرَبَ إلَى مَعْنَى الْغَسْلِ ، فَإِنَّ النَّضْخَ بِالْمُعْجَمَةِ - أَكْبَرُ مِنْ النَّضْحِ بِالْمُهْمَلَةِ .

وَتَاسِعُهَا : قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ - أَوْ تُمُسِّكَ بِهِ - فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ الْمِقْدَادَ بِالسُّؤَالِ ، لِيَقْبَلَ خَبَرَهُ ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا : ذِكْرُ صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَهِيَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادٍ لَا تُحْصَى ، وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِجُمْلَتِهَا ، لَا بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ ذَلِكَ بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ : إثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ مُحَالٌ ، وَإِنَّمَا تُذْكَرُ صُورَةٌ مَخْصُوصَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَمْثَالِهَا ، لَا لِلِاكْتِفَاءِ بِهَا ، فَلِيُعْلَمْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ مِمَّا اُنْتُقِدَ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِآحَادٍ ، وَقِيلَ : أَثْبَتَ خَبَرَ الْوَاحِدِ ، وَجَوَابُهُ : مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَمَعَ هَذَا فَالِاسْتِدْلَالُ عِنْدِي لَا يَتِمُّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَمْثَالِهَا ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَادُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَذْي بِحَضْرَةِ عَلِيٍّ ، فَسَمِعَ عَلِيٌّ الْجَوَابَ ، فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمَذْي بِحَضْرَةِ عَلِيٍّ : أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ نَعَمْ إنْ وُجِدَتْ رِوَايَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ عَلِيًّا أَخَذَ هَذَا الْحُكْمَ عَنْ الْمِقْدَادِ ، فَفِيهِ الْحُجَّةُ .

وَعَاشِرُهَا : قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ " جَوَازُ تَأْخِيرِ الِاسْتِنْجَاءِ عَنْ الْوُضُوءِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ " تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ " : إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَفْسُدُ بِتَأْخِيرِ الِاسْتِنْجَاءِ عَنْهُ ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْوَاوِ لِلتَّرْتِيبِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ ، وَفِي هَذَا التَّوَقُّفِ نَظَرٌ ، وَلِيُعْلَمْ بِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْوُضُوءُ بِتَأْخِيرِ الِاسْتِنْجَاءِ ، إذْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَائِلٍ يَمْنَعُ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ .

وَحَادِي عَشْرِهَا : اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ فِي الْمَذْيِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَحْجَارِ ؟ وَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَدَلِيلُهُ : أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يُعَيِّنُ الْغَسْلَ ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِهِ .

ثَانِي عَشْرِهَا : " الْفَرْجُ " ، هُنَا هُوَ الذَّكَرُ ، وَالصِّيغَةُ لَهَا وَضْعَانِ : لُغَوِيٌّ ، وَعُرْفِيٌّ ، فَأَمَّا اللُّغَوِيُّ : فَهُوَ مَأْخُوذٌ ، مِنْ الِانْفِرَاجِ ، فَعَلَى هَذَا : يَدْخُلُ فِيهِ الدُّبُرُ ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِمَسِّهِ ، لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلِيَتَوَضَّأْ " وَأَمَّا الْعُرْفِيُّ : فَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُبُلِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ .

وَالشَّافِعِيَّةُ اسْتَدَلُّوا فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الدُّبُرِ بِالْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ " فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ عُرْفٌ يُخَالِفُ الْوَضْعَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقَدِّمُ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْعُرْفِيِّ .

 

23 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ : أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا ، أَوْ يَجِدَ رِيحًا } .

 

" الشَّيْءُ " الْمُشَارُ إلَيْهِ : هِيَ الْحَرَكَةُ الَّتِي يَظُنُّ أَنَّهَا حَدَثٌ ، وَالْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إعْمَالِ الْأَصْلِ ، وَطَرْحِ الشَّكِّ ، وَكَأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهَا ، مِثَالُهُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ ، وَهِيَ " مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ سَبْقِ الطَّهَارَةِ " فَالشَّافِعِيُّ أَعْمَلَ الْأَصْلَ السَّابِقَ ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ ، وَطَرَحَ الشَّكَّ الطَّارِئَ ، وَأَجَازَ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَمَالِكٌ مَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ ، وَكَأَنَّهُ أَعْمَلَ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ تَرَتُّبُ الصَّلَاةِ فِي الذِّمَّةِ ، وَرَأَى أَنْ لَا يُزَالَ إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي إعْمَالِ الطَّهَارَةِ الْأُولَى ، وَإِطْرَاحِ الشَّكِّ ، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا ، فَالشَّافِعِيُّ اطَّرَحَ الشَّكَّ مُطْلَقًا ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ اطَّرَحَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ : أَنَّ مَوْرِدَ النَّصِّ إذَا وُجِدَ فِيهِ مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الْحُكْمِ ، فَالْأَصْلُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ ، وَعَدَمَ إطْرَاحِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إطْرَاحِ الشَّكِّ إذَا وُجِدَ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَوْنُهُ مَوْجُودًا فِي الصَّلَاةِ : مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا ، فَإِنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ مَانِعٌ مِنْ إبْطَالِهَا ، عَلَى مَا اقْتَضَاهُ اسْتِدْلَالُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } فَصَارَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ أَصْلًا سَابِقًا عَلَى حَالَةِ الشَّكِّ ، مَانِعًا مِنْ الْإِبْطَالِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ الشَّكِّ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ مِنْ اعْتِبَارِهِ إلْغَاؤُهُ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ ، وَصِحَّةِ الْعَمَلِ ظَاهِرًا : مَعْنًى يُنَاسِبُ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إلَى الشَّكِّ ، يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ . فَلَا يَنْبَغِي إلْغَاؤُهُ ، وَمِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَنْ قَيَّدَ هَذَا الْحُكْمَ - أَعْنِي إطْرَاحَ هَذَا الشَّكِّ - بِقَيْدٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي سَبَبٍ حَاضِرٍ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، حَتَّى لَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِ الْحَدَثِ عَلَى وَقْتِهِ الْحَاضِرِ لَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ ، وَمَأْخَذُ هَذَا : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَوْرِدَ النَّصِّ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ أَوْصَافِهِ الَّتِي يَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا ، وَمَوْرِدُ النَّصِّ : اشْتَمَلَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ شَكَّ فِي سَبَبٍ حَاضِرٍ ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ، مِنْ الشَّكِّ فِي سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَضْعَفُ قَلِيلًا مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْعَمَلِ ظَاهِرَةٌ ، وَانْعِقَادُ الصَّلَاةِ : سَبَبٌ مَانِعٌ مُنَاسِبٌ لِإِطْرَاحِ الشَّكِّ ، وَأَمَّا كَوْنُ السَّبَبِ نَاجِزًا : فَإِمَّا غَيْرُ مُنَاسِبٍ ، أَوْ مُنَاسِبٌ مُنَاسَبَةً ضَعِيفَةً وَاَلَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّرَ بِهِ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ : أَنْ يَرَى أَنَّ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ - وَهُوَ تَرَتُّبُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ - مَعْمُولٌ بِهِ ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ ، وَمَا بَقِيَ يُعْمَلُ فِيهِ بِالْأَصْلِ ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ بِالنَّصِّ إلَى مُنَاسَبَةٍ ، كَمَا فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ عَمِلَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ هَذَا الْعَمَلَ ، أَعْنِي أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ إذَا خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ أَوْ الْقِيَاسِ ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُنَاسَبَةٍ ، وَسَبَبُهُ : أَنَّ إعْمَالَ النَّصِّ فِي مَوْرِدِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَالْعَمَلُ بِالْأَصْلِ أَوْ الْقِيَاسِ الْمُطَّرِدِ : مُسْتَرْسِلٌ ، لَا يُخْرَجُ عَنْهُ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا زَادَ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِ النَّصِّ فِي مَوْرِدِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ لَا ، وَهَذَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى إلْغَاءِ وَصْفِ كَوْنِهِ فِي صَلَاةٍ ، وَيُمْكِنُ هَذَا الْقَائِلَ مَنْعُ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَائِلُ نَظَرَ إلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ لِمَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَعَمَّ مِنْ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا إلْغَاءُ ذَلِكَ الْقَيْدِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْقَائِلُ الْآخَرُ ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَبْقَى كَوْنُهُ شَاكًّا فِي سَبَبٍ نَاجِزٍ ، إلَّا أَنَّ الْقَائِلَ الْأَوَّلَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ كَوْنَهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْحُضُورَ فِي الْمَسْجِدِ يُرَادُ لِلصَّلَاةِ ، فَقَدْ يُلَازِمُهَا فَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ مَجَازًا - إلَّا أَنَّهُ يَقْوَى إذَا اُعْتُبِرَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَكَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا مَخْرَجُهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ اخْتِلَافًا فِي عِبَارَةِ الرَّاوِي بِتَفْسِيرِ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِالْآخَرِ ، وَيَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ : كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ . الثَّانِي : وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ - مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْ الرَّجُلِ } وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي مُنَاسَبَةَ السَّبَبِ الْحَاضِرِ لِإِلْغَاءِ الشَّكِّ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الْمَبَاحِثَ لِيَتَلَمَّحَ النَّاظِرُ مَأْخَذَ الْعُلَمَاءِ فِي أَقْوَالِهِمْ ، فَيَرَى مَا يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فَيُرَجِّحَهُ ، وَمَا يَنْبَغِي إلْغَاؤُهُ فَيُلْغِيَهُ ، وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَلْغَى الْقَيْدَيْنِ مَعًا - أَعْنِي كَوْنَهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَوْنَهُ فِي سَبَبٍ نَاجِزٍ - وَاعْتَبَرَ أَصْلَ الطَّهَارَةِ .

