9 مصاحف الكتاب الاسلامي/

الأربعاء، 24 مايو 2023

الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد كتاب الصيام الي الحج ثم الي بعد الصلاة الي صلاة الخوف

 

 الأحكام شرح عمدة الأحكام  لابن دقيق العيد  

كتاب الصيام

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 178 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ } .

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : فِيهِ صَرِيحُ الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ ، الَّذِينَ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّ " رَمَضَانَ " اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ . فَإِذَا صَامَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ . الثَّانِي : فِيهِ تَبْيِينٌ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، الَّذِي فِي { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } وَبَيَانُ أَنَّ اللَّامَ لِلتَّأْقِيتِ ، لَا لِلتَّعْلِيلِ ، كَمَا زَعَمَتْ الرَّوَافِضُ . وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَمْ يَلْزَمْ تَقْدِيمُ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَيْضًا ، كَمَا تَقُولُ : أَكْرِمْ زَيْدًا لِدُخُولِهِ . فَلَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْإِكْرَامِ عَلَى الدُّخُولِ . وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَحَمْلُهُ عَلَى التَّأْقِيتِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ تَجَوُّزٍ ، وَخُرُوجٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ - وَهُوَ اللَّيْلُ - لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ .

الثَّالِثُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ الْمُعْتَادَ إذَا وَافَقَتْ الْعَادَةُ فِيهِ مَا قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ : أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ . وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَادَةُ بِنَذْرٍ أَوْ بِسَرْدٍ عَنْ غَيْرِ نَذْرٍ فَإِنَّهُمَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ { إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ } .

الرَّابِعُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ إنْشَاءِ الصَّوْمِ قَبْلَ الشَّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بِالتَّطَوُّعِ . فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا رَخَّصَ فِيهِ . وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ النَّذْرُ الْمَخْصُوصُ بِالْيَوْمِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ . وَلَكِنَّهُ تُعَارِضُهُ الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ .

 

179 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا . وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا . فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ } .

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالرُّؤْيَةِ . وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ : رُؤْيَةُ كُلِّ فَرْدٍ ، بَلْ مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ . وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ الَّذِي يَرَاهُ الْمُنَجِّمُونَ . وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ : أَنَّهُ رَأَى الْعَمَلَ بِهِ . وَرَكَنَ إلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ . وَقَالَ بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الْحِسَابِ . وَقَدْ اُسْتُشْنِعَ هَذَا ، لِمَا حُكِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْتَهُ لَمْ يَقُلْهُ . وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ : إنَّ الْحِسَابَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ ، لِمُفَارَقَةِ الْقَمَرِ لِلشَّمْسِ ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْمُنَجِّمُونَ ، مِنْ تَقَدُّمِ الشَّهْرِ بِالْحِسَابِ عَلَى الشَّهْرِ بِالرُّؤْيَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ . فَإِنَّ ذَلِكَ إحْدَاثٌ لِسَبَبٍ لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ طَلَعَ مِنْ الْأُفُقِ عَلَى وَجْهٍ يُرَى ، لَوْلَا وُجُودُ الْمَانِعِ - كَالْغَيْمِ مِثْلًا فَهَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، لِوُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ . وَلَيْسَ حَقِيقَةُ الرُّؤْيَةِ بِشَرْطٍ مِنْ اللُّزُومِ ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ فِي الْمَطْمُورَةِ إذَا عُلِمَ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ ، أَوْ بِالِاجْتِهَادِ بِالْأَمَارَاتِ : أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَإِنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ . وَلَا أَخْبَرَهُ مَنْ رَآهُ .

الثَّانِي : يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ ، وَعَلَى الْإِفْطَارِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ : بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ إذَا انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ . وَلَكِنْ قَالُوا : يُفْطِرُ سِرًّا .

الثَّالِثُ : اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ حُكْمَ الرُّؤْيَةِ بِبَلَدٍ : هَلْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُرَ فِيهِ ؟ . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ تَعَدِّي الْحُكْمِ إلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ . كَمَا إذَا فَرَضْنَا : أَنَّهُ رُئِيَ الْهِلَالُ بِبَلَدٍ فِي لَيْلَةٍ ، وَلَمْ يُرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِآخَرَ . فَتَكَمَّلَتْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِالرُّؤْيَةِ الْأُولَى . وَلَمْ يُرَ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ : هَلْ يُفْطِرُونَ أَمْ لَا فَمَنْ قَالَ بِتَعَدِّي الْحُكْمِ ، قَالَ بِالْإِفْطَارِ . وَقَدْ وَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ { لَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ ، أَوْ نَرَاهُ وَقَالَ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَامَّ ، لَا حَدِيثًا خَاصًّا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَهُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّابِعُ : اُسْتُدِلَّ لِمَنْ قَالَ بِالْعَمَلِ بِالْحِسَابِ فِي الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ " فَاقْدُرُوا لَهُ " فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ . وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ : إكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ . وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " فَاقْدُرُوا لَهُ " عَلَى هَذَا الْمَعْنَى - أَعْنِي إكْمَالَ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ - مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُبَيَّنًا فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ " . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " غُمَّ عَلَيْكُمْ " اسْتَتَرَ أَمْرُ الْهِلَالِ وَغُمَّ أَمْرُهُ . وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ .

 

180 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً } .

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّحُورِ لِلصَّائِمِ . وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِيهِ بَرَكَةً . وَهَذِهِ الْبَرَكَةُ : يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ . فَإِنَّ إقَامَةَ السُّنَّةِ تُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، لِقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ ، وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إجْحَافٍ بِهِ . وَ " السَّحُورُ " بِفَتْحِ السِّينِ : مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ . وَبِضَمِّهَا الْفِعْلُ . هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ . وَ " الْبَرَكَةُ " مُحْتَمَلَةٌ لَأَنْ تُضَافَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلِ وَالْمُتَسَحَّرِ بِهِ مَعًا . وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ حَمْلِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . بَلْ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فِي لَفْظِ " فِي " وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَإِنَّ فِي السَّحُورِ - بِفَتْحِ السِّينِ - وَهُوَ الْأَكْثَرُ . وَفِي السُّحُورِ بِضَمِّهَا . وَمِمَّا عُلِّلَ بِهِ اسْتِحْبَابُ السُّحُورِ : الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ السُّحُورُ . وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ .

 

181 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ . قَالَ أَنَسٌ : قُلْت لِزَيْدٍ : كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ ؟ قَالَ : قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً } .

فِيهِ دَلِيلُ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ السَّحُورِ ، وَتَقْرِيبِهِ مِنْ الْفَجْرِ . وَالظَّاهِرُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَانِ هَهُنَا : الْأَذَانُ الثَّانِي . وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ حِفْظِ الْقُوَى ، وَلِلْمُتَصَوِّفَةِ وَأَرْبَابِ الْبَاطِنِ فِي هَذَا كَلَامٌ تَشَوَّفُوا فِيهِ إلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّوْمِ وَحِكْمَتِهِ وَهُوَ كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ، وَقَالُوا : إنَّ مَنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ عَادَتُهُ فِي مِقْدَارِ أَكْلِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الصَّوْمِ ، وَهُوَ كَسْرُ الشَّهْوَتَيْنِ . وَالصَّوَابُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّ مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ ، حَتَّى تُعْدَمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ لَا يُسْتَحَبُّ ، كَعَادَةِ الْمُتْرَفِينَ فِي التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ . وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ فِيهَا ، وَمَا لَا يَنْتَهِي إلَى ذَلِكَ ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ . وَقَدْ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ هَذَا الِاسْتِحْبَابِ بِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ ، وَاخْتِلَافِ مِقْدَارِ مَا يَسْتَعْمِلُونَ .

 

182 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ } .

كَانَ قَدْ وَقَعَ خِلَافٌ فِي هَذَا . فَرَوَى فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا { مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ } إلَى أَنْ رُوجِعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا ثُمَّ يَصُومُ } وَصَحَّ أَيْضًا " أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ " وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَحَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا أَوْ كَالْإِجْمَاعِ . وَقَوْلُهَا " مِنْ أَهْلِهِ " فِيهِ إزَالَةٌ لِاحْتِمَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِ فَإِنَّ الِاحْتِلَامَ فِي الْمَنَامِ آتٍ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْجُنُبِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ . فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ لِيَزُولَ هَذَا الِاحْتِمَالُ . وَلَمْ يَقَعْ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ فِي مِثْلِ هَذَا ، إلَّا فِي الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَطَلَعَ عَلَيْهَا الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ . فَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ - أَعْنِي فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ - وَقَدْ يَدُلُّ كِتَابُ اللَّهِ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا . فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ( ) { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ } يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْوَطْءِ فِي لَيْلَةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا . وَمِنْ جُمْلَتِهِ . الْوَقْتُ الْمُقَارِبُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ ، بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْغُسْلَ . فَتَقْتَضِي الْآيَةُ الْإِبَاحَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . وَمِنْ ضَرُورَتِهِ : الْإِصْبَاحُ جُنُبًا . وَالْإِبَاحَةُ لِسَبَبِ الشَّيْءِ إبَاحَةٌ لِلشَّيْءِ . وَقَوْلُهَا " مِنْ أَهْلِهِ " فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ، أَيْ مِنْ جِمَاعِ أَهْلِهِ .

 

183 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ . فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ . فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ } .

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَكْلِ النَّاسِي لِلصَّوْمِ ، هَلْ يُوجِبُ الْفَسَادَ أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ . وَهُوَ الْقِيَاسُ . فَإِنَّ الصَّوْمَ قَدْ فَاتَ رُكْنُهُ . وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَأْمُورَاتِ . وَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي : أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُؤَثِّرُ فِي طَلَبِ الْمَأْمُورَاتِ . وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ . فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِتْمَامِ . وَسُمِّيَ الَّذِي يُتِمُّ " صَوْمًا " وَظَاهِرُهُ : حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ . وَإِذَا كَانَ صَوْمًا وَقَعَ مُجْزِئًا . وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ : عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ . وَالْمُخَالِفُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ : إتْمَامُ صُورَةِ الصَّوْمِ . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَيُجَابُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَمْلِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ . وَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ . كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ أَوْلَى . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ خَارِجٌ يُقَوِّي بِهِ هَذَا التَّأْوِيلَ الْمَرْجُوحَ فَيُعْمَلُ بِهِ . وَقَوْلُهُ { فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ } يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ . فَإِنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِأَنَّ الْفِعْلَ الصَّادِرَ مِنْهُ مَسْلُوبُ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ . وَالْحُكْمُ بِالْفِطْرِ يَلْزَمُهُ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالْإِفْطَارِ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ بِرَفْعِ الْإِثْمِ عَنْهُ ، وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ . وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخَالَفَةٌ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِاللَّقَبِ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ ، أَوْ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْغَالِبِ . فَإِنَّ نِسْيَانَ الْجِمَاعِ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ . وَالتَّخْصِيصُ بِالْغَالِبِ لَا يَقْتَضِي مَفْهُومًا .

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جِمَاعِ النَّاسِي ، هَلْ يُوجِبُ الْفَسَادَ عَلَى قَوْلِنَا : إنْ أَكَلَ النَّاسِي لَا يُوجِبُهُ ؟ وَاخْتَلَفَ أَيْضًا الْقَائِلُونَ بِالْفَسَادِ : هَلْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ أَكْلَ النَّاسِي لَا يُوجِبُهَا ، وَمَدَارُ الْكُلِّ عَلَى قُصُورِ حَالَةِ الْمُجَامِعِ نَاسِيًا عَنْ حَالَةِ الْأَكْلِ نَاسِيًا ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُذْرِ وَالنِّسْيَانِ . وَمَنْ أَرَادَ إلْحَاقَ الْجِمَاعِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْقِيَاسُ ، وَالْقِيَاسُ مَعَ الْفَارِقِ مُتَعَذَّرٌ ، إلَّا إذَا بَيَّنَ الْقَائِسُ أَنَّ الْوَصْفَ الْفَارِقَ مُلْغًى .

 

184 - الْحَدِيثُ السَّابِعُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْتُ . قَالَ : مَا أَهْلَكَكَ ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي ، وَأَنَا صَائِمٌ - وَفِي رِوَايَةٍ : أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ : الْمِكْتَلُ - قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ قَالَ : أَنَا . قَالَ : خُذْ هَذَا ، فَتَصَدَّقَ بِهِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ . ثُمَّ قَالَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ } .

" الْحَرَّةُ " أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ . يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مَسَائِلُ . الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا . وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا : أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ ، مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالْمَعْصِيَةِ . وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى : أَنَّ مَجِيئَهُ مُسْتَفْتِيًا يَقْتَضِي النَّدَمَ وَالتَّوْبَةَ ، وَالتَّعْزِيرُ اسْتِصْلَاحٌ . وَلَا اسْتِصْلَاحَ مَعَ الصَّلَاحِ ، وَلِأَنَّ مُعَاقَبَةَ الْمُسْتَفْتِي تَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنْ النَّاسِ عِنْدَ وُقُوعِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ دَفْعُهَا .

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : جُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِإِفْطَارِ الْمُجَامِعِ عَامِدًا ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ : أَنَّهَا لَا تَجِبُ ، وَهُوَ شَاذٌّ جِدًّا . وَتَقْرِيرُهُ - عَلَى شُذُوذِهِ - أَنْ يُقَالَ : لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ ، لِمَا سَقَطَتْ عِنْدَ مُقَارَنَةِ الْإِعْسَارِ لَهُ ، لَكِنْ سَقَطَتْ . فَلَا تَجِبُ . أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ : فَلِأَنَّ الْقِيَاسَ وَالْأَصْلَ : أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْمَالِ إذَا وُجِدَ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِعْسَارِ . فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَعْمَلُ إلَّا مَعَ مَا يُعَارِضُهَا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا . وَالْإِعْسَارُ إنَّمَا يُعَارِضُ وُجُوبَ الْإِخْرَاجِ فِي الْحَالِ ؛ لِاسْتِحَالَتِهِ ، أَوْ مَشَقَّتِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَى السَّبَبِ فِي وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ فِي الْحَالِ . أَمَّا تَرَتُّبُهُ فِي الذِّمَّةِ إلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ : فَلَا يُعَارِضُهُ الْإِعْسَارُ فِي وَقْتِ السَّبَبِ . فَالْقَوْلُ بِرَفْعِ مُقْتَضَى السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ : غَيْرُ سَائِغٍ . وَأَمَّا أَنَّهَا سَقَطَتْ بِمُقَارَنَةِ الْإِعْسَارِ : فَلِأَنَّهَا لَمْ تُؤَدَّ ، وَلَا أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ فِي الذِّمَّةِ . وَلَوْ تَرَتَّبَتْ لَأَعْلَمَهُ . وَجَوَابُ هَذَا : إمَّا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُقَارَنَةِ الْإِعْسَارِ . وَيُجِيبُ عَنْ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَإِمَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ بِالْمُلَازَمَةِ ، وَيَمْنَعَ كَوْنَ الْكَفَّارَةِ لَمْ تُؤَدَّ وَيُعْتَذَرُ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : بِأَنَّهَا لَمْ تُؤَدَّ ، وَيُعْتَذَرَ عَنْ السُّكُوتِ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ . وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الِاعْتِذَارَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفُوا فِي جِمَاعِ النَّاسِي ، هَلْ يَقْتَضِي الْكَفَّارَةَ ؟ وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ قَوْلَانِ . وَيَحْتَجُّ مَنْ يُوجِبُهَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَهَا عِنْدَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ بَيْنَ كَوْنِ الْجِمَاعِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ أَوْ النِّسْيَانِ ، وَالْحُكْمُ مِنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا وَرَدَ عَقِيبَ ذِكْرِ وَاقِعَةٍ مُحْتَمِلَةٍ لِأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةِ الْحُكْمِ ، مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ : يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ . وَجَوَابُهُ : أَنَّ حَالَةَ النِّسْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِمَاعِ ، وَمُحَاوَلَةِ مُقَدِّمَاتِهِ ، وَطُولِ زَمَانِهِ ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ : مِمَّا يَبْعُدُ جَرَيَانُهُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِفْصَالِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ " هَلَكْتُ " فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِتَعَمُّدِهِ ظَاهِرًا ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالتَّحْرِيمِ .

 

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَرَيَانِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ . أَعْنِي : الْعِتْقَ ، وَالصَّوْمَ ، وَالْإِطْعَامَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي كِتَابِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ " وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ غَيْرَ الْإِطْعَامِ " فَإِنْ أُخِذَ عَلَى ظَاهِرِهِ - مِنْ عَدَمِ جَرَيَانِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْمُفْطِرِ - فَهِيَ مُعْضِلَةٌ زَبَّاءُ ذَاتُ وَبَرٍ . لَا يُهْتَدَى إلَى تَوْجِيهِهَا ، مَعَ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَمَلَ هَذَا اللَّفْظَ . وَتَأَوَّلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي تَقْدِيمِ الْإِطْعَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْخِصَالِ وَذَكَرُوا وُجُوهًا فِي تَرْجِيحِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ : مِنْهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ رُخْصَةً لِلْقَادِرِ . وَنَسْخُ هَذَا الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْفَضِيلَةِ بِالذِّكْرِ وَالتَّعْيِينِ لِلْإِطْعَامِ ؛ لِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ : وَمِنْهَا : بَقَاءُ حُكْمِهِ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ لِلْعُذْرِ ، كَالْكِبَرِ وَالْحَمْلِ وَالْإِرْضَاعِ : وَمِنْهَا : جَرَيَانُ حُكْمِهِ فِي حَقِّ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ ، حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ . وَمِنْهَا : مُنَاسَبَةُ إيجَابِ الْإِطْعَامِ لِجَبْرِ فَوَاتِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ إمْسَاكٌ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . وَهَذِهِ الْوُجُوهُ لَا تُقَاوِمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالْعِتْقِ ، ثُمَّ بِالصَّوْمِ ، ثُمَّ بِالْإِطْعَامِ . فَإِنَّ هَذِهِ الْبُدَاءَةَ إنْ لَمْ تَقْتَضِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ اسْتِحْبَابَهُ . وَقَدْ وَافَقَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيبِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ . وَبَعْضُهُمْ قَالَ : إنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ . فَفِي وَقْتِ الشَّدَائِدِ تَكُونُ بِالْإِطْعَامِ . وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِفْطَارِ بِالْجِمَاعِ ، وَالْإِفْطَارِ بِغَيْرِهِ . وَجَعَلَ الْإِفْطَارَ بِغَيْرِهِ : يُكَفَّرُ بِالْإِطْعَامِ لَا غَيْرُ . وَهَذَا أَقْرَبُ فِي مُخَالَفَةِ النَّصِّ مِنْ الْأَوَّلِ .