 

24 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّةِ { أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ ، لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ } 25 - وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِصَبِيٍّ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ وَلِمُسْلِمٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ } .

 

الْكَلَامُ عَلَيْهِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ الطَّعَامَ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي طَهَارَتِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ ، وَلَا تَرَدُّدَ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّهُ نَجِسٌ ، وَالْقَائِلُونَ بِالنَّجَاسَةِ ، اخْتَلَفُوا فِي تَطْهِيرِهِ : هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغَسْلِ أَمْ لَا ؟ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ : أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغَسْلِ ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الرَّشُّ وَالنَّضْحُ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى غَسْلِهِ كَغَيْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالنَّضْحِ وَعَدَمِ الْغَسْلِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهَا " وَلَمْ يَغْسِلْهُ " وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا غَسْلَهُ : اتَّبَعُوا الْقِيَاسَ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، وَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ . وَقَوْلُهَا " وَلَمْ يَغْسِلْهُ " أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ كَغَيْرِهِ . ، وَهُوَ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ يُقَاوِمُ هَذَا الظَّاهِرَ ، وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا : مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ، مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ فَإِنَّ الْمُوجِبِينَ لِلْغَسْلِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمَّا فَرَّقَ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ النَّضْحِ فِي الصَّبِيِّ ، وَالْغَسْلِ فِي الصَّبِيَّةِ : كَانَ ذَلِكَ قَوِيًّا فِي أَنَّ النَّضْحَ غَيْرُ الْغَسْلِ ، إلَّا أَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ الْأَوَّلِ وَهُوَ إنَّمَا يُفْعَلُ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ أَبْلَغُ مِمَّا يُفْعَلُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ ، فَسُمِّيَ الْأَبْلَغُ " غَسْلًا " وَالْأَخَفُّ " نَضْحًا " ، وَاعْتَلَّ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِأَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ يَقَعُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَبَوْلَ الصَّبِيَّةِ يَقَعُ مُنْتَشِرًا ، فَيَحْتَاجُ إلَى صَبِّ الْمَاءِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّبِيِّ ، وَرُبَّمَا حَمْلَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ " النَّضْحِ " فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ عَلَى الْغَسْلِ ، وَتَأَيَّدَ بِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ " مَدِينَةٍ يَنْضَحُ الْبَحْرُ بِجَوَانِبِهَا " وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهَا " وَلَمْ يَغْسِلْهُ " وَالثَّانِي : التَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ ، وَالتَّأْوِيلُ فِيهِ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَفَسَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ " النَّضْحَ " أَوْ " الرَّشَّ " الْمَذْكُورَ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ ، فَقَالَ : وَمَعْنَى الرَّشِّ : أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْلِبُهُ ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَ بَدَلَ الْبَوْلِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى ، وَعُصِرَ الثَّوْبُ : كَانَ يَحْكُمُ بِطَهَارَتِهِ . وَالصَّبِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الذَّكَرِ ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّبِيَّةِ خِلَافٌ ، وَالْمَذْهَبُ : وُجُوبُ الْغَسْلِ . لِلْحَدِيثِ الْفَارِقِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَعْنَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وُجُوهٌ : مِنْهَا : مَا هُوَ رَكِيكٌ جِدًّا ، لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ . وَمِنْهَا : مَا هُوَ قَوِيٌّ ، وَأَقْوَى ذَلِكَ مَا قِيلَ : إنَّ النُّفُوسَ أَعْلَقُ بِالذُّكُورِ مِنْهَا بِالْإِنَاثِ ، فَيَكْثُرُ حَمْلُ الذُّكُورِ ، فَيُنَاسِبُ التَّخْفِيفَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنَّضْحِ ، دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَالْحَرَجِ ، بِخِلَافِ الْإِنَاثِ ، فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَلِيلٌ فِيهِنَّ ، فَيَجْرِي عَلَى الْقِيَاسِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ إيصَالِ الْمَاءِ ، مِنْ جِهَةِ قَوْلِهَا " وَلَمْ يَغْسِلْهُ " مَعَ كَوْنِهِ أَتْبَعَهُ بِمَاءٍ .

 

26 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ } .

 

" الْأَعْرَابِيُّ " مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ ، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي ، وَوَقَعَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ فَقِيلَ ؛ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ ، كَأَنْمَارٍ ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ إلَى الْوَاحِدِ ، وَهُوَ " عَرَبٌ " لَقِيلَ : عَرَبِيٌّ ، فَيُشْتَبَهُ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ " الْعَرَبِيَّ " كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَزَجْرُ النَّاسِ لَهُ مِنْ بَابِ الْمُبَادَرَةِ إلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ مُنْكَرًا ، وَفِيهِ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْ الْأَنْجَاسِ كُلِّهَا وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَنْ زَجْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ عَلَيْهِ الْبَوْلَ أَدَّى إلَى ضَرَرِ بِنْيَتِهِ ، وَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بِبَوْلِهِ قَدْ وَقَعَتْ ، فَلَا تُضَمُّ إلَيْهَا مَفْسَدَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ ضَرَرُ بِنْيَتِهِ ، وَأَيْضًا ، فَإِنَّهُ إذَا زُجِرَ - مَعَ جَهْلِهِ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ - قَدْ يُؤَدِّي إلَى تَنْجِيسِ مَكَان آخَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِتَرْشِيشِ الْبَوْلِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تُرِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْبَوْلِ ، فَإِنَّ الرَّشَاشَ لَا يَنْتَشِرُ وَفِي هَذَا الْإِبَانَةِ عَنْ جَمِيلِ أَخْلَاقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلُطْفِهِ وَرِفْقِهِ بِالْجَاهِلِ . ، " وَالذَّنُوبُ " بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ هَهُنَا : هِيَ الدَّلْوُ الْكَبِيرَةُ ، إذَا كَانَتْ مَلْأَى ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا تُسَمَّى ذَنُوبًا إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا مَاءٌ ، وَالذَّنُوبُ أَيْضًا : النَّصِيبُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } وَلِعَلْقَمَةَ فَحُقَّ لِشَاسٍ مِنْ نَدَاكَ نَصِيبُ ، وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى تَطْهِيرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ بِالْمُكَاثَرَةِ بِالْمَاءِ ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ : يُصَبُّ عَلَى الْبَوْلِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهُ ، وَلَا يَتَحَدَّدُ بِشَيْءٍ ، وَقِيلَ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةَ أَمْثَالِ الْبَوْلِ . ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنْ الْمَكَانِ بَعْدَ ذَلِكَ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ : الِاكْتِفَاءُ بِصَبِّ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَأَمَرَ بِهِ ، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَذُكِرَ ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِنَقْلِ التُّرَابِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَلَكِنَّهُ تُكَلِّمَ فِيهِ ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِير لَاكْتَفَى بِهِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِصَبِّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةُ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ ، مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَى الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَرْضِ .

 

27 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { الْفِطْرَةُ خَمْسٌ : الْخِتَانُ ، وَالِاسْتِحْدَادُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ . }

 

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْقَزَّازِ - فِي كِتَابِ تَفْسِيرِ غَرِيبِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " الْفِطْرَةُ " تَنْصَرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهٍ ، أَذْكُرُهَا لِتَرُدَّ هَذَا إلَى أَوْلَاهَا بِهِ ، فَأَحَدُهَا : فِطْرَةُ الْخَلْقِ ، فَطَرَهُ : أَنْشَأَهُ ، وَاَللَّهُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، أَيْ خَالَقَهُمَا ، و " الْفِطْرَةُ " الْجِبِلَّةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَجَبَلَهُمْ عَلَى فِعْلِهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا : أَيْ خَلْقُهُ لَهُمْ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ " عَلَى الْفِطْرَةِ " أَيْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِاَللَّهِ الَّذِي كَانَ أَقَرَّ بِهِ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، " وَالْفِطْرَةُ " زَكَاةُ الْفِطْرِ . وَأَوْلَى الْوُجُوهِ بِمَا ذَكَرْنَا : أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ مَا جَبَلَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَيْهِ ، وَجَبَلَ طِبَاعَهُمْ عَلَى فِعْلِهِ ، وَهِيَ كَرَاهَةُ مَا فِي جَسَدِهِ مِمَّا هُوَ لَيْسَ مِنْ زِينَتِهِ ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُ الْقَزَّازِ : الْفِطْرَةُ هِيَ السُّنَّةُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ " وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ } وَبَيْنَ اللَّفْظَتَيْنِ تَفَاوُتٌ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُهُ الْحَصْرُ ، كَمَا يُقَالُ : الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ ، إلَّا أَنَّ الْحَصْرَ فِي مِثْلِ هَذَا : تَارَةً يَكُونُ حَقِيقِيًّا ، وَتَارَةً يَكُونُ مَجَازِيًّا ، وَالْحَقِيقِيُّ مِثَالُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، مِنْ قَوْلِنَا : الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ ، وَمِنْ الْمَجَازِ { الدِّينُ النَّصِيحَةُ } كَأَنَّهُ بُولِغَ فِي النَّصِيحَةِ إلَى أَنْ جَعَلَ الدِّينَ إيَّاهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي الدِّينِ خِصَالٌ أُخْرَى غَيْرَهَا ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَدَمُ الْحَصْرِ - أَعْنِي قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ " - وَجَبَ إزَالَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُقْتَضِي لِلْحَصْرِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَيْضًا { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ } وَذَلِكَ أَصْرَحُ فِي عَدَمِ الْحَصْرِ ، وَأَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَ " الْخِتَانُ " مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْقَطْعُ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ ، يُقَالُ : خُتِنَ الصَّبِيُّ يَخْتِنُهُ وَيَخْتِنُهُ - بِكَسْرِ التَّاءِ وَضَمِّهَا - خَتْنًا بِإِسْكَانِ التَّاءِ ، وَ " الِاسْتِحْدَادُ " اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحَدِيدِ ، وَهُوَ إزَالَةُ شَعْرِ الْعَانَةِ بِالْحَدِيدِ ، فَأَمَّا إزَالَتُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، كَالنَّتْفِ وَبِالنُّورَةِ : فَهُوَ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ ، لَكِنَّ السُّنَّةَ وَالْأَوْلَى : الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ " الِاسْتِحْدَادَ " اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحَدِيدِ .

" وَقَصُّ الشَّارِبِ " مُطْلَقٌ ، يَنْطَلِقُ عَلَى إحْفَائِهِ ، وَعَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إزَالَةُ مَا زَادَ عَلَى الشَّفَةِ ، وَفَسَّرُوا بِهِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ } وَقَوْمٌ يَرَوْنَ إنْهَاكَهَا ، وَزَوَالَ شَعْرِهَا ، وَيُفَسِّرُونَ بِهِ الْإِحْفَاءَ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ ، وَمِنْهُ : إحْفَاءُ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { انْهَكُوا الشَّوَارِبَ } وَالْأَصْلُ فِي قَصِّ الشَّوَارِبِ وَإِحْفَائِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مُخَالَفَةُ زِيِّ الْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الصَّحِيحِ ، حَيْثُ قَالَ " خَالِفُوا الْمَجُوسَ " . وَالثَّانِي : أَنَّ زَوَالَهَا عَنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ ، وَأَنْزَهُ مِنْ وَضَرِ الطَّعَامِ .

وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ قَطْعُ مَا طَالَ عَنْ اللَّحْمِ مِنْهَا ، يُقَالُ : قَلَّمَ أَظْفَارَهُ تَقْلِيمًا ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ : التَّشْدِيدُ ، كَمَا قُلْنَا ، وَالْقُلَامَةُ مَا يُقْطَعُ مِنْ الظُّفْرِ ، وَفِي ذَلِكَ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ وَالزِّينَةِ ، وَإِزَالَةُ الْقَبَاحَةِ مِنْ طُولِ الْأَظْفَارِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ ، لِمَا عَسَاهُ يَحْصُلُ تَحْتَهَا مِنْ الْوَسَخِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ، وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَخْرُجَ طُولُهَا عَنْ الْعَادَةِ خُرُوجًا بَيِّنًا ، وَهَذَا الَّذِي أَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ طُولُهَا عَنْ الْعَادَةِ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ يَسِيرِ الْوَسَخِ ، وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ : فَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ مَانِعٌ مِنْ حُصُولِ الطَّهَارَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى .

وَ " نَتْفُ الْآبَاطِ " إزَالَةُ مَا نَبَتَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ بِهَذَا الْوَجْهِ ، أَعْنِي النَّتْفَ ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَا يُؤَدِّي إلَى الْمَقْصُودِ ، إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَوْلَى ، وَقَدْ فَرَّقَ لَفْظُ الْحَدِيثِ بَيْنَ إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْإِبْطِ ، فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ " الِاسْتِحْدَادَ " وَفِي الثَّانِي " النَّتْفَ " وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رِعَايَةِ هَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ فِي مَحِلِّهِمَا ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ : أَنَّ الشَّعْرَ بِحَلْقِهِ يَقْوَى أَصْلُهُ ، وَيَغْلُظُ جُرْمُهُ ، وَلِهَذَا يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ تَكْرَارَ حَلْقِ الشَّعْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرَادُ قُوَّتُهُ فِيهَا ، وَالْإِبْطُ إذَا قَوِيَ فِيهِ الشَّعْرُ وَغَلُظَ جُرْمُهُ كَانَ أَفْوَحَ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الْمُؤْذِيَةِ لِمَنْ يُقَارِبُهَا ، فَنَاسَبَ أَنْ يُسَنَّ فِيهِ النَّتْفُ الْمُضْعِفُ لِأَصْلِهِ ، الْمُقَلِّلُ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، وَأَمَّا الْعَانَةُ : فَلَا يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ مَا يَظْهَرُ فِي الْإِبْطِ ، فَزَالَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلنَّتْفِ ، رُجِعَ إلَى الِاسْتِحْدَادِ ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْخِتَانِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ ، وَمِنْهُمْ جَعَلَهُ سُنَّةً ، وَهُوَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ [ هَذَا فِي الرِّجَالِ ، وَأَمَّا فِي النِّسَاءِ : فَهُوَ مَكْرُمَةٌ عَلَى مَا قَالُوا ] ، وَمَنْ فَسَّرَ " الْفِطْرَةَ " بِالسُّنَّةِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ السُّنَّةَ تُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْوَاجِبِ . وَالثَّانِي : أَنَّ قَرَائِنَهُ مُسْتَحَبَّاتٌ ، وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْأَوَّلِ : أَنَّ كَوْنَ " السُّنَّةِ " فِي مُقَابَلَةِ " الْوَاجِبِ " وَضْعٌ اصْطِلَاحِيٌّ لِأَهْلِ الْفِقْهِ ، وَالْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ غَيْرُهُ ، وَهُوَ الطَّرِيقَةُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ اسْتِمْرَارُ اسْتِعْمَالِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ اسْتِمْرَارُهُ فِي كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُ لَفْظِهِ عَلَيْهِ ، وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْخِلَافِيُّونَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا وَمَا قَارَبَهُ ، أَنْ يُقَالَ : إذَا ثَبَتَ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَيُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَضْعُ غَيْرَهُ فِيمَا سَبَقَ ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ إلَى هَذَا الْوَضْعِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَغَيُّرِهِ ، وَهَذَا كَلَامٌ طَرِيفٌ ، وَتَصَرُّفٌ غَرِيبٌ ، قَدْ يُتَبَادَرُ إلَى إنْكَارِهِ ، وَيُقَالُ : الْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْوَاقِعِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي إلَى هَذَا الزَّمَانِ ، أَمَّا أَنْ يُقَالَ : الْأَصْلُ انْعِطَافُ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى الزَّمَنِ الْمَاضِي : فَلَا ، لَكِنَّ جَوَابَهُ مَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : هَذَا الْوَضْعُ ثَابِتٌ ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي ، فَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَالْوَاقِعُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي غَيْرُهُ حِينَئِذٍ ، وَقَدْ تَغَيَّرَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّغَيُّرِ لِمَا وَقَعَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي ، فَعَادَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ طَرِيفًا ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ - إلَّا أَنَّهُ طَرِيقُ جَدَلٍ لَا جَلَدٍ ، وَالْجَدَلِيُّ فِي طَرَائِقِ التَّحْقِيقِ : سَالِكٌ عَلَى مَحَجَّةِ مُضَيِّقٍ ، وَإِنَّمَا تَضْعُفُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إذَا ظَهَرَ لَنَا تَغَيُّرُ الْوَضْعِ ظَنًّا ، وَأَمَّا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالِاقْتِرَانِ : فَهُوَ ضَعِيفٌ ، إلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ " الْفِطْرَةِ " لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ اُسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ ، فَلَوْ افْتَرَقَتْ فِي الْحُكْمِ - أَعْنِي أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِإِفَادَةِ الْوُجُوبِ ، وَفِي بَعْضِهَا لِإِفَادَةِ النَّدْبِ - لَزِمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفِينَ وَفِي ذَلِكَ مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ ، وَإِنَّمَا تَضْعُفُ دَلَالَةُ الِاقْتِرَانِ ضَعْفًا إذَا اسْتَقَلَّتْ الْجَمَلُ فِي الْكَلَامِ ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ } حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ اغْتِسَالَ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ يُفْسِدُهُ ، لِكَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

باب الجناية :

28 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، قَالَ : فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ، ثُمَّ جِئْتُ ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : كُنْتُ جُنُبًا ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسُكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ } .

 

" الْجَنَابَةُ " دَالَّةٌ عَلَى مَعْنَى الْبُعْدِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { : وَالْجَارِ الْجُنُبِ } وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا سُمِّيَ " جُنُبًا " مِنْ الْمُخَالَطَةِ ، وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ : أَجْنَبَ الرَّجُلُ ، إذَا خَالَطَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَكَأَنَّ هَذَا ضِدٌّ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، كَأَنَّهُ مِنْ الْقُرْبِ مِنْهَا ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ، فَإِنَّ مُخَالَطَتَهَا مُؤَدِّيَةٌ إلَى الْجَنَابَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا الْبُعْدُ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ " الِانْخِنَاسُ : الِانْقِبَاضُ وَالرُّجُوعُ ، وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْنَى ، يُقَالُ " خَنَسَ " لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا ، فَمِنْ اللَّازِمِ : مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ الشَّيْطَانِ { فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ } وَمِنْ الْمُتَعَدِّي : مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { وَخَنَسَ إبْهَامَهُ } أَيْ قَبَضَهَا ، وَقِيلَ : إنَّهُ يُقَالُ " أَخْنَسَهُ " فِي الْمُتَعَدِّي ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ { فَانْبَجَسْتُ مِنْهُ } بِالْجِيمِ ، مِنْ الِانْبِجَاسِ ، وَهُوَ الِانْدِفَاعُ ، أَيْ انْدَفَعْتُ عَنْهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ : قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { فَانْسَلَلْتُ مِنْهُ } وَرُوِيَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَيْضًا { فَانْبَخَسْت مِنْهُ } مِنْ الْبَخْسِ ، وَهُوَ النَّقْصُ ، وَقَدْ اُسْتُبْعِدَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، وَوُجِّهَتْ - عَلَى بُعْدِهَا - بِأَنَّهُ اعْتَقَدَ نُقْصَانَ نَفْسِهِ بِجَنَابَتِهِ عَنْ مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مُصَاحَبَتِهِ ، مَعَ اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ نَفْسِهِ ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ " كُنْتُ جُنُبًا " أَيْ كُنْتُ ذَا جَنَابَةٍ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ ، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَمْعِ { : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وَقَالَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " إنِّي كُنْتُ جُنُبَا " وَقَدْ يُقَالُ : جُنُبَانِ ، وَجُنُبُونَ ، وَأَجْنَابٌ ، وَقَوْلُهُ " فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ " يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الطَّهَارَةِ فِي مُلَابَسَةِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا رَدَّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَمْ تَزُلْ ، بِقَوْلِهِ " إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ " لَا رَدًّا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ اسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِمُلَابَسَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا نَظَرٌ ، وَقَوْلُهُ " سُبْحَانَ اللَّهِ ، " تَعَجُّبٌ مِنْ اعْتِقَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّنَجُّسَ بِالْجَنَابَةِ ، وَقَوْلُهُ " إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ " يُقَالُ : نَجَسَ وَنَجُسَ ، يَنْجُسُ - بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ .

وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَيِّتِ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَالْحَدِيثُ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ بِالْمُؤْمِنِ ، وَالْمَشْهُورُ التَّعْمِيمُ ، وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ : يَرَى أَنَّ الْمُشْرِكَ نَجَسٌ فِي حَالِ حَيَّاتِهِ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ : إنَّهُ " نَجَسٌ " بِمَعْنَى أَنَّ عَيْنَهُ نَجِسَةٌ ، وَيُقَالُ فِيهِ : إنَّهُ " نَجِسٌ " بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ بِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ ، وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنَّ عَيْنَهُ لَا تَصِيرُ نَجِسَةً ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ ، فَلَا يَنْفِي ذَلِكَ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الثَّوْبَ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ : هَلْ يَكُونُ نَجِسًا أَمْ لَا ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ نَجِسٌ ، وَأَنَّ اتِّصَالَ النَّجَسِ بِالطَّاهِرِ مُوجِبٌ لِنَجَاسَةِ الطَّاهِرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الثَّوْبَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يُمْتَنَعُ اسْتِصْحَابُهُ فِي الصَّلَاةِ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَةِ ، فَلِهَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ، وَمُقْتَضَاهُ : أَنَّ بَدَنَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالنَّجَاسَةِ ، وَهَذَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ حَالَةُ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ ، فَيَكُونُ طَاهِرًا ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْبَدَنِ ثَبَتَ فِي الثَّوْبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ ، أَوْ يَقُولُ : الْبَدَنُ إذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ : مِنْ مَوَاضِعِ النِّزَاعِ ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَجَسٍ ، وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ - مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ حَمْلُهُ عَلَى نَجَاسَةِ الْعَيْنِ - يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ ، وَقَدْ يُدْعَى أَنَّ قَوْلَنَا " الشَّيْءُ نَجِسٌ " حَقِيقَةً فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ ، فَيَبْقَى ظَاهِرُ الْحَدِيثِ دَالًا عَلَى أَنَّ عَيْنَ الْمُؤْمِنِ لَا تَنْجُسُ ، فَتَخْرُجُ عَنْهُ حَالَةُ النَّجَسِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ .

 

29 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا } .

الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهَا " كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ عَنْ إرَادَةِ الْفِعْلِ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا " اغْتَسَلَ " بِمَعْنَى شَرَعَ فِي الْفِعْلِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : فَعَلَ إذَا شَرَعَ ، وَفَعَلَ إذَا فَرَغَ ، فَإِذَا حَمَلْنَا اغْتَسَلَ " عَلَى " شَرَعَ " صَحَّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ وَقْتًا لِلْبَدَاءَةِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ } فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ وَقْتًا لِلِاسْتِعَاذَةِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : يُقَالُ " كَانَ يَفْعَلُ كَذَا " بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُهُ ، وَكَانَ عَادَتُهُ ، كَمَا يُقَالُ : كَانَ فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ ، وَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ } وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ " كَانَ " لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ ؛ وَوُقُوعِ الْفِعْلِ ، دُونَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْرَارِ ، وَالْأَوَّلُ : أَكْثَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اغْتَسَلَ " . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : قَدْ تُطْلَقُ " الْجَنَابَةُ " عَلَى الْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، أَوْ الْإِنْزَالِ ، وَقَوْلُهَا " مِنْ الْجَنَابَةِ " فِي " مِنْ " مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ ، مَجَازًا عَنْ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّبَبَ مَصْدَرٌ لِلْمُسَبَّبِ وَمُنْشَأٌ لَهُ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : قَوْلُهَا " غَسَلَ يَدَيْهِ " هَذَا الْغَسْلُ قَبْلَ إدْخَالِ الْيَدَيْنِ الْإِنَاءَ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، الْوَجْهُ الْخَامِسُ : قَوْلُهَا " وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ الْغَسْلِ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ، نَعَمْ ، يَقَعُ الْبَحْثُ فِي أَنَّ هَذَا الْغَسْلَ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ : هَلْ هُوَ وُضُوءٌ حَقِيقَةً ؟ فَيُكْتَفَى بِهِ عَنْ غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لِلْجَنَابَةِ ، فَإِنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاحِدٌ ، أَوْ يُقَالُ : إنَّ غَسْلَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَنَابَةِ ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْجَسَدِ تَكْرِيمًا لَهَا وَتَشْرِيفًا ، وَيَسْقُطُ غَسْلُهَا عَنْ الْوُضُوءِ بِانْدِرَاجِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى تَحْتَ الْكُبْرَى . فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ : قَوْلُهَا " وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ ، تَقْدِيرُهُ : وُضُوءًا مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ الْمَغْسُولَةُ مَغْسُولَةً عَنْ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً عَنْ الْوُضُوءِ حَقِيقَةً لَكَانَ قَدْ تَوَضَّأَ عَنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ ، فَلَا يَصِحُّ التَّشْبِيهُ ؛ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا مَغْسُولَةً لِلْجَنَابَةِ صَحَّ التَّغَايُرَ ، وَكَانَ التَّشْبِيهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَجَوَابُهُ - بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُشَبَّهًا بِهِ - مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ الْوُضُوءُ الْوَاقِعُ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فِي غَيْرِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَالْوُضُوءُ - بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ - مُغَايِرٌ لِلْوُضُوءِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَيَحْصُلُ التَّغَايُرُ الَّذِي يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّشْبِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ كَوْنِهِ وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً . الثَّانِي : لَمَّا كَانَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ لَهُ صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ذِهْنِيَّةٌ ، شُبِّهَ هَذَا الْفَرْدُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْخَارِجِ بِذَلِكَ الْمَعْلُومِ فِي الذِّهْنِ ، كَأَنَّهُ يُقَالُ : أَوْقَعَ فِي الْخَارِجِ مَا يُطَابِقُ الصُّورَةَ الذِّهْنِيَّةَ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ . الْوَجْهُ السَّادِسُ : قَوْلُهَا " ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ " التَّخْلِيلُ هَهُنَا : إدْخَالُ الْأَصَابِعِ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَاءِ الشَّعْرِ ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ : إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّخْلِيلَ هَلْ يَكُونُ بِنَقْلِ الْمَاءِ ، أَوْ بِإِدْخَالِ الْأَصَابِعِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ الْمَاءِ ؟ وَأَشَارَ بِهِ إلَى تَرْجِيحِ نَقْلِ الْمَاءِ ، لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ { ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ } فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : نَقْلُ الْمَاءِ لِتَخْلِيلِ الشَّعْرِ : هُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : يُخَلِّلُ بِأَصَابِعِهِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ الْمَاءِ ، قَالَ : وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ مَا يُبَيِّنُ هَذَا ، فَقَالَ " بَابُ تَخْلِيلِ الْجُنُبِ رَأْسَهُ " وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِيهِ ، { فَقَالَتْ فِيهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشْرِبُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا } قَالَ : فَهَذَا بَيِّنٌ فِي التَّخْلِيلِ بِالْمَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ " التَّخْلِيلَ " يَكُونُ بِمَجْمُوعِ الْأَصَابِعِ الْعَشْرِ لَا بِالْخَمْسِ . الْوَجْهُ السَّابِعُ : قَوْلُهَا " حَتَّى إذَا ظَنَّ " يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ " الظَّنُّ " هَهُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ ، مِنْ رُجْحَانِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ الْآخَرِ ، وَلَوْلَا قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ " أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " لَتَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُكْتَفَى بِهِ ، أَيْ بِرَيِّ الْبَشَرَةِ ، وَإِذَا كَانَ مُكْتَفَى بِهِ فِي الْغُسْلِ تَرَجَّحَ الْيَقِينُ ، لَتَيَسُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْوَاجِبِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا ، وَقَوْلُهَا " أَرْوَى " مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّيِّ ، الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْعَطَشِ ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي ابْتِلَالِ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ ، يُقَالُ : رَوَيْتُ مِنْ الْمَاءِ - بِالْكَسْرِ - أَرْوَى رِيًّا وَرَيًّا ، وَرُوِيَ ، وَأُرْوِيتُهُ أَنَا فَرُوِيَ ، وَقَوْلُهَا " بَشَرَتَهُ " الْبَشَرَةُ : ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ ، وَالْمُرَادُ بِإِرْوَاءِ الْبَشَرَةِ : إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الْجِلْدِ ، وَلَا يَصِلُ إلَى جَمِيعِ جِلْدِهِ إلَّا وَقَدْ ابْتَلَتْ أُصُولُ الشَّعْرِ ، أَوْ كُلِّهِ ، وَقَوْلُهَا " أَفَاضَ الْمَاءَ " إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ : إفْرَاغُهُ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : فَاضَ الْمَاءُ : إذَا جَرَى ، وَفَاضَ الدَّمْعُ : إذَا سَالَ ، وَقَوْلُهَا " عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ " أَيْ بَقِيَّتِهِ ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ الرَّأْسَ أَوَّلًا ، وَالْأَصْل فِي " سَائِرِ " أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ ، وَقَالُوا : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّؤْرِ ، قَالَ الشَّنْفَرَى : إذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي رَأْسٍ أَكْثَرِي وَغُودِرَ عِنْدَ الْمُلْتَقَى ثُمَّ سَائِرِي أَيْ بَقِيَّتِي ، وَقَدْ أُنْكِرَ فِي أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ : جَعْلُهَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، وَفِي كِتَابِ الصِّحَاحِ : مَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَهُ .

الْوَجْهُ الثَّامِنُ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ، فَإِنَّهُمَا إذَا اعْتَقَبَا اغْتِرَافَ الْمَاءِ : كَانَ اغْتِرَافُ الرَّجُلِ فِي بَعْضِ الِاغْتِرَافَاتِ مُتَأَخِّرًا عَنْ اغْتِرَافِ الْمَرْأَةِ ، فَيَكُونُ تَطَهُّرًا بِفَضْلِهَا ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ قَوْلَهَا " نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا " يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي وَقْتِ الِاغْتِرَافِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا اللَّفْظُ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ - أَعْنِي " نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا " عَلَى مَا إذَا تَعَاقَبَا الِاغْتِرَافَ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى اغْتِرَافِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ : أَحْمِلُهُ عَلَى شُرُوعِهِمَا جَمِيعًا ، فَإِنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ ، فَإِذَا قُلْتَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ أَكْتُفِيَ بِذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

30 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ { وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ، أَوْ الْحَائِطِ ، مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ، ثُمَّ تَنَحَّى ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا ، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ } .

 

الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : قَدْ تَقَدَّمَ لَنَا : أَنَّ " الْوَضُوءَ " بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ ، أَوْ لِلْمَاءِ مُضَافًا إلَى الْوُضُوءِ ؟ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ : أَنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ إلَى الْوُضُوءِ بَلْ إلَى الْجَنَابَةِ . الثَّانِي : قَوْلُهَا " فَأَكْفَأَ " أَيْ قَلَبَ ، يُقَالُ : كَفَأْتُ الْإِنَاءَ : إذَا قَلَبْتُهُ - ثُلَاثِيًّا - وَأَكْفَأْتُهُ أَيْضًا رُبَاعِيًّا ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ : وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى " قَلَبَ " وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي " قَلَبْتُ " : " كَفَأْتُ " ثُلَاثِيًّا ، وَأَمَّا " أَكْفَأْتُ " فَبِمَعْنَى : أَمَلْتُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيّ الثَّالِثُ : الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الْفَرْجِ ، لِإِزَالَةِ مَا عَلِقَ بِهِ مِنْ أَذَى ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ فِي الِابْتِدَاءِ عَنْ الْجَنَابَةِ ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى غَسْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ لِلْوُضُوءِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِهَا ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَلِلْغَسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ ، فَهَلْ يَكْتَفِي بِذَلِكَ ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلَتَيْنِ : مَرَّةً لِلنَّجَاسَةِ ، وَمَرَّةً لِلطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ إلَّا مُطْلَقُ الْغَسْلِ ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَكْرَارٍ ، فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ : الِاكْتِفَاءُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَسْلِهِ ثَانِيًا ، وَضَرْبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ : لِإِزَالَةِ مَا لَعَلَّهُ عَلِقَ بِالْيَدِ مِنْ الرَّائِحَةِ ، زِيَادَةً فِي التَّنْظِيفِ . الرَّابِعُ : إذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ ، بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْإِزَالَةِ : لَمْ يَضُرَّ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ : خِلَافٌ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ الْعَفْوُ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَوَجْهُهُ : أَنْ ضَرْبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ : لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ الْعَيْنِ ؛ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ اتِّفَاقًا ، وَإِذَا كَانَتْ الْيَدُ نَجِسَةً بِبَقَاءِ الْعَيْنِ فِيهَا ، فَعِنْدَ انْفِصَالِهَا يَنْجُسُ الْمَحَلُّ بِهَا ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلطَّعْمِ ؛ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ ، وَلَا يَكُونُ لِإِزَالَةِ اللَّوْنِ ؛ ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ بِالْإِنْزَالِ أَوْ بِالْمُجَامَعَةِ لَا تَقْتَضِي لَوْنًا يُلْصَقُ بِالْيَدِ ، وَإِنْ اتَّفَقَ ، فَنَادِرٌ جِدًّا ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ رَائِحَةٍ تَجِبُ إزَالَتُهَا ؛ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ قَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ الْمَحِلِّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ ، وَلَوْ بَقِيَ مَا تَتَعَيَّنُ إزَالَتُهُ مِنْ الرَّائِحَةِ لَمْ يَكُنْ الْمَحِلُّ طَاهِرًا ؛ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ تَكُونُ الْيَدُ نَجِسَةً ، وَقَدْ لَابَسَتْ الْمَحِلَّ مُبْتَلًّا ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرَّائِحَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، وَيَكُونُ الضَّرْبُ عَلَى الْأَرْضِ لِطَلَبِ الْأَكْمَلِ فِيمَا لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ : فَصْلُ الْيَدِ عَنْ الْمَحِلِّ ، بِنَاءً عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ بِزَوَالِ رَائِحَتِهِ ، وَالضَّرْبُ عَلَى الْأَرْضِ لِإِزَالَةِ احْتِمَالٍ فِي بَقَاءِ الرَّائِحَةِ ، مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ فِي زَوَالِهَا ، وَاَلَّذِي يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ : مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " دَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا " وَالدَّلْكُ الشَّدِيدُ لَا يُنَاسِبُهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ الضَّعِيفُ .

الْخَامِسُ : قَوْلُهَا " ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ " دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فِي الْغُسْلِ ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ : فَأَوْجَبَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَنَفَى الْوُجُوبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ مُطْلَقَ أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْوُجُوبِ ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ : أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، إلَّا إذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ ، وَالْأَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ مِنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلَاتِ . السَّادِسُ : قَوْلُهَا " ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ " ظَاهِرُهُ : يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْوُضُوءِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِتَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ هَذَا : هَلْ يَمْسَحُ الرَّأْسَ أَمْ لَا ؟ .

السَّابِعُ : قَوْلُهَا " ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ " يَقْتَضِي تَأْخِيرَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ ، وَقَدْ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَبَعْضُهُمْ اخْتَارَ إكْمَالَ الْوُضُوءِ ، عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ وَسِخًا أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ وَسِخَا : أَخَّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ، لِيَكُونَ غُسْلُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَلَا يَقَعُ إسْرَافٌ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ نَظِيفًا : قُدِّمَ ، وَهُوَ فِي كُتُبِ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، لَهُ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ . الثَّامِنُ : إذَا قُلْنَا : إنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ وُضُوءٌ حَقِيقَةً ، فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا : جَوَازُ التَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ فِي الطَّهَارَةِ .

التَّاسِعُ : أُخِذَ مِنْ رَدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِرْقَةَ : أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَنْشِيفُ الْأَعْضَاءِ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ ، وَاخْتَلَفُوا : هَلْ يُكْرَهُ ؟ وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا التَّنْشِيفَ اسْتَدَلُّوا بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ ، فَلَوْ كُرِهَ التَّنْشِيفُ لَكُرِهَ النَّفْضُ ، فَإِنَّهُ إزَالَةٌ ، وَأَمَّا رَدُّ الْمِنْدِيلِ : فَوَاقِعَةُ حَالٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا لِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ ، بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْعَاشِرُ : ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ : أَنْ لَا يَنْفُضَ أَعْضَاءَهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَفْضِ الْمَاءِ عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْغُسْلِ ، وَالْوُضُوءُ مِثْلُهُ ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ النَّفْضِ - وَهُوَ مَا وَرَدَ " لَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ " - حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، لَا يُقَاوِمُ هَذَا الصَّحِيحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

31 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ } .

 

وُضُوءُ الْجُنُبِ قَبْلَ النَّوْمِ : مَأْمُورٌ بِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْوُجُوبُ ، وَقَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ، ثُمَّ نَمْ } لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ إنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ " وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - مُتَمَسِّكٌ لِلْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُ وَقَفَ إبَاحَةَ الرُّقَادِ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " فَلْيَرْقُدْ " لَيْسَ لِلْوُجُوبِ ، وَلَا لِلِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّ النَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَوْمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ وَلَا اسْتِحْبَابٌ ، فَإِذَا هُوَ لِلْإِبَاحَةِ ، فَتَتَوَقَّفُ الْإِبَاحَةُ هَهُنَا عَلَى الْوُضُوءِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّ الْأَمْرَ هَهُنَا عَلَى الْوُجُوبِ ، اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ هَذَا الْحُكْمِ ، فَقِيلَ : عِلَّتُهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، خَشْيَةَ الْمَوْتِ فِي الْمَنَامِ ، وَقِيلَ : عِلَّتُهُ أَنْ يَنْشَطَ إلَى الْغُسْلِ إذَا نَالَ الْمَاءُ أَعْضَاءَهُ ، وَبَنَوْا عَلَى هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ : أَنَّ الْحَائِضَ إذَا أَرَادَتْ النَّوْمَ ، هَلْ تُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ ؟ فَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِالْمَبِيتِ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ : أَنْ تَتَوَضَّأَ الْحَائِضُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهَا وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِحُصُولِ النَّشَاطِ : أَنْ لَا تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ ؛ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ نَشِطَتْ لَمْ يُمْكِنْهَا رَفْعُ حَدَثِهَا بِالْغُسْلِ . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَائِضِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَاعَى هَذِهِ الْعِلَّةَ ، فَنَفَى الْحُكْمَ لِانْتِفَائِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُرَاعِهَا ، وَنَفَى الْحُكْمَ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ أَمْرَ الْجُنُبِ بِهِ تَعَبُّدٌ ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، أَوْ رَأَى عِلَّةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

32 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ { جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ } .

 

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهَا " إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ " هَذَا تَمْهِيدٌ لِبَسْطِ عُذْرِهَا فِي ذِكْرِهَا مَا يَسْتَحْيِي النِّسَاءُ مِنْ ذِكْرِهِ وَهُوَ أَصْلٌ فِيمَا يَصْنَعُهُ الْكُتَّابُ وَالْأُدَبَاءُ فِي ابْتِدَاءِ مُكَاتَبَاتِهِمْ وَمُخَاطَبَاتِهِمْ مِنْ التَّمْهِيدَاتِ لِمَا يَأْتُونَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُحَسِّنُهُ فِي مِثْلِ هَذَا : أَنَّ الَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُعْتَذَرِ مِنْهُ : أَدْرَكَتْهُ النَّفْسُ صَافِيَةً مِنْ الْعَتَبِ ، وَإِذَا تَأَخَّرَ الْعُذْرُ اسْتَثْقَلَتْ النَّفْسُ الْمُعْتَذَرَ مِنْهُ ، فَتَأَثَّرَتْ بِقُبْحِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي الْعُذْرُ رَافِعًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : يَأْتِي دَافِعًا . الثَّانِي : تَكَلَّمُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهَا إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ : إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ الْحَيَاءِ ، إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُثْبَتًا ، كَمَا جَاءَ { إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ } وَأَمَّا فِي النَّفْيِ : فَالْمُسْتَحِيلَاتُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تُنْفَى ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ مُمْكِنًا ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ النَّفْيُ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ مُطْلَقًا ، بَلْ وَرَدَ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْحَقِّ ، فَبِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ : يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ ، فَيَعُودُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ إلَى جَانِبِ الْإِثْبَاتِ . ، الثَّالِثُ : قِيلَ فِي مَعْنَاهُ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِيهِ ، وَلَا يُبِيحُهُ ، أَوْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِهِ وَأَصْلُ " الْحَيَاءِ " الِامْتِنَاعُ ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ مَعْنَى الِانْقِبَاضِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ أَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ، وَأَقُولُ : أَمَّا تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ ذِكْرِهِ فَقَرِيبٌ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحْيِيَ مُمْتَنِعٌ مِنْ فِعْلِ مَا يَسْتَحْيِي مِنْهُ ، فَالِامْتِنَاعُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاءِ ، فَيُطْلَقُ الْحَيَاءُ عَلَى الِامْتِنَاعِ ، إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " أَيْ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِيهِ وَلَا يُبِيحُهُ " فَيُمْكِنُ فِي تَوْجِيهِهِ ، أَنْ يُقَالَ : يَصِحُّ التَّعْبِيرُ بِالْحَيَاءِ عَنْ الْأَمْرِ بِالْحَيَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَيَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَيَاءِ ، فَيَصِحُّ إطْلَاقُ الْحَيَاءِ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ ، عَلَى سَبِيلِ إطْلَاقِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِهِ ، وَإِذَا صَحَّ إطْلَاقُ الْحَيَاءِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْحَيَاءِ ، فَيَصِحُّ إطْلَاقُ عَدَمِ الْحَيَاءِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ تُذْكَرُ لِبَيَانِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْمَعَانِي ، لِيَخْرُجَ ظَاهِرُهُ عَنْ النُّصُوصِيَّةِ ، لَا عَلَى أَنَّهُ يَجْزِمُ بِإِرَادَةِ مُتَعَيِّنٍ مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " مَعْنَاهُ إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ " ، فَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيرٌ بَالِغٌ ، فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يُسْنِدَ فِعْلَ الِاسْتِحْيَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَا ، وَيَجْعَلُهُ فِعْلًا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَإِنْ أُسْنِدَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالسُّؤَالُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ : أَنَّهُ زَادَ قَوْلُهُ " سُنَّةَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ " وَهَذَا لَا يَخْلُصُ مِنْ السُّؤَالِ ، وَإِنْ بَنَوْا الْفِعْلَ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَكَيْفَ يُفَسِّرُ فِعْلًا بُنِيَ لِلْفَاعِلِ ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَبَايِنَانِ ، وَالْإِشْكَالُ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى بِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ ؟ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : الْأَقْرَبُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ، تَقْدِيرُهُ : إنَّ اللَّهَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ ، وَ " الْحَقُّ " هَهُنَا خِلَافُ الْبَاطِلِ ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ : أَنْ يُقْتَدَى بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ ، وَبِذِكْرِ هَذَا الْحَقِّ الَّذِي دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ احْتِلَامِ الْمَرْأَةِ .

الْوَجْهُ الْخَامِسُ " الِاحْتِلَامُ " فِي الْوَضْعِ : افْتِعَالٌ مِنْ الْحُلْمِ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ - وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ - بِفَتْحِ اللَّامِ - وَاحْتَلَمَ ، وَاحْتَلَمْتُ بِهِ ، وَاحْتَلَمْتُهُ ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ : فَإِنَّهُ قَدْ خُصَّ هَذَا الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ بِبَعْضِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ ، وَهُوَ مَا يَصْحَبُهُ إنْزَالُ الْمَاءِ ، فَلَوْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ " احْتَلَمَ " وَضْعًا ، وَلَمْ يَصِحَّ عُرْفًا . الْوَجْهُ السَّادِسُ : قَوْلُهَا " هِيَ " تَأْكِيدٌ وَتَحْقِيقٌ ، وَلَوْ أُسْقِطَتْ مِنْ الْكَلَامِ لَتَمَّ أَصْلُ الْمَعْنَى .

السَّابِعُ : الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ الْمَاءَ ، وَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الرَّجُلِ قَوْلُهُ { إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ " وَسَأَلَتْ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ ، وَلَكِنَّهَا سَأَلَتْ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ ، لِقِيَامِ مَانِعٍ فِيهَا يُوهِمُ خُرُوجَهَا عَنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ ، وَهِيَ نُدْرَةُ نُزُولِ الْمَاءِ مِنْهَا .

الثَّامِنُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إنْزَالَ الْمَاءِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ ، كَإِنْزَالِهِ فِي حَالَةِ الْيَقِظَةِ . التَّاسِعُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " قَدْ يُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا ، بِقَوْلِهِ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " . ،

الْعَاشِرُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَاعَاةً لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فِي قَوْلِهَا " احْتَلَمَتْ " فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ " الِاحْتِلَامَ " رُؤْيَةُ الْمَنَامِ