 

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا ثَبَتَ جَرَيَانُ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ - أَعْنِي الْعِتْقَ وَالصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ - فَهَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ ، أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ : أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ . وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَاسْتُدِلَّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْوُجُوبِ بِالتَّرْتِيبِ فِي السُّؤَالِ ، وَقَوْلُهُ أَوَّلًا " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ " ثُمَّ رَتَّبَ الصَّوْمَ بَعْدَ الْعِتْقِ ، ثُمَّ الْإِطْعَامَ بَعْدَ الصَّوْمِ ، وَنَازَعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ظُهُورِ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ فِي السُّؤَالِ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ : إنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ وَجَعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ مَعَ التَّخْيِيرِ . وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي : مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَتَجِدُ شَاةً ؟ فَقَالَ : لَا . قَالَ : فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ } وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الشَّاةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ ، وَالتَّخْيِيرُ فِي الْفِدْيَةِ ثَابِتٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ .

 

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ " يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي الْكَفَّارَةِ ، لِأَجْلِ الْإِطْلَاقِ . وَمَنْ يَشْتَرِطُ الْإِيمَانَ : يُقَيِّدُ الْإِطْلَاقَ هَهُنَا بِالتَّقْيِيدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ السَّبَبَ إذَا اخْتَلَفَ وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ ، هَلْ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا قُيِّدَ ، فَهَلْ هُوَ بِالْقِيَاسِ أَمْ لَا ؟ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ . وَالْأَقْرَبُ : أَنَّهُ إنْ قُيِّدَ فَبِالْقِيَاسِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا " لَا إشْكَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ نَفَى الِاسْتِطَاعَةَ . وَعِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ يُنْتَقَلُ إلَى الصَّوْمِ . لَكِنْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ " وَهَلْ أَتَيْتُ إلَّا مِنْ الصَّوْمِ ؟ " فَاقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِ ، بِسَبَبِ شِدَّةِ الشَّبَقِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ فِي الصَّوْمِ عَنْ الْوِقَاعِ : فَنَشَأَ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ نَظَرٌ فِي أَنَّ هَذَا : هَلْ يَكُونُ عُذْرًا مُرَخِّصًا فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ ، أَعْنِي شَدِيدَ الشَّبَقِ ؟ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ .

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ " فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ " يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إطْعَامِ هَذَا الْعَدَدِ . وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَضَافَ " الْإِطْعَامَ " الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ " أَطْعَمَ " إلَى سِتِّينَ . وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقِّ مَنْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . الثَّانِي : أَنَّ الْقَوْلَ بِإِجْزَاءِ ذَلِكَ عَمَلٌ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ تَعُودُ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ وَقَدْ عُرِفَ مَا فِي ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .

 

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : " الْعَرَقُ " بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ مَعًا : الْمِكْتَلُ مِنْ الْخُوصِ . وَاحِدُهُ " عَرَقَةٌ " وَهِيَ ضَفِيرَةٌ تُجْمَعُ إلَى غَيْرِهَا . فَيَكُونُ مِكْتَلًا . وَقَدْ رُوِيَ " عَرْقٌ " بِإِسْكَانِ الرَّاءِ . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْعَرَقَ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ : أَنَّ إطْعَامَ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ . وَقَدْ صُرِفَتْ هَذِهِ الْخَمْسَةُ عَشَرَ صَاعًا إلَى سِتِّينَ مُدًّا . وَقِسْمَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى سِتِّينَ بِرُبْعٍ . فَلِكُلِّ مِسْكِينٍ رُبْعُ صَاعٍ . وَهُوَ مُدٌّ .

 

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : " اللَّابَةُ " الْحَرَّةُ . وَالْمَدِينَةُ تَكْتَنِفُهَا حَرَّتَانِ . وَالْحَرَّةُ حِجَارَةٌ سُودٌ . وَقِيلَ فِي ضَحِكِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِتَبَايُنِ حَالِ الْأَعْرَابِيِّ ، حَيْثُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ مُتَحَرِّقًا مُتَلَهِّفًا حَاكِمًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْهَلَاكِ . ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى طَلَبِ الطَّعَامِ لِنَفْسِهِ . وَقِيلَ : وَقَدْ يَكُونُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَوْسِعَتِهِ عَلَيْهِ ، وَإِطْعَامِهِ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ ، وَإِحْلَالِهِ لَهُ بَعْدَ أَنْ كُلِّفَ إخْرَاجَهُ . .

 

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " تَبَايَنَتْ الْمَذَاهِبُ فِيهِ . فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ : هُوَ دَلِيلٌ عَلَى إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْرِفَ كَفَّارَتَهُ إلَى أَهْلِهِ وَنَفْسِهِ . وَإِذَا تَعَذَّرَ أَنْ تَقَعَ كَفَّارَةٌ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ اسْتِقْرَارَ الْكَفَّارَةِ فِي ذِمَّتِهِ إلَى حِينِ الْيَسَارِ : لَزِمَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِسَبَبِ وُجُوبِهَا وَرُبَّمَا قُرِّرَ ذَلِكَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، حَيْثُ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِاسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ . وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، أَعْنِي سُقُوطَ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا الْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ . وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ : لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ . وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ . وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا . وَبَعْدَ الْقَوْلِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ فَهَهُنَا طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : مَنْعُ أَنْ لَا تَكُونَ الْكَفَّارَةُ أُخْرِجَتْ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " فَفِيهِ وُجُوهٌ : مِنْهَا : ادِّعَاءُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ ، أَيْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ صَدَقَةِ نَفْسِهِ لِفَقْرِهِ . فَسَوَّغَهَا لَهُ النَّبِيُّ . وَمِنْهَا : ادِّعَاءُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ . وَهَذَانِ ضَعِيفَانِ . إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَلَا عَلَى النَّسْخِ . وَمِنْهَا : أَنْ تَكُونَ صُرِفَتْ إلَى أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ عَاجِزٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِعُسْرِهِ . وَهُمْ فُقَرَاءُ أَيْضًا . فَجَازَ إعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ لَهُمْ . وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِمَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْفَقْرِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ . وَهَذَا لَا يَتِمُّ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى " كُلْهُ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " . وَمِنْهَا : مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيلَ : لَمَّا مَلَّكَهُ إيَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ جَازَ لَهُ أَكْلُهَا وَإِطْعَامُهَا أَهْلَهُ لِلْحَاجَةِ . وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ جُعِلَ عَامًّا فَلَيْسَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ . وَإِنْ جُعِلَ خَاصًّا فَهُوَ الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ أَوَّلًا . الطَّرِيقُ الثَّانِي : وَهُوَ - الْأَقْرَبُ - أَنْ يُجْعَلَ إعْطَاؤُهُ إيَّاهَا لَا عَنْ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ . وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً فِي الذِّمَّةِ لِمَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ . وَالسُّكُوتُ لِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ . فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مَعَ اسْتِقْرَارِ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ يَتَأَخَّرُ لِلْإِعْسَارِ ، وَلَا يَسْقُطُ ، لِلْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالنَّظَائِرِ ، أَوْ يُؤْخَذُ الِاسْتِقْرَارُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْ السُّكُوتِ . .

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَ : جُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مُفْسِدِ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، لِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذِكْرِهِ . وَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ أَجْزَأَهُ الشَّهْرَانِ . وَإِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِهِ قَضَى يَوْمًا . وَالصَّحِيحُ : وُجُوبُ الْقَضَاءِ . وَالسُّكُوتُ عَنْهُ لِتَقَرُّرِهِ وَظُهُورِهِ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - أَعْنِي الْقَضَاءَ - وَالْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ مَوْجُودٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَلِأَصْحَابِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ . وَهِيَ الْمَذَاهِبُ الَّتِي حَكَيْنَاهَا . وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الرَّجُلِ . فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَهُمْ ، إذْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ .

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَكَّنَتْ طَائِعَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ : هَلْ تَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا ؟ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْوُجُوبُ . وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ . الثَّانِي : عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا . وَاخْتِصَاصُ الزَّوْجِ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ . وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْ قَوْلَيْهِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ لَا تُلَاقِي الْمَرْأَةَ ، أَوْ هِيَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تَقُومُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ . وَاحْتَجَّ الَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ بِأُمُورٍ : مِنْهَا : مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ . فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذِكْرِهِ . وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعْلِمْ الْمَرْأَةَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا ، مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الْإِعْلَامِ . وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ . { وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ صَاحِبِ الْعَسِيفِ . فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا } . فَلَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ لَأَعْلَمَهَا النَّبِيُّ بِذَلِكَ ، كَمَا فِي حَدِيثِ أُنَيْسٍ . وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ أَجَابُوا بِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْحَاجَةَ إلَى إعْلَامِهَا . فَإِنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْكَفَّارَةِ . وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا . وَإِنَّمَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى إعْلَامِهَا إذَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ . وَثَانِيهَا : أَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ . يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ . وَلَا عُمُومَ لَهَا . وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ يَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ بِهَذَا الْوَطْءِ : إمَّا لِصِغَرِهَا ، أَوْ جُنُونِهَا ، أَوْ كُفْرِهَا ، أَوْ حَيْضِهَا ، أَوْ طَهَارَتِهَا مِنْ الْحَيْضِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ . وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ عِلْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْضِ امْرَأَةِ أَعْرَابِيٍّ لَمْ يَعْلَمْ عُسْرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِهِ مُسْتَحِيلٌ . وَأَمَّا الْعُذْرُ بِالصِّغَرِ وَالْجُنُونِ وَالْكُفْرِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَيْضِ : فَكُلُّهَا أَعْذَارٌ تُنَافِي التَّحْرِيمَ عَلَى الْمَرْأَةِ . وَيُنَافِيهَا قَوْلُهُ فِيمَا رَوَوْهُ " هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ " وَجَوْدَةُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَثَالِثُهَا : لَا نُسَلِّمُ بِعَدَمِ بَيَانِ الْحُكْمِ . فَإِنَّ بَيَانَهُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ بَيَانٌ لَهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ . لِاسْتِوَائِهِمَا فِي تَحْرِيمِ الْفِطْرِ ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ سَبَبَ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ هُوَ ذَاكَ . وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ : كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ . وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَذْكُرْ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ غَيْرَ الْأَعْرَابِيِّ ، لِعِلْمِهِمْ بِالِاسْتِوَاءِ فِي الْحُكْمِ . وَهَذَا وَجْهٌ قَوِيٌّ . وَإِنَّمَا حَاوَلُوا التَّعْلِيلَ عَلَيْهِ بِأَنْ بَيَّنُوا فِي الْمَرْأَةِ مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ بِسَبَبِهِ اخْتِلَافُ حُكْمِهَا مَعَ حُكْمِ الرَّجُلِ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ النَّاسِ . فَإِنَّهُ لَا مَعْنًى يُوجِبُ اخْتِلَافَ حُكْمِهِمْ مَعَ حُكْمِهِ . وَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَبْدُوهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ : هُوَ أَنَّ مُؤَنَ النِّكَاحِ لَازِمَةٌ لِلزَّوْجِ ، كَالْمَهْرِ وَثَمَنِ مَاءِ الْغُسْلِ عَنْ جِمَاعِهِ . فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ . وَأَيْضًا : فَجَعَلُوا الزَّوْجَ فِي الْوَطْءِ هُوَ الْفَاعِلُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ . وَالْمَرْأَةُ مَحِلٌّ . فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْحُكْمُ مُضَافٌ إلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ . فَيُقَالُ وَاطِئٌ وَمُوَاقِعٌ . وَلَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هَذَانِ بِقَوِيَّيْنِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ ، وَتَأْثَمُ بِهِ إثْمَ مُرْتَكِبِ الْكَبَائِرِ ، كَمَا فِي الرَّجُلِ . وَقَدْ أُضِيفَ اسْمُ الزِّنَا إلَيْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى . وَمَدَارُ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى .

 

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : دَلَّ الْحَدِيثُ بِنَصِّهِ عَلَى إيجَابِ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ . وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ : أَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ .

 

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِ هَذِهِ الْخِصَالِ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ . وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ : أَنَّهُ أَدْخَلَ الْبَدَنَةَ فِيهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّقَبَةِ وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ . وَقِيلَ : إنَّ سَعِيدًا أَنْكَرَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ . بَابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ .

 

185 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ - فَقَالَ : إنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ } .

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ . وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ . وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ صَوْمَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَمَنَعُوا الدَّلَالَةَ مِنْ حَيْثُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، مِنْ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهِ صَوْمَ رَمَضَانَ .

 

186 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ . وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ } .

وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ بِعَرْضِ كَوْنِهِ يُعَابُ عَلَى عَدَمِهِ ، بِقَوْلِهِ " فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ " وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ . وَأَمَّا الصَّوْمُ الْمُرْسَلُ : فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُعَابَ . وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِ هَذَا الْوَهْمِ فِيهِ .

 

 

187 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . فِي حَرٍّ شَدِيدٍ ، حَتَّى إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ . وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ } .

وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ وَقَعَ فِي رَمَضَانَ . وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ : صِحَّةُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ . وَالظَّاهِرِيَّةُ خَالَفَتْ فِيهِ - أَوْ بَعْضُهُمْ - بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِهِمْ لِلْإِضْمَارِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ .

 

188 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ . فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : صَائِمٌ . قَالَ : لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ } .

أُخِذَ مِنْ هَذَا : أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ ، مِمَّنْ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ، أَوْ يُؤَدِّي بِهِ إلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ الْقُرُبَاتِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " مُنَزَّلًا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَالظَّاهِرِيَّةُ الْمَانِعُونَ مِنْ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ يَقُولُونَ : إنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ . وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ . وَيَجِبُ أَنْ تَتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ دَلَالَةِ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ ، وَعَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ ، وَبَيْنَ مُجَرَّدِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ ، وَلَا تُجْرِيهِمَا مَجْرًى وَاحِدًا . فَإِنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى السَّبَبِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } بِسَبَبِ سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ . وَأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ بِالضَّرُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ . أَمَّا السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ : فَإِنَّهَا الدَّالَّةُ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ . وَهِيَ الْمُرْشِدَةُ إلَى بَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ ، وَتَعْيِينِ الْمُحْتَمَلَاتِ . فَاضْبُطْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ . فَإِنَّهَا مُفِيدَةٌ فِي مَوَاضِعَ لَا تُحْصَى . وَانْظُرْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ } مَعَ حِكَايَةِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ أَيِّ الْقَبِيلَتَيْنِ هُوَ ؟ فَنَزِّلْهُ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ { عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّكُ بِالرُّخْصَةِ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا . وَلَا تُتْرَكُ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ وَالتَّنَطُّعِ وَالتَّعَمُّقِ .

 

 

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ قَالَ : فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا : صَاحِبُ الْكِسَاءِ . وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ . قَالَ : فَسَقَطَ الصُّوَّامُ ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ . وَسَقَوْا الرِّكَابَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ . }

أَمَّا قَوْلُهُ " فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ " فَدَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ : تَقْرِيرُ النَّبِيِّ لِلصَّائِمِينَ عَلَى صَوْمِهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ " فَفِيهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ . قُدِّمَ أَوْلَاهَا وَأَقْوَاهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ " فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُرَادَ بِالْأَجْرِ أَجْرُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الَّتِي فَعَلُوهَا ، وَالْمَصَالِحُ الَّتِي جَرَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ . وَلَا يُرَادُ مُطْلَقُ الْأَجْرِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُمْ قَدْ بَلَغَ فِي الْكَثْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَجْرِ الصَّوْمِ مَبْلَغًا يَنْغَمِرُ فِيهِ أَجْرُ الصَّوْمِ فَتَحْصُلُ الْمُبَالَغَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ . وَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْأَجْرَ كُلَّهُ لِلْمُفْطِرِ . وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي إحْبَاطِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِبَعْضِ الْكَبَائِرِ ، وَأَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ الْعَمَلِ صَارَ مَغْمُورًا جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ عِقَابِ الْكَبِيرَةِ ، فَكَأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ الْمُحْبَطِ ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ هَهُنَا لَيْسَ مِنْ الْمُحْبِطَاتِ ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ : التَّشْبِيهُ فِي أَنَّ مَا قَلَّ جِدًّا قَدْ يُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ مُبَالَغَةً . وَهَذَا قَدْ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ ، وَأَعْمَالُ النَّاسِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ حَسَنَاتُ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِسَيِّئَاتِهِ ، وَيُجْعَلُ الْيَسِيرُ مِنْهَا جِدًّا كَالْمَعْدُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِحْسَانِ وَالْإِسَاءَةِ ، كَحِجَامَةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فِي دَفْعِ الْمَرَضِ الْأَعْظَمِ عَنْهُ . فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُحْسِنًا مُطْلَقًا . وَلَا يُعَدُّ مُسِيئًا بِالنِّسْبَةِ إلَى إيلَامِهِ بِالْحِجَامَةِ ، لِيَسَارَةِ ذَلِكَ الْأَلَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَفْعِ الْمَرَضِ الشَّدِيدِ .

 

 

190 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلَّا فِي شَعْبَانَ " .

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَنَّهُ مُوَسَّعُ الْوَقْتِ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ : أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ عَنْ شَعْبَانَ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ ثَانٍ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْإِطْعَامِ عَلَى مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ : فَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ هَذَا التَّأْخِيرَ كَانَ لِلشُّغْلِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

 

 

191 الْحَدِيثُ السَّابِعُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ " هَذَا فِي النَّذْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ " .

لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إخْرَاجِهِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُومُ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ ، وَذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ . وَالْجَدِيدُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ : عَدَمُ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ . وَالْحَدِيثُ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالنَّذْرِ ، كَمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . نَعَمْ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : مَا يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي الصَّوْمِ عَنْ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ بِصَوْمٍ . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ لِلتَّخْصِيصِ بِصُورَةِ النَّذْرِ . وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُعْتَبَرِ فِي الْوِلَايَةِ ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ ، أَهُوَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ ، أَوْ بِشَرْطِ الْعُصُوبَةِ ، أَوْ الْإِرْثِ ؟ وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ . وَقَالَ : لَا نَقْلَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ . وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ : وَأَنْتَ إذَا فَحَصْتَ عَنْ نَظَائِرِهِ ، وَجَدْتَ الْأَشْبَهَ : اعْتِبَارَ الْإِرْثِ . وَقَوْلُهُ " صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " قِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ إنْ أَرَادَ . هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ مِنْ مُصَنِّفِي الشَّافِعِيَّةِ . وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ . وَفِي هَذَا بَحْثٌ . وَهُوَ أَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ خَبَرٍ ، أَعْنِي " صَامَ " وَيَمْتَنِعُ الْحَمْلُ عَلَى ظَاهِرِهِ . فَيَنْصَرِفُ إلَى الْأَمْرِ . وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ الْمُعَيَّنَةِ . وَفِي " افْعَلْ " مَثَلًا ، أَوْ يَعُمُّهَا مَعَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا . وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ : أَنَّهُ لَا يَصُومُ عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ ، إمَّا لِأَجْلِ التَّخْصِيصِ ، مَعَ مُنَاسَبَةِ الْوِلَايَةِ لِذَلِكَ ، وَإِمَّا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ : عَدَمُ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ . فَلَا تَدْخُلُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ . وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ جَوَازِ النِّيَابَةِ : وَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ . وَيَجْرِي فِي الْبَاقِي عَلَى الْقِيَاسِ .

 

وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَوْ أَمَرَ الْوَلِيُّ أَجْنَبِيًّا أَنْ يَصُومَ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ جَازَ ، كَمَا فِي الْحَجِّ . فَلَوْ اسْتَقَلَّ بِهِ الْأَجْنَبِيُّ ، فَفِي إجْزَائِهِ وَجْهَانِ . أَظْهَرُهُمَا : الْمَنْعُ . وَأَمَّا إلْحَاقُ غَيْرِ الصَّوْمِ بِالصَّوْمِ : فَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْقِيَاسِ . وَلَيْسَ أَخْذُ الْحُكْمِ عَنْهُ مِنْ نَصِّ الْحَدِيثِ .

 

 

192 - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ . أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى . } وَفِي رِوَايَةٍ { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ . أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ } .

أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَدْ أَطْلَقَ فِيهِ الْقَوْلَ بِأَنَّ أُمَّ الرَّجُلِ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ . وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالنَّذْرِ . وَهُوَ يَقْتَضِي : أَنْ لَا يُتَخَصَّصَ جَوَازُ النِّيَابَةِ بِصَوْمِ النَّذْرِ . وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيَّةِ ، تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ ، خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَحْمَدُ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ ، بَعْدَ سُؤَالِ السَّائِلِ مُطْلَقًا عَنْ وَاقِعَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِيهَا عَنْ نَذْرٍ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ . فَخَرَجَ ذَلِكَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ . وَهُوَ أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا أَجَابَ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُقَيَّدٍ عَنْ سُؤَالٍ وَقَعَ عَنْ صُورَةٍ مُحْتَمَلَةٍ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهَا مُخْتَلِفًا : أَنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ شَامِلًا لِلصُّوَرِ كُلِّهَا . وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ " تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ قَضَايَا الْأَحْوَالِ ، مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ : مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ " وَقَدْ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِمِثْلِ هَذَا وَجَعَلَهَا كَالْعُمُومِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ قَضَاءَ الصَّوْمِ بِعِلَّةٍ عَامَّةٍ لِلنَّذْرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَيْهَا . وَقَاسَهُ عَلَى الدَّيْنِ . وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالنَّذْرِ - أَعْنِي كَوْنَهَا حَقًّا وَاجِبًا - وَالْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ . وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ فِي الشَّرِيعَةِ بِهَذَا ، مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاسَ وُجُوبَ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ حَقِّ الْعِبَادِ . وَجَعَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَحَقِّ . فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْقِيَاسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( ) { وَاتَّبِعُوهُ } لَا سِيَّمَا وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " أَرَأَيْتِ " إرْشَادٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ كَشَيْءٍ مُسْتَقِرٍّ فِي نَفْسِ الْمُخَاطَبِ وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " دَلَالَةٌ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا ، عِنْدَ تَزَاحُمِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ ، كَمَا إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَدَيْنُ الزَّكَاةِ . وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ الْوَفَاءِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ بِتَقْدِيمِ دَيْنِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : فَفِيهَا مَا فِي الْأُولَى مِنْ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِي الصَّوْمِ ، وَالْقِيَاسِ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ التَّخْصِيصُ فِيهَا بِالنَّذْرِ . فَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَرَى التَّخْصِيصَ بِصَوْمِ النَّذْرِ ، إمَّا بِأَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ . يُبَيَّنُ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : أَنَّ الْوَاقِعَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا وَاقِعَةُ نَذْرٍ . فَيَسْقُطُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ إذَا تَبَيَّنَ عَيْنُ الْوَاقِعَةِ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَبْعُدُ لِتَبَايُنٍ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . فَإِنَّ فِي إحْدَاهُمَا " أَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ " وَفِي الثَّانِيَةِ " أَنَّهُ امْرَأَةٌ " وَقَدْ قَرَرْنَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ : أَنَّهُ يُعْرَفُ كَوْنُ الْحَدِيثِ وَاحِدًا بِاتِّحَادِ سَنَدِهِ وَمَخْرَجِهِ ، وَتَقَارُبِ أَلْفَاظِهِ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ . فَيَبْقَى الْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِعُمُومِ الْعِلَّةِ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ مَعَنَا عُمُومًا . وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } فَيَكُونُ التَّنْصِيصُ عَلَى مَسْأَلَةِ صَوْمِ النَّذْرِ ، مَعَ ذَلِكَ الْعُمُومِ رَاجِعًا إلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ . وَهُوَ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى بَعْضِ صَوْمِ الْعَامِّ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ . وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ . وَقَدْ تَشَبَّثَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنْ يَقِيسَ الِاعْتِكَافَ وَالصَّلَاةَ عَلَى الصَّوْمِ فِي النِّيَابَةِ ، وَرُبَّمَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وَجْهًا فِي الصَّلَاةِ . فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِعُمُومِ هَذَا التَّعْلِيلِ .

 

 

193 - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ : عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ . }

تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الْغُرُوبِ : مُسْتَحَبٌّ بِاتِّفَاقٍ . وَدَلِيلُهُ هَذَا الْحَدِيثُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُتَشَيِّعَةِ ، الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ إلَى ظُهُورِ النَّجْمِ . وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي كَوْنِ النَّاسِ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَخَّرُوهُ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي فِعْلٍ خِلَافِ السُّنَّةِ . وَلَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا فَعَلُوا السُّنَّةَ .

 

194 - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا . وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا : فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ } .

الْإِقْبَالُ ، وَالْإِدْبَارُ " مُتَلَازِمَانِ . أَعْنِي : إقْبَالَ اللَّيْلِ وَإِدْبَارَ النَّهَارِ . وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَظْهَرَ لِلْعَيْنِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ . فَيُسْتَدَلُّ بِالظَّاهِرِ عَلَى الْخَفِيِّ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ مَا يَسْتُرُ الْبَصَرَ عَنْ إدْرَاكِ الْغُرُوبِ . وَكَانَ الْمَشْرِقُ بَارِزًا ظَاهِرًا فَيُسْتَدَلُّ بِطُلُوعِ اللَّيْلِ عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ : فَقَدْ حَلَّ لَهُ الْفِطْرُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ : فَقَدْ دَخَلَ فِي الْفِطْرِ . وَتَكُونُ الْفَائِدَةُ فِيهِ : أَنَّ اللَّيْلَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ . وَأَنَّهُ بِنَفْسِ دُخُولِهِ خَرَجَ الصَّائِمُ مِنْ الصَّوْمِ . وَتَكُونُ الْفَائِدَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : ذَكَرَ الْعَلَامَةَ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ جَوَازُ الْإِفْطَارِ . وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي : بَيَانُ امْتِنَاعِ الْوِصَالِ ، بِمَعْنَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ ، لَا بِمَعْنَى الْإِمْسَاكِ الْحِسِّيِّ فَإِنَّ مَنْ أَمْسَكَ حِسًّا فَهُوَ مُفْطِرٌ شَرْعًا . وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ : إبْطَالُ فَائِدَةِ الْوِصَالِ شَرْعًا . إذْ لَا يَحْصُلُ بِهِ ثَوَابُ الصَّوْمِ .

 

 

195 - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشْرَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ . قَالُوا : إنَّكَ تُوَاصِلُ . قَالَ : إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى } وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ . 196 - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ } . .

فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ الْوِصَالِ . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ . وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِعْلُهُ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَجَازَهُ إلَى السَّحَرِ ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ . وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ الْوِصَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ : مَا اتَّصَلَ بِالْيَوْمِ الثَّانِي . فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ " يَقْتَضِي تَسْمِيَتَهُ وِصَالًا . وَالنَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِالتَّعْرِيضِ بِصَوْمِ الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا كَانَ بِمَثَابَةِ الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَرَّضُ بِهِ الصَّوْمُ لِلْبُطْلَانِ وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ شَدِيدَةً . وَإِنْ كَانَ صَوْمَ نَفْلٍ : فَفِيهِ التَّعَرُّضُ لِإِبْطَالِ مَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَةِ . وَإِبْطَالُهَا : إمَّا مَمْنُوعٌ - عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ - وَإِمَّا مَكْرُوهٌ . وَكَيْفَمَا كَانَ : فَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مَوْجُودَةٌ ، إلَّا أَنَّهَا تَخْتَلِفُ رُتْبَتُهَا . فَإِنْ أَجَزْنَا الْإِفْطَارَ : كَانَتْ رُتْبَةُ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ أَخَفَّ مِنْ رُتْبَةِ الْكَرَاهَةِ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ قَطْعًا . وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَهَلْ يَكُونُ كَالْكَرَاهَةِ فِي تَعْرِيضِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : يَسْتَوِيَانِ . لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْوُجُوبِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَسْتَوِيَانِ ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، فَالْمَصَالِحُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ أَقْوَى وَأَرْجَحُ ؛ لِأَنَّهَا انْتَهَضَتْ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ . وَأَمَّا مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالنَّذْرِ - وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ - فَلَا يُسَاوِيهِ فِي مِقْدَارِ الْمَصْلَحَةِ . فَإِنَّ الْوُجُوبَ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ لِلْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ الْعَبْدُ لِلَّهِ تَعَالَى . وَأَنْ لَا يَدْخُلَ فِيمَنْ يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ . وَهَذَا بِمُفْرَدِهِ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِوَاءَ فِي الْمَصَالِحِ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا النَّظَرَ الثَّانِيَ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّذْرِ } مَعَ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ . فَلَوْ كَانَ مُطْلَقُ الْوُجُوبِ مِمَّا يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ الْمَنْذُورِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ : لَكَانَ فِعْلُ الطَّاعَةِ بَعْدَ النَّذْرِ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَ النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ { مَا تَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ } وَيُحْمَلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَحْثِ عَلَى أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ لَكَانَ النَّذْرُ وَسِيلَةً إلَى تَحْصِيلِ الْأَفْضَلِ . فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا ، وَهَذَا عَلَى إجْرَاءِ النَّهْيِ عَنْ النَّذْرِ عَلَى عُمُومِهِ .

 

 

بَابُ أَفْضَلِ الصِّيَامِ وَغَيْرِهِ 197 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَقُولُ : وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ قُلْتُهُ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . فَقَالَ : فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ . فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ . وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا . وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ . قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ . قُلْتُ : أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا . فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد . وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ . فَقُلْتُ : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . } وَفِي رِوَايَةٍ { لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي دَاوُد - شَطْرَ الدَّهْرِ - صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا } .

فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ الْأُولَى : " صَوْمُ الدَّهْرِ " ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى جَوَازِهِ . مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ . وَمَنَعَهُ الظَّاهِرِيَّةُ ، لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ } وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَتَأَوَّلَ مُخَالِفُوهُمْ هَذَا عَلَى مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، وَأَدْخَلَ فِيهِ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْ صَوْمِهَا ، كَيَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَكَأَنَّ هَذَا مُحَافَظَةٌ عَلَى حَقِيقَةِ صَوْمِ الْأَبَدِ . فَإِنَّ مَنْ صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ ، مَعَ غَيْرِهَا : هُوَ الصَّائِمُ لِلْأَبَدِ . وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهَا لَمْ يَصُمْ الْأَبَدَ ، إلَّا أَنَّ فِي هَذَا خُرُوجًا عَنْ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَهُوَ مَدْلُولُ لَفْظَةِ " صَامَ " فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ شَرْعًا . إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا حَقِيقَةُ الصَّوْمِ ، فَلَا يَحْصُلُ حَقِيقَةُ " صَامَ " شَرْعًا لِمَنْ أَمْسَكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ . فَإِنْ وَقَعَتْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حَقِيقَةِ لَفْظِ " الْأَبَدِ " فَقَدْ وَقَعَ الْإِخْلَالُ بِحَقِيقَةِ لَفْظِ " صَامَ " شَرْعًا ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الصَّوْمِ اللُّغَوِيِّ . وَإِذَا تَعَارَضَ مَدْلُولُ اللُّغَةِ وَمَدْلُولُ الشَّرْعِ فِي أَلْفَاظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ ، حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ . وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِصَوْمِ الْأَبَدِ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ " أَنَّ الْأَبَدَ " مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ " أَبَدٌ " فَإِذَا وَقَعَ الصَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، فَعِلَّةُ الْحُكْمِ : وُقُوعُ الصَّوْمِ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ . وَيَبْقَى تَرْتِيبُهُ عَلَى مُسَمَّى الْأَبَدِ غَيْرَ وَاقِعٍ . فَإِنَّهُ إذَا صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ تَعَلَّقَ بِهِ الذَّمُّ ، سَوَاءٌ صَامَ غَيْرَهَا أَوْ أَفْطَرَ وَلَا يَبْقَى مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ عَلَيْهِ صَوْمُ الْأَبَدِ ، بَلْ هُوَ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَوْمُ الْأَبَدِ يَلْزَمُ مِنْهُ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ : تَعَلَّقَ بِهِ الذَّمُّ ، لِتَعَلُّقِهِ بِلَازِمِهِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ . فَمِنْ هَهُنَا نَظَرَ الْمُتَأَوِّلُونَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ فَتَرَكُوا التَّعْلِيلَ بِخُصُوصِ صَوْمِ الْأَبَدِ .

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَرِهَ جَمَاعَةٌ قِيَامَ كُلِّ اللَّيْلِ . لِرَدِّ النَّبِيِّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَرَادَهُ ، وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْإِجْحَافِ بِوَظَائِفَ عَدِيدَةٍ وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ . وَلَعَلَّهُمْ حَمَلُوا الرَّدَّ عَلَى طَلَبِ الرِّفْقِ بِالْمُكَلَّفِ . وَهَذَا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْكَرَاهَةِ بِالرَّدِّ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ سُؤَالٌ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الرَّدَّ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ صِيَامُ النَّهَارِ ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ فَلَا يَلْزَمُ تَرَتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " إنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ " تُطْلِقُ عَدَمَ الِاسْتِطَاعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَعَذَّرِ مُطْلَقًا ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّاقِّ عَلَى الْفَاعِلِ . وَعَلَيْهِمَا ذُكِرَ الِاحْتِمَالُ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ ، حَتَّى أُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا يَشُقُّ . وَهُوَ الْأَقْرَبُ . فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ " مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْكَ ، عَلَى الْأَقْرَبِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ : إمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَبْلُغَ مِنْ الْعُمْرِ مَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ ذَلِكَ . وَعَلِمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرِيقٍ ، أَوْ فِي ذَلِكَ الْتِزَامٌ لِأَوْقَاتٍ تَقْتَضِي الْعَادَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا ، مَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ فِيهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ " مَعَ الْقِيَامِ بِبَقِيَّةِ الْمَصَالِحِ الْمَرْعِيَّةِ شَرْعًا .

 

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَعِلَّتُهُ مَذْكُورَةٌ فِي الْحَدِيثِ . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَعْيِينِهَا مِنْ الشَّهْرِ اخْتِلَافًا فِي تَعْيِينِ الْأَحَبِّ وَالْأَفْضَلِ لَا غَيْرُ . وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . فَأَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهِ . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ " مُؤَوَّلٌ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِثْلُ أَصْلِ صِيَامِ الدَّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَضْعِيفٍ لِلْحَسَنَاتِ . فَإِنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ الْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ . وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : أَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ لَا يَكُونُ كَالْمُحَقَّقِ ، وَأَنَّ الْأُجُورَ تَتَفَاوَتُ بِحَسْبِ تَفَاوُتِ الْمَصَالِحِ ، أَوْ الْمَشَقَّةِ فِي الْفِعْلِ . فَكَيْفَ يَسْتَوِي مَنْ فَعَلَ الشَّيْءَ بِمَنْ قُدِّرَ فِعْلُهُ لَهُ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قِيلَ : إنَّ الْمُرَادَ أَصْلُ الْفِعْلِ فِي التَّقْدِيرِ ، لَا الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّضْعِيفُ فِي التَّحْقِيقِ وَهَذَا الْبَحْثُ يَأْتِي فِي مَوَاضِعَ . وَلَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَوْضِعِ . وَمِنْ هَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَشِبْهِهِ عَلَى جَوَازِ صَوْمِ الدَّهْرِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ذِكْرٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي فِعْلِ هَذَا الصَّوْمِ . وَوَجْهُ التَّرْغِيبِ : أَنَّهُ مَثَّلَ بِصَوْمِ الدَّهْرِ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جِهَةُ التَّرْغِيبِ هِيَ جِهَةَ الذَّمِّ . وَسَبِيلُ الْجَوَابِ : أَنَّ الذَّمَّ - عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ - مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ ، وَوَجْهُ التَّرْغِيبِ هَهُنَا : حُصُولُ الثَّوَابِ عَلَى الْوَجْهِ التَّقْدِيرِيِّ . فَاخْتَلَفَتْ جِهَةُ التَّرْغِيبِ وَجِهَةُ الذَّمِّ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْتِنْبَاطُ الَّذِي ذُكِرَ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَكِنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ أَقْوَى مِنْهُ دَلَالَةً . وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَاجِبٌ ، وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا صَوْمَ الدَّهْرِ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى ذِي عَجْزٍ أَوْ مَشَقَّةٍ ، أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ ، مِنْ لُزُومِ تَعْطِيلِ مَصَالِحَ رَاجِحَةٍ عَلَى الصَّوْمِ ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٍ بِحَقِّ الْغَيْرِ كَالزَّوْجَةِ مَثَلًا . .

 

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صَوْمِ دَاوُد " وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ " ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي تَفْضِيلِ هَذَا الصَّوْمِ عَلَى صَوْمِ الْأَبَدِ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِخِلَافِ ذَلِكَ : نَظَرُوا إلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَتَى كَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْأَجْرُ أَوْفَرَ . هَذَا هُوَ الْأَصْلُ . فَاحْتَاجُوا إلَى تَأْوِيلِ هَذَا . وَقِيلَ فِيهِ : إنَّهُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِكَ ، أَيْ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّوْمِ الْأَكْثَرِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ . وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي : أَنْ يُجْرَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي تَفْضِيلِ صِيَامِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالسَّبَبُ فِيهِ : أَنَّ الْأَفْعَالَ مُتَعَارِضَةُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ . وَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَنَا وَلَا مُسْتَحْضَرًا ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ ، فَمِقْدَارُ تَأْثِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْحَثِّ وَالْمَنْعِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لَنَا . فَالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أَنْ نُفَوِّضَ الْأَمْرَ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ ، وَنَجْرِيَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ مَعَ قُوَّةِ الظَّاهِرِ هَهُنَا . وَأَمَّا زِيَادَةُ الْعَمَلِ وَاقْتِضَاءُ الْقَاعِدَةِ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ بِسَبَبِهِ : فَيُعَارِضُهُ اقْتِضَاءُ الْعَادَةِ وَالْجِبِلَّةِ لِلتَّقْصِيرِ فِي حُقُوقٍ يُعَارِضُهَا الصَّوْمُ الدَّائِمُ ، وَمَقَادِيرُ ذَلِكَ الْفَائِتِ مَعَ مَقَادِيرِ ذَلِكَ الْحَاصِلِ مِنْ الصَّوْمِ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَنَا . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُد " يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَوْقَهُ فِي الْفَضِيلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا .

 

 

198 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد . وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُد . كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ . وَيَنَامُ سُدُسَهُ . وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا . }

وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةُ قِيَامِ اللَّيْلِ . وَتَقْدِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ . وَنَوْمُ سُدُسِهِ الْأَخِيرِ : فِيهِ مَصْلَحَةُ الْإِبْقَاءِ عَلَى النَّفْسِ ، وَاسْتِقْبَالُ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَأَذْكَارُ أَوَّلِ النَّهَارِ بِالنَّشَاطِ . وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ مِنْ الْمُعَارِضِ : وَارِدٌ هُنَا . وَهُوَ أَنَّ زِيَادَةَ الْعَمَلِ تَقْتَضِي زِيَادَةَ الْفَضِيلَةِ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الصَّوْمِ مِنْ تَفْوِيضِ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ . وَمِنْ مَصَالِحِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقِيَامِ أَيْضًا : أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى عَدَمِ الرِّيَاءِ فِي الْأَعْمَالِ . فَإِنَّ مَنْ نَامَ السُّدُسَ الْأَخِيرَ : أَصْبَحَ جَامًّا غَيْرَ مَنْهُوكِ الْقُوَى . فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُخْفِيَ أَثَرَ عَمَلِهِ عَلَى مَنْ يَرَاهُ ، وَمَنْ يُخَالِفُ هَذَا يَجْعَلُ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " أَحَبَّ الصِّيَامِ " مَخْصُوصًا بِحَالَةٍ ، أَوْ بِفَاعِلٍ ، وَعُمْدَتُهُمْ : النَّظَرُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

 

 

199 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ } .

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالْقَصْدِ إلَى الْوَصِيَّةِ بِهَا ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَدْ وَرَدَتْ عِلَّتُهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ أَجْرِ الشَّهْرِ ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهِ ، وَرَأَى مَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ أَجْرٌ بِلَا تَضْعِيفٍ ، لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ صَوْمِ الشَّهْرِ تَقْدِيرًا ، وَبَيْنَ صَوْمِهِ تَحْقِيقًا . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَأَنَّهَا رَكْعَتَانِ ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَ الْأَقَلَّ الَّذِي تَوَجَّهَ التَّأْكِيدُ لِفِعْلِهِ ، وَعَدَمُ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهَا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ يَقُومُ بِدَلَالَةِ الْقَوْلِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ : أَنْ تَتَضَافَرَ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ ، نَعَمْ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَرَجَّحُ مَرْتَبَتُهُ عَلَى هَذَا ظَاهِرًا . وَأَمَّا النَّوْمُ عَنْ الْوِتْرِ : فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا كَلَامٌ فِي تَأْخِيرِ الْوِتْرِ وَتَقْدِيمِهِ ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالْقِيَامِ آخِرَ اللَّيْلِ ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَثِقْ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْوَصِيَّةُ مَخْصُوصَةً بِحَالِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي حَالِهِ .

 

 

200 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : { سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ } وَزَادَ مُسْلِمٌ " وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " .

النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِهِ مُفْرَدًا ، كَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَعَلَّ سَبَبَهُ : أَنْ لَا يُخَصَّ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ بِعِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، لِمَا فِي التَّخْصِيصِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ فِي تَخْصِيصِ السَّبْتِ بِالتَّجَرُّدِ عَنْ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا يَخُصُّونَ يَوْمَ السَّبْتِ بِخُصُوصِ الصَّوْمِ ، فَلَا يَقْوَى التَّشَبُّهُ بِهِمْ ، بَلْ تَرْكُ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَقْرَبُ إلَى التَّشَبُّهِ بِهِمْ ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ النَّهْيُ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ كَرَاهَتُهُ مِنْ قَاعِدَةِ كَرَاهَةِ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ ، وَمَنْ قَالَ : بِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّخْصِيصُ لِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ ، فَقَدْ أَبْطَلَ تَخْصِيصَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَلَعَلَّهُ يَنْضَمُّ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى : أَنَّ الْيَوْمَ لَمَّا كَانَ فَضِيلًا جِدًّا عَلَى الْأَيَّامِ ، وَهُوَ يَوْمُ عِيدِ هَذِهِ الْمِلَّةِ ، كَانَ الدَّاعِي إلَى صَوْمِهِ قَوِيًّا ، فَنَهَى عَنْهُ ، حِمَايَةً أَنْ يَتَتَابَعَ النَّاسُ فِي صَوْمِهِ ، فَيَحْصُلُ فِيهِ التَّشَبُّهُ أَوْ مَحْذُورُ إلْحَاقِ الْعَوَامّ إيَّاهُ بِالْوَاجِبَاتِ إذَا أُدِيمَ ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى صَوْمِهِ ، فَيُلْحِقُونَ بِالشَّرْعِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَأَجَازَ مَالِكٌ صَوْمَهُ مُفْرَدًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ .

 

 

201 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ } .

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُبَيِّنُ الْمُطْلَقَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَيُوَضِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ : أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْإِفْرَادُ بِالصَّوْمِ وَيَبْقَى النَّظَرُ : هَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهَذَا الْيَوْمِ ، أَمْ نُعَدِّيهِ إلَى قَصْدِ غَيْرِهِ بِالتَّخْصِيصِ بِالصَّوْمِ ؟ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَخْصِيصِهِ وَتَخْصِيصِ غَيْرِهِ بِأَنَّ الدَّاعِيَ هَهُنَا إلَى تَخْصِيصِهِ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ الْأُمَّةِ . فَالدَّاعِي إلَى حِمَايَةِ الذَّرِيعَةِ فِيهِ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ . فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ : يُمْكِنُ تَخْصِيصُ النَّهْيِ بِهِ وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ تَقْتَضِي عُمُومَ النَّهْيِ عَنْ التَّخْصِيصِ بِصَوْمِ غَيْرِهِ ، وَوَرَدَتْ دَلَائِلُ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِاسْتِحْبَابِ صَوْمِهِ بِعَيْنِهِ : لَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْعُمُومِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ عُمُومِ الْعِلَّةِ ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ قَدْ اُعْتُبِرَ فِيهَا وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ مَحِلِّ النَّهْيِ . وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ احْتِمَالُ الرَّفْعِ . فَلَا يُعَارِضُهُ مَا يُحْتَمَلُ فِيهِ التَّخْصِيصُ بِبَعْضِ أَوْصَافِ الْمَحَالِّ .

 

 

202 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ - قَالَ { : شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا : يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَالْيَوْمُ الْآخَرُ : تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ . }

مَدْلُولُهُ : الْمَنْعُ مِنْ صَوْمِ يَوْمَيْ الْعِيدِ . وَيَقْتَضِي ذَلِكَ عَدَمَ صِحَّةِ صَوْمِهِمَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الصِّحَّةِ مُخَالَفَةٌ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ . فَقَالُوا : إذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ : صَحَّ نَذْرُهُ . وَخَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِصَوْمِ ذَلِكَ . وَطَرِيقُهُمْ فِيهِ : أَنَّ الصَّوْمَ لَهُ جِهَةُ عُمُومٍ وَجِهَةُ خُصُوصٍ . فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوْمٌ : يَقَعُ الِامْتِثَالُ بِهِ . وَمَنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوْمُ عِيدٍ : يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ : يَحْصُلُ بِالْجِهَةِ الْأُولَى ، أَعْنِي كَوْنَهُ صَوْمًا . وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ : خِلَافُ ذَلِكَ . وَبُطْلَانُ النَّذْرِ ، وَعَدَمُ صِحَّةِ الصَّوْمِ : وَاَلَّذِي يُدَّعَى مِنْ الْجِهَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَلَازَمَ هَهُنَا . وَلَا انْفِكَاكَ . فَيَتَمَكَّنُ النَّهْيُ مِنْ هَذَا الصَّوْمِ . فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً . فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُ . بَيَانُهُ : أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ . وَالنَّاذِرُ لَهُ مُعَلِّقٌ لِنَذْرِهِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْيُ وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّتِهَا . فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّلَازُمُ بَيْنَ جِهَةِ الْعُمُومِ ، أَعْنِي كَوْنَهَا صَلَاةً وَبَيْنَ جِهَةِ الْخُصُوصِ أَعْنِي كَوْنَهَا حُصُولًا فِي مَكَان مَغْصُوبٍ ، وَأَعْنِي بِعَدَمِ التَّلَازُمِ هَهُنَا : عَدَمَهُ فِي الشَّرِيعَةِ . فَإِنَّ الشَّرْعَ وَجَّهَ الْأَمْرَ إلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ ، وَالنَّهْيَ إلَى مُطْلَقِ الْغَصْبِ . وَتَلَازُمُهُمَا وَاجْتِمَاعُهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ ، لَا فِي الشَّرِيعَةِ . فَلَمْ يَتَعَلَّقْ النَّهْيُ شَرْعًا بِهَذَا الْخُصُوصِ ، بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ خُصُوصِهِ . فَتَلَازَمَتْ جِهَةُ الْعُمُومِ وَجِهَةُ الْخُصُوصِ فِي الشَّرِيعَةِ . وَتَعَلَّقَ النَّهْيُ بِعَيْنِ مَا وَقَعَ فِي النَّذْرِ . فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً . وَتَكَلَّمَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي قَاعِدَةٍ تَقْتَضِي النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إمْكَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ : إذْ لَا يُقَالُ لِلْأَعْمَى : لَا تُبْصِرْ ، وَلِلْإِنْسَانِ : لَا تَطِرْ ، فَإِذًا هَذَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ - أَعْنِي صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ - مُمْكِنٌ ، وَإِذَا أَمْكَنَ ثَبَتَتْ الصِّحَّةُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ إنَّمَا تَعْتَمِدُ التَّصَوُّرَ ، وَالْإِمْكَانَ الْعَقْلِيَّ أَوْ الْعَادِيَّ ، وَالنَّهْيُ يَمْنَعُ التَّصَوُّرَ الشَّرْعِيَّ ، فَلَا يَتَعَارَضَانِ ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَصْرِفُ اللَّفْظَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْخَطِيبَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي خُطْبَتِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، كَذِكْرِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ إشْعَارٌ وَتَلْوِيحٌ بِأَنَّ عِلَّةَ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى : الْأَكْلُ مِنْ النُّسُكِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ النُّسُكِ ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْهَدْيِ وَالنُّسُكِ . وَأَجَازَ الْأَكْلَ إلَّا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى ، وَنَذْرِ الْمَسَاكِينِ ، وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ . وَجَعَلَ الْهَدْيَ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ . وَمَا وَجَبَ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .

 

 

203 - الْحَدِيثُ السَّابِعُ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ : الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ . وَعَنْ الصَّمَّاءِ ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ .

أَمَّا " صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ " فَقَدْ تَقَدَّمَ . وَأَمَّا " اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ " فَقَالَ عَبْدُ الْغَفَّارِ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِهِ تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ : أَنَّهُ يَشْتَمِلُ بِثَوْبٍ وَيَرْفَعُهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ ، فَيَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّكَشُّفِ ، وَظُهُورِ الْعَوْرَةِ . قَالَ : وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ " الصَّمَّاءِ " وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ فَيَسْتُرُ بِهِ جَمِيعَ جَسَدِهِ ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ فُرْجَةً ، يُخْرِجُ مِنْهَا يَدَهُ ، وَاللَّفْظُ مُطَابِقٌ لِهَذَا الْمَعْنَى . وَالنَّهْيُ عَنْهُ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَخَافُ مَعَهُ أَنْ يُدْفَعَ إلَى حَالَةٍ سَادَّةٍ لِمُتَنَفَّسِهِ . فَيَهْلِكُ غَمًّا تَحْتَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ إذَا تَخَلَّلَ بِهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاحْتِرَاسِ وَالِاحْتِرَازِ إنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ ، أَوْ نَابَهُ مُؤْذٍ . وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّقِيَهُ بِيَدَيْهِ ، لِإِدْخَالِهِ إيَّاهُمَا تَحْتَ الثَّوْبِ الَّذِي اشْتَمَلَ بِهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ . وَأَمَّا الِاحْتِبَاءُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ : فَيُخْشَى مِنْهُ تَكَشُّفُ الْعَوْرَةِ .

 

 

204 - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا } .

قَوْلُهُ " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " الْعُرْفُ الْأَكْثَرُ فِيهِ : اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَيْهِ : كَانَتْ الْفَضِيلَةُ لِاجْتِمَاعِ الْعِبَادَتَيْنِ - أَعْنِي عِبَادَةَ الصَّوْمِ وَالْجِهَادِ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ : طَاعَتُهُ كَيْفَ كَانَتْ . وَيُعَبَّرُ بِذَلِكَ عَنْ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ فِيهِ وَالْأَوَّلُ : أَقْرَبُ إلَى الْعُرْفِ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : جَعْلُ الْحَجِّ أَوْ سَفَرِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ وَضْعِيٌّ . " وَالْخَرِيفُ " يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ السَّنَةِ ، فَمَعْنَى " سَبْعِينَ خَرِيفًا " سَبْعُونَ سَنَةً . وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْخَرِيفِ عَنْ السَّنَةِ : مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّنَةَ لَا يَكُونُ فِيهَا إلَّا خَرِيفٌ وَاحِدٌ . فَإِذَا مَرَّ الْخَرِيفُ فَقَدْ مَضَتْ السَّنَةُ كُلُّهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَبَّرَ بِسَائِرِ الْفُصُولِ عَنْ الْعَامِ ، كَانَ سَائِغًا بِهَذَا الْمَعْنَى ، إذْ لَيْسَ فِي السَّنَةِ إلَّا رَبِيعٌ وَاحِدٌ وَصَيْفٌ وَاحِدٌ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَكِنَّ الْخَرِيفَ أَوْلَى بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ الْفَصْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ نِهَايَةُ مَا بَدَأَ فِي سَائِرِ الْفُصُولِ ؛ لِأَنَّ الْأَزْهَارَ تَبْدُو فِي الرَّبِيعِ ، وَالثِّمَارُ تَتَشَكَّلُ صُوَرُهَا فِي الصَّيْفِ وَفِيهِ يَبْدُو نُضْجُهَا ، وَوَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهَا أَكْلًا وَتَحْصِيلًا وَادِّخَارًا فِي الْخَرِيفِ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا ، فَكَانَ فَصْلُ الْخَرِيفِ أَوْلَى بِأَنْ يُعَبَّرَ بِهِ عَنْ السَّنَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

باب ليلة القدر

 

205 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ . فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } .

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الرُّؤْيَا ، وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّاتِ ، وَعَلَى مَا لَا يُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ مِنْ غَيْرِهَا . وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ، وَأَمَرَهُ بِأَمْرٍ : هَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؟ وَقِيلَ فِيهِ : إنَّ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْيَقَظَةِ أَوْ لَا . فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا عَمِلَ بِمَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ ؛ لِأَنَّا - وَإِنْ قُلْنَا : بِأَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْقُولِ مِنْ صِفَتِهِ ، فَرُؤْيَاهُ حَقٌّ - فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ . وَالْعَمَلُ بِأَرْجَحِهِمَا . وَمَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ فَهُوَ أَرْجَحُ . وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ : فَفِيهِ خِلَافٌ .

 

وَالِاسْتِنَادُ إلَى الرُّؤْيَا هَهُنَا : فِي أَمْرٍ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُهُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ السَّبْعُ الْأَوَاخِرُ لِسَبَبِ الْمَرَائِي الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ ، إنَّهُ اسْتِحْبَابٌ شَرْعِيٌّ : مَخْصُوصٌ بِالتَّأْكِيدِ ، بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ اللَّيَالِي ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُنَافٍ لِلْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الثَّابِتَةِ ، مِنْ اسْتِحْبَابِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَقَدْ قَالُوا : يُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ " لَيْلَةَ الْقَدْرِ " فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ . وَقَالُوا : لَوْ قَالَ فِي رَمَضَانَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ تَطْلُقْ ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا سَنَةٌ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا مَخْصُوصَةً بِرَمَضَانَ مَظْنُونٌ . وَصِحَّةُ النِّكَاحِ مَعْلُومَةٌ ، فَلَا تُزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ ، أَعْنِي بِيَقِينِ مُرُورِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، كَانَ إزَالَةُ النِّكَاحِ بِنَاءً عَلَى مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ . وَهُوَ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْأَحْكَامُ الْمُقْتَضِيَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ يَجُوزُ أَنْ تُبْنَى عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ ، وَيُرْفَعُ بِهَا النِّكَاحُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ أَوْ أَحْكَامِهِ : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ ، أَوْ أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ اتِّفَاقًا ، نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى دَلَالَةِ أَلْفَاظِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَمَرْتَبَتِهَا فِي الظُّهُورِ وَالِاحْتِمَالِ . فَإِنْ ضَعُفَتْ دَلَالَتُهَا ؛ فَلِمَا قِيلَ وَجْهٌ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ رَجَّحَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ غَيْرَ لَيْلَةِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ ، وَالثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ .

 

206 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ } .

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ قَبْلَهُ . مَعَ زِيَادَةِ الِاخْتِصَاصِ بِالْوِتْرِ مِنْ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ .

 

 

207 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ . فَاعْتَكَفَ عَامًا ، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ : مَنْ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ . ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا . فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ . فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ . وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ . فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ } .

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ رَجَّحَ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ فِي طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي اللَّيَالِي ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : كَانَتْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تَتَرَجَّحَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ مُطْلَقًا ، وَالْقَوْلُ بِتَنَقُّلِهَا حَسَنٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَحَثًّا عَلَى إحْيَاءِ جَمِيعِ تِلْكَ اللَّيَالِي . وَقَوْلُهُ " يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ " الْأَقْوَى فِيهِ : أَنْ يُقَالَ : " الْوُسُطُ " وَ " الْوُسَطُ " بِضَمِّ السِّينِ أَوْ فَتْحِهَا ، وَأَمَّا " الْأَوْسَطُ " فَكَأَنَّهُ تَسْمِيَةٌ لِمَجْمُوعِ تِلْكَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، وَإِنَّمَا رُجِّحَ الْأَوَّلُ : لِأَنَّ " الْعَشْرَ " اسْمٌ لِلَّيَالِيِ ، فَيَكُونُ وَصْفُهَا الصَّحِيحُ جَمْعًا لَائِقًا بِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِكَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْعَشْرِ كَانَ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . وَقَوْلُهُ " فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ " أَيْ قَطَرَ ، يُقَالُ : وَكَفَ الْبَيْتُ يَكِفُ وَكْفًا وَوُكُوفًا : إذَا قَطَرَ ، وَوَكَفَ الدَّمْعُ وَكِيفًا وَوَكَفَانًا : بِمَعْنَى قَطَرَ . وَقَدْ يَأْخُذُ مِنْ الْحَدِيثِ بَعْضُ النَّاسِ : أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْجِهَةِ بِالْمُصَلَّى فِي السُّجُودِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَهُوَ مَنْ يَقُولُ : إنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ - كَالطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ - صَحَّ ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّهُ إذَا سَجَدَ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ فَفِي السُّجُودِ الْأَوَّلِ : يَعْلَقُ الطِّينُ بِالْجَبْهَةِ ، فَإِذَا سَجَدَ السُّجُودَ الثَّانِيَ : كَانَ الطِّينُ الَّذِي عَلِقَ بِالْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ الْأَوَّلِ حَائِلًا فِي السُّجُودِ الثَّانِي عَنْ مُبَاشَرَةِ الْجَبْهَةِ بِالْأَرْضِ ، وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ احْتِمَالٌ لَأَنْ يَكُونَ مَسَحَ مَا عَلِقَ بِالْجَبْهَةِ أَوَّلًا قَبْلَ السُّجُودِ الثَّانِي . وَاَلَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ " وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ " وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ " يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ تَكَلَّمُوا فِيهَا ، وَهِيَ أَنَّ لَيْلَةَ الْيَوْمِ : هَلْ هِيَ السَّابِقَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، أَوْ الْآتِيَةُ بَعْدَهُ ، كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الظَّاهِرِيَّةُ ؟ .

 

باب الاعتكاف

208 الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ . } وَفِي لَفْظٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ } .

" الِاعْتِكَافُ " الِاحْتِبَاسُ وَاللُّزُومُ لِلشَّيْءِ كَيْفَ كَانَ وَفِي الشَّرْعِ : لُزُومُ الْمَسْجِدِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ مُطْلَقِ الِاعْتِكَافِ ، وَاسْتِحْبَابُهُ فِي رَمَضَانَ بِخُصُوصِهِ ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِخُصُوصِهَا ، وَفِيهِ تَأْكِيدُ هَذَا الِاسْتِحْبَابِ بِمَا أَشْعَرَ بِهِ اللَّفْظُ مِنْ الْمُدَاوَمَةِ ، وَبِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، مِنْ قَوْلِهَا " فِي كُلِّ رَمَضَانَ " وَبِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ أَزْوَاجِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ . وَقَوْلُهَا " فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ " الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ : دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَالدُّخُولُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يَقْتَضِي الدُّخُولَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَغَيْرُهُ أَقْوَى مِنْهُ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ ، وَلَكِنَّهُ أُوِّلَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ كَانَ مَوْجُودًا ، وَأَنَّ دُخُولَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِمُعْتَكَفِهِ ، لِلِانْفِرَادِ عَنْ النَّاسِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ بِهِمْ فِي الصَّلَاةِ ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ ابْتِدَاءَ دُخُولِ الْمُعْتَكَفِ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمُعْتَكَفِ هَهُنَا : الْمَوْضِعُ الَّذِي خَصَّهُ بِهَذَا ، أَوْ أَعَدَّهُ لَهُ ، كَمَا جَاءَ " أَنَّهُ اعْتَكَفَ فِي قِبْلَةٍ " وَكَمَا جَاءَ " أَنَّ أَزْوَاجَهُ ضَرَبْنَ أَخْبِيَةً " وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ " دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ " بِلَفْظِ الْمَاضِي . وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَصْدٌ لِذَلِكَ ، وَفِيهِ مُخَالَفَةُ الْعَادَةِ فِي الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ ، لَا سِيَّمَا النِّسَاءُ فَلَوْ جَازَ الِاعْتِكَافُ فِي الْبُيُوتِ : لِمَا خَالَفَ الْمُقْتَضَى ؛ لِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ فِي الْخُرُوجِ لِعَوَارِضِ الْخِلْقَةِ ، وَأَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَعَدَّتْهُ لِلصَّلَاةِ ، وَهَيَّأَتْهُ لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : إنَّ بَعْضَهُمْ أَلْحَقَ بِهَا الرَّجُلَ فِي ذَلِكَ .

 

209 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ . وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا : يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ . } وَفِي رِوَايَةٍ { وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ } . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " إنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ . فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ " .

" التَّرْجِيلُ " تَسْرِيحُ الشَّعْرِ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ بَدَنِ الْحَائِضِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ رَأْسِ الْمُعْتَكِفِ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يُبْطِلُ اعْتِكَافَهُ ، وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : أَنَّ خُرُوجَ بَعْضِ الْبَدَنِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي حَلَفَ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهُ لَا يُوجِبُ حِنْثَهُ ، وَكَذَلِكَ دُخُولُ بَعْضِ بَدَنِهِ ، إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُدْخِلَهُ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ امْتِنَاعَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ يُوَازِنُ تَعَلُّقَ الْحِنْثِ بِالْخُرُوجِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ فَخُرُوجُ بَعْضِ الْبَدَنِ : إنْ اقْتَضَى مُخَالَفَةَ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ ؛ اقْتَضَى مُخَالَفَتَهُ فِي الْآخَرِ ، وَحَيْثُ لَمْ يَقْتَضِ فِي أَحَدِهِمَا ، لَمْ يَقْتَضِ فِي الْآخَرِ ، لِاتِّحَادِ الْمَأْخَذِ فِيهِمَا ، وَكَذَلِكَ تُنْقَلُ هَذِهِ الْمَادَّةُ فِي الدُّخُولِ أَيْضًا ، بِأَنْ تَقُولَ : لَوْ كَانَ دُخُولُ الْبَعْضِ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِدُخُولِ الْكُلِّ : لَكَانَ خُرُوجُ الْبَعْضِ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِخُرُوجِ الْجُمْلَةِ ، لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ ثَمَّ ، فَلَا يَقْتَضِيهِ هُنَا . وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ : أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُعَلَّقٌ بِالْجُمْلَةِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ مُوجِبًا لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْكُلِّ أَوْ لَا - إلَى آخِرِهِ . وَقَوْلُهَا " وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ " كِنَايَةٌ عَمَّا يَضْطَرُّ إلَيْهِ مِنْ الْحَدَثِ . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلِاعْتِكَافِ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، وَالْمَسْجِدُ مَانِعٌ مِنْهُ . وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ - أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَيْهِ ، أَوْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ إلَيْهِ - فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ إلَيْهِ لِعُمُومِهِ . فَإِذَا ضُمَّ إلَى ذَلِكَ قَرِينَةُ الْحَاجَةِ إلَى الْخُرُوجِ لِكَثِيرٍ مِنْهُ ، أَوْ قِيَامِ الدَّاعِي الشَّرْعِيِّ فِي بَعْضِهِ ، كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَشَبَهِهِ . قَوِيَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَنْعِ . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ : جَوَازُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ عَلَى وَجْهِ الْمُرُورِ ، مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ . وَفِي لَفْظِهَا إشْعَارٌ بِعَدَمِ عِيَادَتِهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ .

 

210 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً } - وَفِي رِوَايَةٍ : { يَوْمًا - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . قَالَ فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ } وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً .

فِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ : أَحَدُهَا : لُزُومُ النَّذْرِ لِلْقُرْبَةِ . وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِعُمُومِهِ مَنْ يَقُولُ بِلُزُومِ الْوَفَاءِ بِكُلِّ مَنْذُورٍ .

 

وَثَانِيهَا : يُسْتَدَلُّ بِهِ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النَّذْرِ مِنْ الْكَافِرِ . وَهُوَ قَوْلٌ - أَوْ وَجْهٌ - فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَالْأَشْهَرُ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ قُرْبَةٌ ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ . وَمَنْ يَقُولُ بِهَذَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤَوِّلَ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِاعْتِكَافِ يَوْمٍ شَبِيهٍ بِمَا نَذَرَ ، لِئَلَّا يُخِلَّ بِعِبَادَةٍ نَوَى فِعْلَهَا . فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْذُورٌ لِشَبَهِهِ بِالْمَنْذُورِ ، وَقِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي فِعْلِ مَا نَوَاهُ مِنْ الطَّاعَةِ . وَعَلَى هَذَا : إمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " أَوْفِ بِنَذْرِكَ " مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ ، أَوْ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ . ظَاهِرُ الْحَدِيثِ خِلَافُهُ . فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُ الْكَافِرِ الِاعْتِكَافَ : اُحْتِيجَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَإِلَّا فَلَا . وَثَالِثُهَا : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ : هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاشْتِرَاطُهُ : مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَقَدْ أَوَّلَ مَنْ اشْتَرَطَ الصَّوْمَ قَوْلَهُ " لَيْلَةً " بِيَوْمٍ . فَإِنَّ اللَّيْلَةَ تَغْلِبُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى الْيَوْمِ . حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : صُمْنَا خَمْسًا . وَالْخَمْسُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّيَالِي . فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ عَلَى الْأَيَّامِ لَقِيلَ خَمْسَةٌ . وَأُطْلِقَتْ اللَّيَالِي وَأُرِيدَتْ الْأَيَّامُ . أَوْ يُقَالُ : الْمُرَادُ لَيْلَةٌ بِيَوْمِهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ : أَنَّهُ وَرَدَ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ " الْيَوْمِ " . .

 

 

211 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا . فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا . فَحَدَّثْتُهُ ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكُمَا . إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ . فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ . وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا - أَوْ قَالَ شَيْئًا } . وَفِي رِوَايَةٍ { أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً . ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ . فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا ، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ } ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ .

" صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ، مِنْ شَعْبِ بَنِي إسْرَائِيلَ ، مِنْ سِبْطِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . نُضَيْرِيَّةٌ . كَانَتْ عِنْدَ سَلَامٍ - بِتَخْفِيفِ اللَّامِ - ابْنِ مِشْكَمٍ . ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا كِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ . فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ . وَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ . وَتُوُفِّيَتْ فِي رَمَضَانَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَكِفَ . وَجَوَازِ التَّحَدُّثِ مَعَهُ . وَفِيهِ تَأْنِيسُ الزَّائِرِ بِالْمَشْيِ مَعَهُ ، لَا سِيَّمَا إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ كَاللَّيْلِ وَقَدْ تَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشَى مَعَهَا إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَطْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّحَرُّزِ مِمَّا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ نِسْبَةُ الْإِنْسَانِ إلَيْهِ ، مِمَّا لَا يَنْبَغِي . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّهُ لَوْ وَقَعَ بِبَالِهِمَا شَيْءٌ لَكَفَّرَا . وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ تَعْلِيمَ أُمَّتِهِ . وَهَذَا مُتَأَكَّدٌ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ ، وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِبُ ظَنَّ السُّوءِ بِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ مَخْلَصٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَسَبُّبٌ إلَى إبْطَالِ الِانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِمْ . وَقَدْ قَالُوا : إنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ الْحُكْمِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إذَا خَفِيَ عَلَيْهِ . وَهُوَ مِنْ بَابِ نَفْيِ التُّهْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ : عَلَى هُجُومِ خَوَاطِرِ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّفْسِ ؛ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى دَفْعِهِ : لَا يُؤَاخَذُ بِهِ . لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( ) { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْوَسْوَسَةِ الَّتِي يَتَعَاظَمُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا " ذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ " وَقَدْ فَسَّرُوهُ : بِأَنَّ التَّعَاظُمَ لِذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ . لَا الْوَسْوَسَةَ . كَيْفَمَا كَانَ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْوَسْوَسَةَ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا . نَعَمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي لَا يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَبَيْنَ مَا يَقَعُ شَكًّا : إشْكَالٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . 

انتهى كتاب الصيام ويليه كتاب الحج== 

    إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام  لابن دقيق العيد

كتاب الصلاة

باب المواقيت :

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إيَاسٍ - قَالَ : حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ { سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا . قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي } .

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخٍ هُذَلِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ . شَهِدَ بَدْرًا . يُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ . تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ . وَصَلَّى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ . وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ . وَكَانَ لَهُ يَوْمَ مَاتَ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً ، مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ . قَوْلُهُ " حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ يُكْتَفَى بِهَا عَنْ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ ، وَتَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ إذَا كَانَتْ مُعِينَةً لِلْمُشَارِ إلَيْهِ ، مُمَيَّزَةً عَنْ غَيْرِهِ . وَسُؤَالُهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ : طَلَبًا لِمَعْرِفَةِ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ مِنْهَا ، وَحِرْصًا عَلَى عِلْمِ الْأَصْلِ ، لِيَتَأَكَّدَ الْقَصْدُ إلَيْهِ ، وَتَشْتَدُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ . وَ " الْأَعْمَالُ " هَاهُنَا لَعَلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ . وَاحْتَرَزُوا بِذَلِكَ عَنْ عِبَادَةِ الْمَالِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا كَلَامٌ فِي الْعَمَلِ : هَلْ يَتَنَاوَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ ، أَمْ لَا ؟ فَإِذَا جَعَلْنَاهُ مَخْصُوصًا بِأَعْمَالِ الْبَدَنِ ، تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ . فَإِنَّ مِنْ عَمَلِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ ، كَالْإِيمَانِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ذِكْرُهُ مُصَرَّحًا بِهِ أَعْنِي الْإِيمَانَ - فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ : أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَعْمَالِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ ، وَأُرِيدَ بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَا يَخْتَصُّ بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ . وَقَوْلُهُ " الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا " لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ . وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ : الِاحْتِرَازُ عَمَّا إذَا وَقَعَتْ خَارِجَ الْوَقْتِ قَضَاءً . وَأَنَّهَا لَا تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " وَهُوَ أَقْرَبُ لَأَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ ، وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ . وَاَلَّذِي قِيلَ فِي هَذَا : إنَّهَا أَجْوِبَةٌ مَخْصُوصَةٌ لِسَائِلٍ مَخْصُوصٍ ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ . أَوْ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُرْشِدُ الْقَرَائِنُ إلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ . وَمِثَالُ ذَلِكَ : أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ؟ } وَفَسَّرَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى - عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِمْ ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي صِفَاتِهِمْ . وَلَوْ خُوطِبَ بِذَلِكَ الشُّجَاعُ الْبَاسِلُ الْمُتَأَهِّلُ لِلنَّفْعِ الْأَكْبَرِ فِي الْقِتَالِ لَقِيلَ لَهُ " الْجِهَادُ " وَلَوْ خُوطِبَ بِهِ مَنْ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْقِتَالِ وَلَا يَتَمَحَّضُ حَالُهُ لِصَلَاحِيَّةِ التَّبَتُّلِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَانَ غَنِيًّا يَنْتَفِعُ بِصَدَقَةِ مَالِهِ لَقِيلَ لَهُ " الصَّدَقَةُ " وَهَكَذَا فِي بَقِيَّةِ أَحْوَالِ النَّاسِ ، قَدْ يَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ هَذَا مُخَالِفًا لِلْأَفْضَلِ فِي حَقِّ ذَاكَ ، بِحَسَبِ تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ .

وَأَمَّا " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " فَقَدْ قُدِّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْجِهَادِ . وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَعْظِيمِهِ . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَذَاهُمَا بِغَيْرِ مَا يَجِبُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ . وَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْ الْبِرِّ فِي غَيْرِ هَذَا : فَفِي ضَبْطِهِ إشْكَالٌ كَبِيرٌ .

وَأَمَّا " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى " فَمَرْتَبَتُهُ فِي الدِّينِ عَظِيمَةٌ . وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ وَسَائِلٌ . فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ . مِنْهَا مَا هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ . وَمِنْهَا مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى غَيْرِهِ . وَفَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ . فَحَيْثُ تُعَظَّمُ فَضِيلَةُ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ تُعَظَّمُ فَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ . وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسِيلَةً إلَى إعْلَانِ الْإِيمَانِ وَنَشْرِهِ ، وَإِخْمَالِ الْكُفْرِ وَدَحْضِهِ كَانَتْ فَضِيلَةُ الْجِهَادِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ ذَلِكَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

 

45 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ ، مِنْ الْغَلَسِ } .

" الْمُرُوطُ " أَكْسِيَةٌ مُعْلَمَةٌ ، تَكُونُ مِنْ خَزٍّ . وَتَكُونُ مِنْ صُوفٍ وَ " مُتَلَفِّعَاتٍ " مُلْتَحِفَاتٍ ، و " الْغَلَسُ " اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرَى التَّغْلِيسَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَتَقْدِيمَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ مَا رُوِيَ مِنْ طُولِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . وَهَذَا . مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَرَأَى أَنَّ الْإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ { أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ } وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شُهُودِ النِّسَاءِ الْجَمَاعَةَ بِالْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِنَّ عُجُزًا أَوْ شَوَابَّ . وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْخُرُوجَ لِلشَّوَابِّ . وَقَوْلُهَا " مُتَلَفِّعَاتٍ " بِالْعَيْنِ ، وَيُرْوَى " مُتَلَفِّفَاتٍ " بِالْفَاءِ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ : إلَّا أَنَّ " التَّلَفُّعَ " يُسْتَعْمَلُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يَكُونُ الِالْتِفَاعُ إلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ : كَيْفَ تَرْجُونَ سُقُوطِي بَعْدَمَا لَفَعَ الرَّأْسَ بَيَاضٌ وَصَلَعٌ ؟ وَاللِّفَاعُ : مَا اُلْتُفِعَ بِهِ . وَاللِّحَافُ : مَا اُلْتُحِفَ بِهِ . وَقَدْ فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ " الْمُرُوطَ " بِكَوْنِهَا أَكْسِيَةً مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَتِهَا : أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ سَدَاهَا مِنْ شَعْرٍ . وَقِيلَ : إنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا . وَقَالُوا : إنَّ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ : عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلُ مِرْطٍ مُرَجَّلِ قَالُوا " الْمِرْطُ " هَاهُنَا مِنْ خَزٍّ . وَفَسَّرَ " الْغَلَسَ " بِأَنَّهُ اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ . وَ " الْغَلَسُ " وَالْغَبَشُ مُتَقَارِبَانِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْغَلَسَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ . وَقَدْ يَكُونُ الْغَبَشُ فِي آخِرِهِ وَأَوَّلِهِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ " الْغَبْسُ " بَالِغَيْنِ وَالْبَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - فَغَلَطٌ عِنْدَهُمْ .

 

46 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ . وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ } .

الْهَاجِرَةُ : هِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ بَعْدَ الزَّوَالِ . الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ فِي أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ . فَأَمَّا الظُّهْرُ : فَقَوْلُهُ " يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ " يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الْهَاجِرَةِ وَالْهَجِيرِ : إنَّهُمَا شِدَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّتُهُ . وَيُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا } وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ اسْمَ الْهَاجِرَةِ " عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا . فَإِنَّهُ قَدْ تَكُونُ فِيهِ الْهَاجِرَةُ فِي وَقْتٍ ، فَيُطْلَقُ عَلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ . وَفِيهِ بُعْدٌ . وَقَدْ يُقَرَّبُ بِمَا نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ : أَنَّ الْهَجِيرَ وَالْهَاجِرَةَ نِصْفُ النَّهَارِ . فَإِذَا أُخِذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ : كَانَ مُطْلَقًا عَلَى الْوَقْتِ .

وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ أَوْ سُنَّةٌ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي ذَلِكَ . فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ رُخْصَةٌ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَبْرِدُوا " أَمْرُ إبَاحَةٍ ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُهُ لَهَا فِي الْهَاجِرَةِ أَخْذًا بِالْأَشَقِّ وَالْأَوْلَى . أَوْ يَقُولُ مَنْ يَرَى أَنَّ الْإِبْرَادَ سُنَّةٌ : إنَّ التَّهْجِيرَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . وَفِي هَذَا بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " كَانَ " يُشْعِرُ بِالْكَثْرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ عُرْفًا .

وَقَوْلُهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْجِيلِهَا أَيْضًا ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مَا بَعْدَ الْقَامَتَيْنِ . وَقَوْلُهُ " وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ أَيْ الشَّمْسُ " . الْوُجُوبُ : السُّقُوطُ . وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُقُوطَ قُرْصِهَا يَدْخُلُ بِهِ الْوَقْتُ . وَالْأَمَاكِنُ تَخْتَلِفُ ، فَمَا كَانَ مِنْهَا فِيهِ حَائِلٌ بَيْنَ الرَّائِي وَبَيْنَ قُرْصِ الشَّمْسِ ، لَمْ يَكْتَفِ بِغَيْبُوبَةِ الْقُرْصِ عَنْ الْأَعْيُنِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى غُرُوبِهَا بِطُلُوعِ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ . قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا ، وَطَلَعَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا . فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ } أَوْ كَمَا قَالَ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَائِلٌ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : إنَّ الْوَقْتَ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَإِشْعَاعِهَا الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا . وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَقِيبَ الْغُرُوبِ . وَأُخِذَ مِنْهُ : أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي : أَنَّ الْوَقْتَ مُسْتَمِرٌّ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ .

وَأَمَّا الْعِشَاءُ : فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا . فَقَالَ قَوْمٌ : تَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ . وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ قَوْمٌ : تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ ، لِأَحَادِيثَ سَتَرِدُ فِي الْكِتَابِ . وَقَالَ قَوْمٌ : إنْ اجْتَمَعَتْ الْجَمَاعَةُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ . وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَمُسْتَنِدُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ . وَقَالَ قَوْمٌ : إنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ . فَفِي الشِّتَاءِ وَفِي رَمَضَانَ : تُؤَخَّرُ . وَفِي غَيْرِهِمَا : تُقَدَّمُ . وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ فِي الشِّتَاءِ لِطُولِ اللَّيْلِ ، وَكَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا . .

وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ تَكَلَّفُوا فِيهَا . وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ؟ حَتَّى إنَّهُ إذَا تَعَارَضَ فِي حَقِّ شَخْصٍ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ، أَوْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ أَيُّهَا أَفْضَلُ ؟ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي : أَنَّ التَّأْخِيرَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ " وَإِذَا أَبْطَئُوا أَخَّرَ " فَأَخَّرَ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ مَعَ إمْكَانِ التَّقْدِيمِ ؛ وَلِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ ، وَالتَّرْغِيبَ فِي فِعْلِهَا : مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَفَضِيلَةُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَرَدَتْ عَلَى جِهَةِ التَّرْغِيبِ فِي الْفَضِيلَةِ ، وَأَمَّا جَانِبُ التَّشْدِيدِ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ : فَلَمْ يَرِدْ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الرُّجْحَانِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . نَعَمْ إذَا صَحَّ لَفْظٌ يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَانَ مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَرَى عَلَى خِلَافِ هَذَا الْمَذْهَبِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي : أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " عَلَى وَقْتِهَا " لَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةُ الظُّهُورِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . .

وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ " الْغَلَسِ " وَأَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِالصُّبْحِ أَفْضَلُ . وَالْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لَهُ - وَهُوَ قَوْلُهُ { أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ . فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ } - قِيلَ فِيهِ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ : تَبَيُّنُ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَوُضُوحِهِ لِلرَّائِي يَقِينًا . وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ . فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّبْيِينِ وَالتَّيَقُّنِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ . فَلَا أَجْرَ فِيهَا . وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي بِلَفْظَةِ " أَفْعَلَ " فِيهِ : أَنَّ ثَمَّ أَجْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْمَلُ مِنْ الْآخَرِ . فَإِنَّ صِيغَةَ " أَفْعَلَ " تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَصْلِ ، مَعَ الرُّجْحَانِ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً . وَقَدْ تَرِدُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِي الْأَصْلِ قَلِيلًا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ . فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرَجَّحُ ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلًا بِالْعَمَلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ . .

 

47 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ { دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ؟ فَقَالَ : كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ . وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ . وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ . وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا . وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ . وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ } .

" أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ " اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ . وَالْأَشْهَرُ الْأَصَحُّ : نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ أَوْ نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَيُقَالُ : نَضْلَةُ بْنُ عَائِذٍ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِ وَسِتِّينَ . وَقِيلَ : مَاتَ بَعْدَ وِلَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ ، قَبْلَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ ، سَنَةَ سِتِّينَ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَةَ " كَانَ " تُشْعِرُ عُرْفًا بِالدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ ، كَمَا يُقَالُ : كَانَ فُلَانٌ يُكْرِمُ الضُّيُوفَ . وَكَانَ فُلَانٌ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ ، إذَا كَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ . وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي " الْمَكْتُوبَةِ " لِلِاسْتِغْرَاقِ . وَلِهَذَا أَجَابَ بِذِكْرِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ السَّائِلِ الْعُمُومَ . وَقَوْلُهُ " كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ " فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ، تَقْدِيرُهُ : كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْهَجِيرِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا قَبْلَ أَنَّ " الْهَجِيرَ وَالْهَاجِرَةَ " شِدَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّتِهِ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ " الْأُولَى " ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَوْلُهُ " حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ " بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ . وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا : زَوَالُهَا . وَاللَّفْظَةُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا . وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَ صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ . وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا تَحْصُلُ بِأَنْ يَقَعَ أَوَّلُ الصَّلَاةِ مَعَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، بِحَيْثُ تَكُونُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ . وَتَكُونُ الصَّلَاةُ وَاقِعَةً فِي أَوَّلِهِ . وَقَدْ يَتَمَسَّكُ هَذَا الْقَائِلُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . فَإِنَّهُ قَالَ " يُصَلِّي حِينَ تَزُولُ " فَظَاهِرُهُ : وُقُوعُ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ عِنْدَ الزَّوَالِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " يُصَلِّيَ " يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى " يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ " فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تُمَدُّ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى نِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ . فَإِنَّ النِّصْفَ السَّابِقَ مِنْ الشَّيْءِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَأَخِّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وَهُوَ الْأَعْدَلُ - إنَّهُ إذَا اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ عَقِيبَ دُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَسَعَى إلَى الْمَسْجِدِ ، وَانْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ - وَبِالْجُمْلَةِ : لَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ إلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ - فَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَيَشْهَدُ لِهَذَا : فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي هَذَا ، حَتَّى يُوقِعَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ . وَقَوْلُهُ " وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ " مَجَازٌ عَنْ بَقَاءِ بَيَاضِهَا ، وَعَدَمِ مُخَالَطَةِ الصُّفْرَةِ لَهَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ تَقْدِيمِهَا . وَقَوْلُهُ " وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ " يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظَةُ " مِنْ " مِنْ التَّبْعِيضِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوَقْتِ ، أَوْ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْوَقْتِ . وَقَوْلُهُ " الَّتِي تَدْعُونَهَا : الْعَتَمَةَ " اخْتِيَارٌ لِتَسْمِيَتِهَا بِالْعِشَاءِ ، كَمَا فِي لَفْظِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالْعَتَمَةِ مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَوَرَدَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ . وَلَعَلَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، أَوْ لَعَلَّ الْمَكْرُوهَ : أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهَا اسْمُ " الْعَتَمَةِ " بِحَيْثُ يَكُونُ اسْمُ " الْعِشَاءِ " لَهَا مَهْجُورًا ، أَوْ كَالْمَهْجُورِ . " وَكَرَاهِيَةُ النَّوْمِ قَبْلَهَا " لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا ، أَوْ لِتَأْخِيرِهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ . " وَكَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا " إمَّا : لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سَهَرٍ يُفْضِي إلَى النَّوْمِ عَنْ الصُّبْحِ ، أَوْ إلَى إيقَاعِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ . أَوْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ يَقَعُ فِيهِ مِنْ اللَّغَطِ وَاللَّغْوِ مَا لَا يَنْبَغِي خَتْمُ الْيَقِظَةِ بِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ هَاهُنَا : قَدْ يَخُصُّ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمُصْلِحَةِ الدِّينِ ، أَوْ إصْلَاحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ . فَقَدْ صَحَّ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ " وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ " بَابُ السَّمَرِ بِالْعِلْمِ " وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْحَدِيثِ فِيهِ مِنْ الْأَشْغَالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصْلَحَةُ الْإِنْسَانِ . وَقَوْلُهُ " وَكَانَ يَنْفَتِلُ . .. إلَخْ " دَلِيلٌ عَلَى التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ : فَإِنَّ ابْتِدَاءَ مَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِ لِجَلِيسِهِ يَكُونُ مَعَ بَقَاءِ الْغَبَشِ . وَقَوْلُهُ " وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ " أَيْ بِالسِّتِّينَ مِنْ الْآيَاتِ إلَى الْمِائَةِ مِنْهَا . وَفِي ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّقَدُّمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . لَا سِيَّمَا مَعَ تَرْتِيلِ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

 

48 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا ، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى - صَلَاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } . 49 - وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَصْرِ ، حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى - صَلَاةِ الْعَصْرِ - مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا ، أَوْ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا } .

فِيهِ بَحْثَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ . وَدَلِيلُهُمَا هَذَا الْحَدِيثُ ، مَعَ غَيْرِهِ . وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الْمَقْصُودِ . وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَمِيلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إلَى اخْتِيَارِ " صَلَاةِ الصُّبْحِ " وَاَلَّذِينَ اخْتَارُوا ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ . فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الْمُعَارَضَةِ . وَعُورِضَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَالَ { أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ : أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ، ثُمَّ قَالَتْ : إذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا ، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، صَلَاةِ الْعَصْرِ . وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ . ثُمَّ قَالَتْ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ قَالَ { كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَتْ : إذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا . فَأَمْلَتْ عَلَيَّ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } . وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ مِنْهُ : أَنَّهُ عَطَفَ " صَلَاةَ الْعَصْرِ " عَلَى " الصَّلَاةِ الْوُسْطَى " وَالْمَعْطُوفُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُتَغَايِرَانِ .

وَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ . وَهُوَ أَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ الْقُرْآنِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ - إذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا - فَهَلْ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَمَلِ بِهِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ . وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَمَلِ بِهِ . وَلِهَذَا أَوْجَبَ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ لِلْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ : خِلَافَ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِطَرِيقِ الْآحَادِ ، وَلَا إلَى إثْبَاتِ كَوْنِهِ خَبَرًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ . الثَّانِي : احْتِمَالُ اللَّفْظِ لِلتَّأْوِيلِ ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَالْعَطْفِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : إلَى الْمَلِكِ الْقَرَمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ، وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ فَقَدْ وُجِدَ الْعَطْفُ هَاهُنَا مَعَ اتِّحَادِ الشَّخْص . وَعَطْفُ الصِّفَاتِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَرُبَّمَا سَلَكَ بَعْضُ مَنْ رَجَّحَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ : طَرِيقَةً أُخْرَى وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ قَرِينَةُ قَوْله تَعَالَى { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } مِنْ كَوْنِهَا " الصُّبْحُ " الَّذِي فِيهِ الْقُنُوتُ . وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ " الْقُنُوتَ " لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ . يُطْلَقُ عَلَى الْقِيَامِ ، وَعَلَى السُّكُوتِ ، وَعَلَى الدُّعَاءِ ، وَعَلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى " الْقُنُوتِ " الَّذِي فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ يُعْطَفُ حُكْمٌ عَلَى حُكْمٍ ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا مَعًا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُخْتَصِمِينَ بِهِ . فَالْقَرِينَةُ ضَعِيفَةٌ . وَرُبَّمَا سَلَكُوا طَرِيقًا أُخْرَى . وَهُوَ إيرَادُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ أَمْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ . كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا } وَلِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ نِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ بِتَأَخُّرِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ . وَهَذَا مُعَارَضٌ بِالتَّأْكِيدَاتِ الْوَارِدَةِ فِي " صَلَاةِ الْعَصْرِ " كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } وَكَقَوْلِهِ { فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } وَقَدْ حُمِلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ . بَلْ نَزِيدُ ، فَنَقُولُ : قَدْ ثَبَتَ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَا نَعْلَمُهُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } . وَرُبَّمَا سَلَكَ مَنْ رَجَّحَ الصُّبْحَ طَرِيقَ الْمَعْنَى ، وَهُوَ أَنَّ تَخْصِيصَ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى بِالْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ . وَأَشَقُّ الصَّلَوَاتِ : صَلَاةُ الصُّبْحِ ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ أَلَذَّ النَّوْمِ إغْفَاءَةُ الْفَجْرِ . فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَحْثُوثُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا . وَهَذَا قَدْ يُعَارَضُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ بِمَشَقَّةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّهَا وَقْتُ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْمَعَاشِ وَالتَّكَسُّبِ ، وَلَوْ لَمْ يُعَارَضْ بِذَلِكَ لَكَانَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ ، مَعَ النَّصِّ عَلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ . وَلِلْفَضَائِلِ وَالْمَصَالِحِ مَرَاتِبُ لَا يُحِيطُ بِهَا الْبَشَرُ . فَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ فِيهَا . وَرُبَّمَا سَلَكَ الْمُخَالِفُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ مَسْلَكَ النَّظَرِ فِي كَوْنِهَا " وُسْطَى " مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ . وَهَذَا عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ " الْوُسْطَى " لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ . فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْفَضْلُ ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أَيْ عُدُولًا . الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَيِّنَ ابْتِدَاءً فِي الْعَدَدِ يَقَعُ بِسَبَبِهِ مَعْرِفَةَ الْوَسَطِ . وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ التَّعَارُضُ . فَمَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا " الصُّبْحُ " يَقُولُ : سَبَقَهَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ لَيْلًا . وَبَعْدَهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ نَهَارًا . فَكَانَتْ هِيَ الْوُسْطَى . وَمَنْ يَقُولُ " هِيَ الْمَغْرِبُ " يَقُولُ : سَبَقَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَتَأَخَّرَ الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ ، فَكَانَتْ الْمَغْرِبُ هِيَ وُسْطَى . وَيَتَرَجَّحُ هَذَا بِأَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَدْ سُمِّيَتْ الْأُولَى . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ : فَأَقْوَى مَا ذَكَرْنَاهُ : حَدِيثُ الْعَطْفِ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ . وَمَعَ ذَلِكَ : فَدَلَالَتُهُ قَاصِرَةٌ عَنْ هَذَا النَّصِّ الَّذِي اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهَا " الْعَصْرُ " وَالِاعْتِقَادُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : أَقْوَى مِنْ الِاعْتِقَادِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَدِيثِ الْعَطْفِ . وَالْوَاجِبُ عَلَى النَّاظِرِ الْمُحَقِّقِ : أَنْ يَزِنَ الظُّنُونَ ، وَيَعْمَلَ بِالْأَرْجَحِ مِنْهَا .

الْبَحْثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ " ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : فَصَلَّاهَا بَيْنَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَوَقْتِ الْعِشَاءِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : فَصَلَّاهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ : يَكُونُ الْحَدِيثُ دَالًا عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ غَيْرُ وَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ صَلَّاهَا - أَعْنِي الْعَصْرَ الْفَائِتَةَ - بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ الْحَاضِرَةِ . وَذَلِكَ لَا يَرَاهُ مَنْ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ ، إلَّا أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ يُرَجِّحُ هَذَا التَّقْدِيرَ - أَعْنِي قَوْلَنَا : بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ - عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ - أَعْنِي قَوْلَنَا : بَيْنَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَوَقْتِ الْعِشَاءِ - فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ تَمَّ الِاسْتِدْلَال ، وَإِلَّا وَقَعَ الْإِجْمَالُ . وَفِي هَذَا التَّرْجِيحِ - الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ - مَجَالٌ لِلنَّظَرِ عَلَى حَسِبَ قَوَاعِدِ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَيَانِ . وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِمَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ لِلتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالْعَصْرِ وَصَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ } وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ وَالتَّرْجِيحَاتِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . . وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي عَقِيبَ هَذَا الْحَدِيثِ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّ " الصَّلَاةَ الْوُسْطَى : صَلَاةُ الْعَصْرِ " أَيْضًا ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ . وَقَوْلُهُ فِيهِ " حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ، أَوْ اصْفَرَّتْ " وَقْتُ الِاصْفِرَارِ : وَقْتُ الْكَرَاهَةِ . وَيَكُونُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ خَارِجًا . وَلَا تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ . فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ : أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْآيَةُ نَزَلَتْ لَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْآيَةُ . وَقَوْلُهُ " حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ " قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، مِنْ صَلَاتِهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ الْحَبْسُ انْتَهَى إلَى هَذَا الْوَقْتِ . وَلَمْ تَقَعْ الصَّلَاةُ إلَّا بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْتَضٍ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَى مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ . .

وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ بِمِثْلِ هَذَا . وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ : فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِعَدَمِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى . فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ تَرَدَّدَ بَيْنَ قَوْلِهِ " مَلَأَ اللَّهُ " أَوْ " حَشَا اللَّهُ " وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ ، مَعَ تَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى . وَجَوَابُهُ : أَنَّ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتًا . فَإِنَّ قَوْلَهُ " حَشَا اللَّهُ " يَقْتَضِي مِنْ التَّرَاكُمِ وَكَثْرَةِ أَجْزَاءِ الْمَحْشُوِّ مَا لَا يَقْتَضِيه " مَلَأَ " وَقَدْ قِيلَ : إنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى : أَنْ يَكُونَ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفِينَ ، لَا يَنْقُصُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخِرِ . عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ جَوَّزْنَا بِالْمَعْنَى ، فَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ اللَّفْظِ أَوْلَى . فَقَدْ يَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ تَحَرَّى لِطَلَبِ الْأَفْضَلِ . .

 

50 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ . فَخَرَجَ عُمَرُ ، فَقَالَ : الصَّلَاةُ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ . رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ . فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لَأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ . } .

" عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو الْعَبَّاسِ ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَائِهِمْ . كَانَ يُقَالُ لَهُ " الْبَحْرُ " لَسِعَةِ عِلْمِهِ . مَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ . وَوُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ . وَفِي الْحَدِيثِ مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : يُقَالُ " عَتَمَ اللَّيْلُ " يَعْتِمُ - بِكَسْرِ التَّاءِ - إذَا أَظْلَمَ ، وَالْعَتَمَةُ : الظُّلْمَةُ وَقِيلَ : إنَّهَا اسْمٌ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ . نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيلِ . وَقَوْلُهُ " أَعْتَمَ " أَيْ دَخَلَ فِي الْعَتَمَةِ ، كَمَا يُقَالُ : أَصْبَحَ ، وَأَمْسَى ، وَأَظْهَرَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } - إلَى قَوْلِهِ - { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } . الثَّانِي : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَرَاهِيَةِ تَسْمِيَةِ " الْعِشَاءِ " بِالْعَتَمَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ . فَإِنَّ قَوْلَهُ " أَعْتَمَ " أَيْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْعَتَمَةِ . وَالْمُرَادُ : صَلَّى فِيهِ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَمَّى الْعِشَاءَ " عَتَمَةً " وَأَصَحُّ مِنْهُ : الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ } وَمِنْهُمْ مِنْ كَرِهَ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى صَلَاةُ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ . وَمُسْتَنَدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ، أَلَا وَإِنَّهَا الْعِشَاءُ . وَلَكِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ } أَيْ يُؤَخِّرُونَ حَلْبَهَا إلَى أَنْ يُظْلِمَ الظَّلَامُ . وَعَتَمَةُ اللَّيْلِ : ظُلْمَتُهُ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : صِيغَةُ النَّهْيِ . وَالثَّانِي : مَا فِي قَوْلِهِ " تَغْلِبَنَّكُمْ " فَإِنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا عَنْ هَذِهِ التَّمْسِيَةِ . فَإِنَّ النُّفُوسَ تَأْنَفُ مِنْ الْغَلَبَةِ . وَالثَّالِثُ : إضَافَةُ الصَّلَاةِ إلَيْهِمْ ، فِي قَوْلِهِ " عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ " فَإِنَّ فِيهِ زِيَادَةً . أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ قُلْنَا : لَا تُغْلَبَنَّ عَلَى مَالِكَ : كَانَ أَشَدَّ تَنْفِيرًا مِنْ قَوْلِنَا : لَا تُغْلَبَنَّ عَلَى مَالٍ ، أَوْ عَلَى الْمَالِ ؟ لِدَلَالَةِ الْإِضَافَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ . وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ : أَنْ تَجُوزَ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ ، وَيَكُونُ الْأَوْلَى تَرْكُهَا . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَوْلَى تَرْكَ الشَّيْءِ ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَكْرُوهًا . أَمَّا الْجَوَازُ : فَلَفْظُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا عَدَمُ الْأَوْلَوِيَّةِ : فَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُهُ " لَا أُحِبُّ " - أَقْرَبُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِهِ " وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لَهَا الْعَتَمَةُ " . أَوْ يَقُولُ : الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ الْغَلَبَةُ عَلَى الِاسْمِ . وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ دَائِمًا ، أَوْ أَكْثَرِيًّا . وَلَا يُنَاقِضُهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ قَلِيلًا . فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِهِ قَلِيلًا . أَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ } وَيَكُونُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَحْمُولًا عَلَى أَنْ تُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ غَالِبًا أَوْ دَائِمًا . .

الثَّالِثُ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى : تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي } ، أَوْ عَلَى النَّاسِ . .. إلَخْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَأْخِيرُهَا لَوْلَا الْمَشَقَّةُ .

الرَّابِعُ : قَدْ حَكَيْنَا أَنَّ " الْعَتَمَةَ " اسْمٌ لِثُلُثِ اللَّيْلِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ " أَعْتَمَ " عَلَى أَوَّلِ أَجْزَاءِ هَذَا الْوَقْتِ ، فَإِنَّ أَوَّلَ أَجْزَائِهِ : بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ . وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى آخِرِهِ ، أَوْ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ . فَيَكُونُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ ، وَسَبَبًا لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ " .

الْخَامِسُ : قَدْ كُنَّا قَدَّمْنَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } أَنَّهُ اُسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ . فَلَكَ أَنْ تَنْظُرَ : هَلْ يَتَسَاوَى هَذَا اللَّفْظُ مَعَ ذَلِكَ فِي الدَّلَالَةِ ، أَمْ لَا ؟ فَأَقُولُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا يَتَسَاوَى مُطْلَقًا . فَإِنَّ وَجْهَ الدَّلِيلِ ثَمَّ : أَنَّ كَلِمَةَ " لَوْلَا " تَدُلُّ عَلَى انْتِمَاءِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ . فَيَقْتَضِي ذَلِكَ انْتِفَاءَ الْأَمْرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ . وَالْأَمْرُ الْمُنْتَفَى لَيْسَ أَمْرَ الِاسْتِحْبَابِ ، لِثُبُوتِ الِاسْتِحْبَابِ فَيَكُونُ الْمُنْتَفِي ، هُوَ أَمْرُ الْوُجُوبِ . فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ . فَإِذَا اسْتَعْمَلْنَا هَذَا الدَّلِيلَ فِي هَذَا الْمَكَانِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْأَمْرَ الْمُنْتَفَى لَيْسَ أَمْرَ الِاسْتِحْبَابِ - لِثُبُوتِ الِاسْتِحْبَابِ - تَوَجَّهَ الْمَنْعُ هَاهُنَا ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ بِالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُضَمَّ إلَى الِاسْتِدْلَالِ : الدَّلَائِلُ الْخَارِجَةُ ، الدَّالَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الدَّلَائِلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّقْدِيمِ . وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً . وَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ . فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الضَّمِيمَةِ . السَّادِسُ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَنْبِيهِ الْأَكَابِرِ : إمَّا لِاحْتِمَالِ غَفْلَةٍ ، أَوْ لِاسْتِثَارَةِ فَائِدَةٍ مِنْهُمْ فِي التَّنْبِيهِ . لِقَوْلِ عُمَرَ " رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ " . السَّابِعُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ " رَاجَعَا إلَى مَنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ مِنْهُمْ ، لِقِلَّةِ احْتِمَالِهِمْ الْمَشَقَّةَ فِي السَّهَرِ . فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجَعَا إلَى مَنْ خَلَفَهُ الْمُصَلُّونَ فِي الْبُيُوتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ . وَيَكُونُ قَوْلُهُ " رَقَدَ النِّسَاءُ " إشْفَاقًا عَلَيْهِنَّ مِنْ طُولِ الِانْتِظَارِ .

 

51 - الْحَدِيثُ السَّابِعُ : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، وَحَضَرَ الْعَشَاءُ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ } . 52 - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ .

لَا يَنْبَغِي حَمْلُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ " فِي الصَّلَاةِ " عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ ، وَلَا عَلَى تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ . بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمَغْرِبِ . لِقَوْلِهِ { فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ } وَذَلِكَ يُخْرِجُ صَلَاةَ النَّهَارِ . وَيُبَيِّنُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ . وَيَبْقَى التَّرَدُّدُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . فَيَتَرَجَّحُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَغْرِبِ ، لِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { إذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا } وَهُوَ صَحِيحٌ . وَكَذَلِكَ أَيْضًا صَحَّ { فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ } وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَالظَّاهِرِيَّةُ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى الصَّلَاةِ . وَزَادُوا - فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ - فَقَالُوا : إنْ صَلَّى فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ . وَأَمَّا أَهْلُ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ : فَإِنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى ، وَفَهِمُوا : أَنَّ الْعِلَّةَ التَّشْوِيشُ ، لِأَجْلِ التَّشَوُّفِ إلَى الطَّعَامِ . وَقَدْ أَوْضَحَتْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . وَهِيَ قَوْلُهُ " وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ " فَتَتَبَّعُوا هَذَا الْمَعْنَى . فَحَيْثُ حَصَلَ التَّشَوُّفُ الْمُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ قَدَّمُوا الطَّعَامَ . وَاقْتَصَرُوا أَيْضًا عَلَى مِقْدَارِ مَا يَكْسِرُ سُورَةَ الْجُوعِ . وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ : يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا . وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُوَسَّعٌ . فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ التَّوْسِعَةِ فَصَحِيحٌ ، لَكِنْ لَيْسَ بِمَحِلِّ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ . وَإِنْ أُرِيدَ التَّوْسِعَةُ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ . فَفِي الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ ضَيَّقَ وَقْتَ الْمَغْرِبِ جَعَلَهُ مُقَدَّرًا بِزَمَانٍ يَدْخُلُ فِي مِقْدَارِ مَا يَتَنَاوَلُ لُقَيْمَاتٍ يَكْسِرُ بِهَا سُورَةَ الْجُوعِ . فَعَلَى هَذَا : لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مُوَسَّعًا إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ . عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ : أَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ . وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وَجْهِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ فِي كُلِّ حَالٍ . وَهَذَا صَحِيحٌ ، إنْ أُرِيدَ بِهِ : أَنَّ حُضُورَ الطَّعَامِ - مَعَ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ - عُذْرُ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ . لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ . وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ تَقْدِيمِ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ . فَإِنَّهُمَا لَمَّا تَزَاحَمَا قَدَّمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْوَسِيلَةَ إلَى حُضُورِ الْقَلْبِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَالْمُتَشَوِّقُونَ إلَى الْمَعْنَى أَيْضًا قَدْ لَا يَقْصِرُونَ الْحُكْمَ عَلَى حُضُورِ الطَّعَامِ . بَلْ يَقُولُونَ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَعْنَى . وَهُوَ التَّشَوُّفُ إلَى الطَّعَامِ . وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا : أَنَّ الطَّعَام إذَا لَمْ يَحْضُرْ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَيَسِّرَ الْحُضُورِ عَنْ قَرِيبٍ ، حَتَّى يَكُونَ كَالْحَاضِرِ أَوْ لَا ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ : فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَاضِرِ . وَإِنْ كَانَ الثَّانِي ، وَهُوَ مَا يَتَرَاخَى حُضُورُهُ : فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالْحَاضِرِ . فَإِنَّ حُضُورَ الطَّعَامِ يُوجِبُ زِيَادَةَ تَشَوُّفٍ وَتَطَلُّعٍ إلَيْهِ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ اعْتَبَرَهَا فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى الصَّلَاةِ . فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهَا مَا لَا يُسَاوِيهَا ، لِلْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ " إنَّ مَحَلَّ النَّصِّ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى وَصْفٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا لَمْ يُلْغَ " .

 

53 - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ } .

هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلُ فِي الْعُمُومِ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . أَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى لَفْظِ " الصَّلَاةِ " وَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُضُورِ الطَّعَامِ . " وَالْأَخْبَثَانِ " الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ . وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ . وَ " مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ " إمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ إلَى الْإِخْلَالِ بِرُكْنٍ ، أَوْ شَرْطٍ ، أَوْ لَا . فَإِنْ أَدَّى إلَى ذَلِكَ ، امْتَنَعَ دُخُولُ الصَّلَاةِ مَعَهُ . وَإِنْ دَخَلَ وَاخْتَلَّ الرُّكْنُ أَوْ الشَّرْطُ : فَسَدَتْ بِذَلِكَ الِاخْتِلَالِ . وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إلَى ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ . وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ ذَلِكَ مُؤَثِّرٌ فِي الصَّلَاةِ بِشَرْطِ شُغْلِهِ عَنْهُ ، وَقَالَ : يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدِهِ . وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَغَلَهُ ، حَتَّى إنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى . فَهُوَ الَّذِي يُعِيدُ قَبْلُ وَبَعْدُ ، وَأَمَّا إنْ شَغَلَهُ شُغْلًا خَفِيفًا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إقَامَةِ حُدُودِهَا ، وَصَلَّى ضَامًّا بَيْنَ وِرْكَيْهِ ، فَهُوَ الَّذِي يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَ بِهِ مَا لَا يَعْقِلُ بِهِ صَلَاتَهُ وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَهَا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ إنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِيهَا . وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ ، وَكَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ : فِيهِ بَعْضُ إجْمَالٍ . وَالتَّحْقِيقُ : مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوَّلًا ، أَنَّهُ إنْ مُنِعَ مِنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ : امْتَنَعَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ . وَفَسَدَتْ الصَّلَاةُ بِاخْتِلَالِ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، إنْ نُظِرَ إلَى الْمَعْنَى ، أَوْ مُمْتَنِعٌ إنْ نُظِرَ إلَى ظَاهِرِ النَّهْيِ . وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ " لَا يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى " أَوْ مَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ " إنَّ مَنْ بَلَغَ بِهِ مَا لَا يَعْقِلُ صَلَاتَهُ " فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ : الشَّكُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْكَانِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا السَّبَبِ . وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ : أَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ بِالْكُلِّيَّةِ : فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ خُشُوعٍ . وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ : أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ . وَقَوْلُ الْقَاضِي " وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَهَا " إنْ أُرِيدَ بِهِ : أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ : فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مُبَيِّنًا . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ : أَنَّهُ لَا يَسْتَحْضِرُهَا ، فَإِنْ أَوْقَعَ ذَلِكَ شَكًّا فِي فِعْلِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّاكِّ فِي الْإِتْيَانِ بِالرُّكْنِ ، أَوْ الْإِخْلَالِ بِالشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، مِنْ ذَهَابِ الْخُشُوعِ : فَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَيْضًا . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ : إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى إعَادَةِ الصَّلَاةِ . وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ الدُّخُولِ فِيهَا ، فَقَدْ يُقَالُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ تَذَكُّرِ إقَامَةِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا . وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ ، مِنْ امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ عَنْ مَقَرِّهَا يَجْعَلُهَا كَالْبَارِزَةِ ، وَيُوجِبُ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ ، وَتَحْرِيمَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، مِنْ غَيْرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ : فَهُوَ عِنْدِي بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثُ سَبَبٍ آخَرَ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، صَرِيحٍ فِيهِ . فَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّ السَّبَبَ مَا ذَكَرَهُ . وَإِنَّمَا غَايَتُهُ : أَنَّهُ مُنَاسِبٌ أَوْ مُحْتَمَلٌ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .

 

54 - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي : عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ } . الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ } .

فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : رَدٌّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْمُبَايَنَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَوْلُهُ { نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ } أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ " وَبَعْدَ الْعَصْرِ " أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَإِنَّ الْأَوْقَاتَ الْمَكْرُوهَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهَا : مَا تَتَعَلَّقُ الْكَرَاهَةُ فِيهِ بِالْفِعْلِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْفِعْلُ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ قَبْلَهُ . وَإِنْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كُرِهَتْ . وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ . وَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ . وَمِنْهَا : مَا تَتَعَلَّقُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ بِالْوَقْتِ ، كَطُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الِارْتِفَاعِ ، وَوَقْتِ الِاسْتِوَاءِ . وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ . فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالظَّاهِرِيَّةِ : فِيهِ خِلَافٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ . وَصِيغَةُ النَّفْيِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ فِي أَلْفَاظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ ، فَالْأَوْلَى : حَمْلُهَا عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ . لَا عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ الْوُجُودِيِّ . فَيَكُونُ قَوْلُهُ " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ " نَفْيًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَا الْحِسِّيَّةِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ : أَنَّ الشَّارِعَ يُطْلِقُ أَلْفَاظَهُ عَلَى عُرْفِهِ . وَهُوَ الشَّرْعِيُّ . وَأَيْضًا ، فَإِنَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ - وَهُوَ غَيْرُ مُنْتَفٍ - احْتَجْنَا إلَى إضْمَارٍ لِتَصْحِيحِ اللَّفْظِ . وَهُوَ الْمُسَمَّى بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ . وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ اللَّفْظَ يَكُونُ عَامًّا أَوْ مُجْمَلًا ، أَوْ ظَاهِرًا فِي بَعْضِ الْمَحَامِلِ . أَمَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ نَحْتَجْ إلَى إضْمَارٍ . فَكَانَ أَوْلَى . وَمِنْ هَذَا الْبَحْثِ يُطَّلَعُ عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } فَإِنَّك إذَا حَمَلْتَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَمْ تَحْتَجْ إلَى إضْمَارٍ . فَإِنَّهُ يَكُونُ نَفْيًا لِلنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ . وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْحِسِّيَّةِ - وَهِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ حِسًّا - احْتَجْتَ إلَى إضْمَارٍ . فَحِينَئِذٍ يُضْمِرُ بَعْضُهُمْ " الصِّحَّةَ " وَبَعْضُهُمْ " الْكَمَالَ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ سِنَانٍ . و " خُدْرَةُ " مِنْ الْأَنْصَارِ . فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ . فَإِنَّهُ مَدَّ الْكَرَاهَةَ إلَى ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الِارْتِفَاعِ عَنْ الْأُفُقِ ، بَلْ الِارْتِفَاعُ الَّذِي تَزُولُ عِنْدَهُ صُفْرَةُ الشَّمْسِ ، أَوْ حُمْرَتُهَا . وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ . وَقَوْلُهُ " لَا صَلَاةَ " فِي الْحَدِيثَيْنِ ، عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ . وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ بِالنَّوَافِلِ ، وَلَمْ يَقُولَا بِهِ فِي الْفَرَائِضِ الْفَوَائِتِ . وَأَبَاحَاهَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ . وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالِامْتِنَاعِ . وَهُوَ أَدْخَلُ فِي الْعُمُومِ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } وَكَوْنُهُ جَعَلَ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا . وَفِي رِوَايَةٍ " لَا وَقْتَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ " إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ . فَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ : خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ ، عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ . وَحَدِيثُ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ : خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ ، عَامٌّ فِي الْوَقْتِ . فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ . فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ ، وَكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالصُّنَابِحِيِّ . وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَمَّا " عَلِيٌّ فَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، أَبُو الْحَسَنِ وَاسْمُ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ : عَبْدُ مَنَافٍ . وَقِيلَ اسْمُهُ : كُنْيَتُهُ . وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذُو الْفَضَائِلِ الْجَمَّةِ الَّتِي لَا تَخْفَى . قِيلَ : أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ ، أَوْ عَشْرٍ ، أَوْ ثَمَانٍ . أَقْوَالٌ . وَقُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي رَمَضَانَ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ شَمْخٍ ، فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ . مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَهُوَ : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ الْعَدَوِيُّ . وَرِيَاحٌ فِي نَسَبِهِ : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ . وَرَزَاحُ : بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، بَعْدَهَا زَايٌ مَفْتُوحَةٌ . وَتُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : فَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ - وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ : أَبُو نُصَيْرٍ ، بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ - ابْنِ سَهْمٍ ، السَّهْمِيُّ . أَحَدُ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ . وَالْمُكْثِرِينَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قِيلَ : إنَّهُ مَاتَ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ ، وَكَانَتْ الْحَرَّةُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ . وَقِيلَ : مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ : غَيْرُهُ . وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ : فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ . وَأَمَّا سَمُرَةُ : فَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، أَوْ أَبُو سُلَيْمَانَ ، أَوْ أَبُو سَعِيدٍ - : سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ - بِضَمِّ الدَّالِ ، وَقَدْ يُقَالُ بِفَتْحِهَا - ابْنِ هِلَالٍ . فَزَارِيٌّ ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ . قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ . تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ . وَأَمَّا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ : فَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنُ الْأَكْوَعِ ، مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ الْأَكْوَعِ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . وَسَلَمَةُ أَسْلَمِيٌّ ، يُكَنَّى أَبَا مُسْلِمٍ . وَقِيلَ : أَبَا إيَاسٍ وَقِيلَ : أَبَا عَامِرٍ . أَحَدُ شُجْعَانِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ . مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً . وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : فَهُوَ أَبُو خَارِجَةَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ زَيْدِ أَنْصَارِيٌّ نَجَّارِيٌّ . وَقِيلَ : يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ . وَقِيلَ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ . يُقَالُ : إنَّهُ كَانَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ : ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً . وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ، مُتَقَدِّمًا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ . وَقِيلَ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ . وَقِيلَ : اثْنَتَيْنِ . وَقِيلَ : ثَلَاثٍ . وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ وَأَمَّا مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ : فَهُوَ مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ - فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : هُوَ مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنِ عَفْرَاءَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ . وَأَمَّا كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ : فَبَهْزِيٌّ ، سُلَمِيٌّ - فِيمَا قِيلَ - مَاتَ بِالشَّامِّ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُهُ . وَأَمَّا أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ : فَاسْمُهُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ، وَصُدَيُّ - بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الدَّالِ ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - مِنْ الْمُكْثِرِينَ فِي الرِّوَايَةِ . مَاتَ بِالشَّامِّ سَنَةَ إحْدَى وَثَمَانِينَ . وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ . وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالشَّامِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ : فَهُوَ أَبُو نَجِيحٍ . وَيُقَال : أَبُو شُعَيْبٍ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْبَاءِ مَعًا ، وَالْبَاءُ تَلِي الْعَيْنَ - ابْنِ عَامِرِ بْنِ خَالِدٍ ، سُلَمِيٌّ . لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا رُبْعُ الْإِسْلَامِ " ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَمْرِهَا . وَأَمَّا الصُّنَابِحِيُّ : فَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ ، مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ مِنْ الْيَمَنِ ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - كَانَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدَهُ . فَلَمَّا انْتَهَى إلَى الْجُحْفَةِ لَقِيَهُ الْخَبَرُ بِمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ فَاضِلًا .

 

56 - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا . قَالَ : فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا ، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ . ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ } .

حَدِيثُ عُمَرَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَبِّ الْمُشْرِكِينَ لِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ . لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ لَفْظَ السَّبِّ . فَيَنْبَغِي - مَعَ إطْلَاقِهِ - أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَيْسَ بِفُحْشٍ .

 

وَقَوْلُهُ " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ " يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ إذَا دَخَلَ عَلَى " كَادَ " تَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ فِي الْأَكْثَرِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا " قِيلَ : فِي هَذَا الْقَسَمِ إشْفَاقٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا ، وَتَحْقِيقُ هَذَا : أَنَّ الْقَسَمَ تَأْكِيدٌ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ . وَفِي هَذَا الْقَسَمِ إشْعَارٌ بِبُعْدِ وُقُوعِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُعْتَقَدُ وُقُوعُهُ . فَأَقْسَمَ عَلَى وُقُوعِهِ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ هَذَا التَّرْكِ . وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْإِشْفَاقِ مِنْهُ ، أَوْ مَا يُقَارِبُ هَذَا الْمَعْنَى . وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهِيَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ " مَا صَلَّيْنَا " خِلَافَ مَا يَتَوَهَّمُهُ قَوْمٌ مِنْ النَّاسِ . وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ لِشُغْلِهِ بِالْقِتَالِ ، كَمَا وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ . وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى } فَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ إلَى حَالَةِ الْأَمْنِ . وَالْفُقَهَاءُ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَصَلَاةِ الْخَوْفِ - فِيمَا قِيلَ : شُرِعَتْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ . وَهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ . وَهُوَ أَنَّ الشُّغْلَ إنْ أَوْجَبَ النِّسْيَانَ ، فَالتَّرْكُ لِلنِّسْيَانِ . وَرُبَّمَا اُدُّعِيَ الظُّهُورُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى النِّسْيَانِ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ الظَّاهِرُ : تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ لَفْظًا وَهُوَ الشُّغْلُ . وَقَوْلُهُ " فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ " اسْمُ مَوْضِعٍ ، يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَذَكَرَ غَيْرُهُمْ فِيهِ الْفَتْحَ فِي الْبَاءِ وَالْكَسْرَ فِي الطَّاءِ دُونَ الضَّمِّ .

وَقَوْلُهُ " فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا " قَدْ يُشْعِرُ بِصَلَاتِهِمْ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةً فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صَلَاةِ الْفَوَائِتِ جَمَاعَةً . وَقَوْلُهُ " فَصَلَّى الْعَصْرَ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ فِي الْقَضَاءِ . وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْفَوَائِتِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَهِيَ مَا دُونَ الْخَمْسِ ، وَفِي الْخَمْسِ خِلَافٌ . وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُطْلَقًا . فَإِذَا ضُمَّ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ الدَّلِيلُ عَلَى اتِّسَاعِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ : لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ . وَإِنْ ضُمَّ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ الدَّلِيلُ عَلَى تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ : كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ تَخْرُجْ الْحَاضِرَةُ عَنْ وَقْتِهَا ، لِفِعْلِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ . فَالدَّلَالَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حُكْمِ التَّرْتِيبِ : تَنْبَنِي عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِعْلَ لِلْوُجُوبِ .

 

باب فضل الجماعة ووجوبها

57 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . } .

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْفَذِّ ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ : أَنَّ لَفْظَةَ " أَفْعَلُ " تَقْتَضِي وُجُودَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَصْلِ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ فَضِيلَةٍ فِي صَلَاةِ الْفَذِّ وَمَا لَا يَصِحُّ فَلَا فَضِيلَةَ فِيهِ . وَلَا يُقَالُ : إنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ " أَفْعَلْ " مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِي الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ . وَأَمَّا التَّفَاضُلُ بِزِيَادَةِ عَدَدٍ فَيَقْتَضِي بَيَانًا . وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ جُزْءٌ مَعْدُودٌ يَزِيدُ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ أُخَرُ . كَمَا إذَا قُلْنَا : هَذَا الْعَدَدُ يَزِيدُ عَلَى ذَاكَ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ الْآحَادِ . فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ أَصْلِ الْعَدَدِ ، وَجُزْءٍ مَعْلُومٍ فِي الْآخَرِ ، وَمِثْلُ هَذَا . وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنْهُ : مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ ، أَوْ تُضَاعَفُ " فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ شَيْءٍ يُزَادُ عَلَيْهِ ، وَعَدَدٍ يُضَاعَفُ . نَعَمْ يُمْكِنُ مَنْ قَالَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْفَذِّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا تَصِحُّ - وَهُوَ دَاوُد عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ : التَّفَاضُلُ يَقَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَعْذُورِ فَذًّا وَالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ . وَلَيْسَ يَلْزَمُ إذَا وَجَدْنَا مَحْمَلًا صَحِيحًا لِلْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ " الْفَذَّ " مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ . فَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَضِيلَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ كُلِّ فَذٍّ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْفَذُّ الْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ . .

الثَّانِي : قَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّفْضِيلُ " بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً " وَفِي غَيْرِهِ التَّفْضِيلُ " بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا " فَقِيلَ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ : إنَّ الدَّرَجَةَ أَقَلُّ مِنْ الْجُزْءِ ، فَتَكُونُ الْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ جُزْءًا سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجَمَاعَاتِ ، وَأَوْصَافِ الصَّلَاةِ . فَمَا كَثُرَتْ فَضِيلَتُهُ عَظُمَ أَجْرُهُ . وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الصَّلَوَاتِ . فَمَا عَظُمَ فَضْلُهُ مِنْهَا عَظُمَ أَجْرُهُ . وَمَا نَقَصَ عَنْ غَيْرِهِ نَقَصَ أَجْرُهُ . ثُمَّ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ : الزِّيَادَةُ لِلصُّبْحِ وَالْعَصْرِ . وَقِيلَ : لِلصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ . وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ كَالْمَسْجِدِ مَعَ غَيْرِهِ . الثَّالِثُ : قَدْ وَقَعَ بَحْثٌ فِي أَنَّ هَذِهِ " الدَّرَجَاتِ " هَلْ هِيَ بِمَعْنَى الصَّلَوَاتِ ؟ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِمَثَابَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، أَوْ يُقَالُ : إنَّ لَفْظَ " الدَّرَجَةِ " وَ " الْجُزْءِ " لَا يَلْزَمُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ ؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ مَبْنِيًّا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَكَذَلِكَ لَفْظَةُ " تُضَاعَفُ " مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ .

الرَّابِعُ : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَسَاوِي الْجَمَاعَاتِ فِي الْفَضْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . قِيلَ : وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ : أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي الْفَضْلِ . وَتَقْرِيرُهُ : أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا دَلَّ عَلَى الْفَضْلِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ ، مَعَ امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ ، اقْتَضَى ذَلِكَ الِاسْتِوَاءَ فِي الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ . وَلَوْ قُرِّرَ هَذَا بِأَنْ يُقَالُ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى فَضِيلَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِالْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ ، فَتَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ جَمَاعَةٍ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا : الْجَمَاعَةُ الْكُبْرَى وَالْجَمَاعَةُ الصُّغْرَى . وَالتَّقْدِيرُ فِيهِمَا وَاحِدٌ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ - كَانَ لَهُ وَجْهٌ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : زِيَادَةُ الْفَضِيلَةِ بِزِيَادَةِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ حَدِيثٌ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد { صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ . وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ } الْحَدِيثُ . فَإِنْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَهُوَ مُعْتَمَدٌ .

 

58 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ، وَذَلِكَ : أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ . ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ ، وَحُطَّ عَنْهُ خَطِيئَةٌ . فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ } .

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا الثَّوَابُ الْمُقَدَّرُ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ . وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ . الْأُولَى : أَنَّ اللَّفْظَ - أَعْنِي قَوْلَهُ " وَذَلِكَ " - أَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ الْحُكْمِ السَّابِقِ . وَهَذَا ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ : وَذَلِكَ لِأَنَّهُ . وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلتَّعْلِيلِ . وَسِيَاقُ هَذَا اللَّفْظِ فِي نَظَائِرِ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي ذَلِكَ . الثَّانِيَةُ : أَنَّ مَحِلَّ الْحُكْمِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَوْجُودَةٌ فِيهِ . وَهَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا . لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي مَحِلِّ الْحُكْمِ لَكَانَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ . فَلَا يَحْصُلُ التَّعْلِيلُ بِهَا . الثَّالِثَةُ : أَنَّ مَا رُتِّبَ عَلَى مَجْمُوعٍ لَمْ يَلْزَمْ حُصُولُهُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إلْغَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ . فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ مُعْتَبَرًا . لَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى بَعْضِهِ . فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ : فَاللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِمُضَاعَفَةِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ . وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِاجْتِمَاعِ أُمُورٍ : مِنْهَا : الْوُضُوءُ فِي الْبَيْتِ ، وَالْإِحْسَانُ فِيهِ ، وَالْمَشْيُ إلَى الصَّلَاةِ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ . وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ . وَإِذَا عُلِّلَ هَذَا الْحُكْمُ بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَوْجُودًا فِي مَحِلِّ الْحُكْمِ . وَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مِنْهَا ، فَالْأَصْلُ : أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ بِدُونِهِ . فَمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَحْصُلْ فِي صَلَاتِهِ بَعْضُ هَذَا الْمَجْمُوعِ ، وَهُوَ الْمَشْيُ الَّذِي بِهِ تُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَاتُ وَتُحَطُّ عَنْهُ الْخَطِيئَاتُ . فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ : أَنْ لَا يَحْصُلَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمُضَاعَفَةِ لَهُ . لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ - أَعْنِي الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ ، مَعَ كَوْنِهِ رَافِعًا لِلدَّرَجَاتِ ، حَاطًّا لِلْخَطِيئَاتِ - لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ . وَهَذَا مُقْتَضَى الْقِيَاسِ فِي هَذَا اللَّفْظِ ، إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ - وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي تَرْتِيبَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مُطْلَقِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ - : يَقْتَضِي خِلَافَ مَا قُلْنَاهُ ، وَهُوَ حُصُولُ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الثَّوَابِ لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً فِي بَيْتِهِ . فَيَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي مَدْلُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَيْسَ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ فِي الْجَمَاعَةِ بِإِقَامَتِهَا فِي الْبُيُوتِ ، أَوْ مَعْنَى ذَلِكَ . وَلَعَلَّ هَذَا نَظَرًا إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

الْبَحْثُ الثَّانِي : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ : أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالِانْفِرَادِ . وَهَلْ يَحْصُلُ لِلْمُصَلِّي فِي الْبُيُوتِ جَمَاعَةً هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْمُضَاعَفَةِ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ : حُصُولُهُ . وَلَسْت أَعْنِي أَنَّهُ لَا تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ عَلَى الِانْفِرَادِ فِيهِ . فَإِنَّ ذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ . إنَّمَا النَّظَرُ : فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَفَاضَلُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ أَمْ لَا ؟ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ هَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْفَضِيلَةِ : عَدَمُ حُصُولِ مُطْلَقِ الْفَضِيلَةِ . وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ : هَلْ يَتَأَدَّى بِهَا الْمَطْلُوبُ ؟ فَعَنْ بَعْضِهِمْ : أَنَّهُ لَا يَكْفِي إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ فِي إقَامَةِ الْفَرْضِ ، أَعْنِي إذَا قُلْنَا : إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَكْفِي إذَا اشْتَهَرَ ، كَمَا إذَا صَلَّى صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي السُّوقِ مَثَلًا . وَالْأَوَّلُ عِنْدِي : أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إنَّمَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ الْمَسَاجِدِ . هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لَا يَتَأَتَّى إلْغَاؤُهُ . وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي صَدَّرْنَا بِهَا هَذَا الْبَحْثَ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ نَظَرٌ فِي أَنَّ إقَامَةَ الشِّعَارِ هَلْ تَتَأَدَّى بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي بَحَثْنَاهُ أَوَّلًا : هُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ هَلْ تَتَضَاعَفُ بِالْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ أَمْ لَا ؟

الْبَحْثُ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ } يَتَصَدَّى النَّظَرُ هُنَا : هَلْ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ جَمَاعَةً ، أَوْ تَفْضُلُ عَلَيْهَا مُنْفَرِدًا ؟ أَمَّا الْحَدِيثُ : فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ صَلَاتَهُ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى بِهَذَا الْقَدْرِ . لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ } مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ . لِأَنَّهُ قُوبِلَ بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ . وَلَوْ جَرَيْنَا عَلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ : لَمْ تَحْصُلْ الْمُقَابَلَةُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قِسْمُ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ . وَهُوَ بَاطِلٌ . وَإِذَا حُمِلَ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ " عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَةَ . وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ مِنْ جِهَةِ مَا وَرَدَ أَنَّ " الْأَسْوَاقَ مَوْضِعُ الشَّيَاطِينِ " فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهَا نَاقِصَةُ الرُّتْبَةِ ، كَالصَّلَاةِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَكْرُوهَةِ لِأَجْلِ الشَّيَاطِينِ ، كَالْحَمَّامِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ - وَإِنْ أَمْكَنَ فِي السُّوقِ - لَيْسَ يُطَّرَدُ فِي الْبَيْتِ . فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَسَاوَى فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ جَمَاعَةً مَعَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي السُّوقِ جَمَاعَةً ، فِي مِقْدَارِ الْفَضِيلَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ . فَإِنَّ الْأَصْلَ : أَنْ لَا يَتَسَاوَى مَا وُجِدَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مُعَيَّنَةٌ مَعَ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ . هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ . وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا يَقْتَضِيه السِّيَاقُ : أَنَّ الْمُرَادَ تَفْضِيلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ مُنْفَرِدًا : فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى مُنْفَرِدًا . وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِبْعَادِ تَسَاوِي صَلَاتِهِ فِي الْبَيْتِ مَعَ صَلَاتِهِ فِي السُّوقِ جَمَاعَةً فِيهِمَا ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ مَعْنَى السُّوقِ ، مَعَ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ . وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِنُقْصَانِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ . يَلْزَمُهُ تَسَاوِي مَا وُجِدَتْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ فِي مِقْدَارِ التَّفَاضُلِ . أَمَّا إذَا جَعَلْنَا التَّفَاضُلَ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاتِهَا فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ مُنْفَرِدًا ، فَوَصْفُ " السُّوقِ " هَاهُنَا مُلْغَى ، غَيْرُ مُعْتَبَرٍ . فَلَا يَلْزَمُ تَسَاوِي مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ مَعَ مَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ فِي مِقْدَارِ التَّفَاضُلِ . وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا : أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا السُّوقَ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ لِلصَّلَاةِ . وَبِهَذَا فَارَقَ الْحَمَّامَ الْمُسْتَشْهَدَ بِهَا .

الْبَحْثُ الرَّابِعُ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَوْصَافَ الَّتِي يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا لَا تُلْغَى . فَلْيُنْظَرْ الْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعْتَبَرًا مِنْهَا وَمَا لَا . أَمَّا وَصْفُ الرُّجُولِيَّةِ : فَحَيْثُ يُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ إلَى الْمَسْجِدِ ، يَنْبَغِي أَنْ تَتَسَاوَى مَعَ الرَّجُلِ ، لِأَنَّ وَصْفَ الرُّجُولِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثَوَابِ الْأَعْمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا . وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْبَيْتِ : فَوَصْفُ كَوْنِهِ فِي الْبَيْتِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي التَّعْلِيلِ . وَأَمَّا الْوُضُوءُ : فَمُعْتَبَرٌ لِلْمُنَاسِبَةِ ، لَكِنْ : هَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ طَاهِرًا ، أَوْ فِعْلُ الطَّهَارَةِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ ، لَكِنْ الْأَظْهَرُ : أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا تَوَضَّأَ " لَا يَتَقَيَّدُ بِالْفِعْلِ . وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَلَبَةِ ، أَوْ ضَرْبَ الْمِثَالِ . وَأَمَّا إحْسَانُ الْوُضُوءِ : فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ . وَبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِعْلُ الطَّهَارَةِ . لَكِنْ يَبْقَى مَا قُلْنَاهُ : مِنْ خُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، أَوْ ضَرْبَ الْمِثَالِ وَأَمَّا خُرُوجُهُ إلَى الصَّلَاةِ : فَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ لِأَجْلِهَا . وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { لَا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَّلَاةُ } وَهَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ . وَأَمَّا صَلَاتُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ : فَبِالضَّرُورَةِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا . فَإِنَّهَا مَحِلُّ الْحُكْمِ . الْبَحْثُ الْخَامِسُ : الْخُطْوَةُ - بِضَمِّ الْخَاءِ - مَا بَيْنَ قَدَمَيْ الْمَاشِي ، وَبِفَتْحِهَا : الْفَعْلَةُ . وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ مَفْتُوحَةٌ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ فِعْلُ الْمَاشِي .

 

59 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ : صَلَاةُ الْعِشَاءِ ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ . وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ ، ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ ، فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ } .

الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَثْقَلُ الصَّلَاةِ " مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ . لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا " وَقَوْلُهُ " وَلَقَدْ هَمَمْتُ - إلَى قَوْلِهِ - لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ " كُلُّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ : حُضُورُهُمْ إلَى جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ . الثَّانِي : إنَّمَا كَانَتْ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ . لِقُوَّةِ الدَّاعِي إلَى تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِيهِمَا ، وَقُوَّةِ الصَّارِفِ عَنْ الْحُضُورِ ، أَمَّا الْعِشَاءُ : فَلِأَنَّهَا وَقْتُ الْإِيوَاءِ إلَى الْبُيُوتِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْأَهْلِ ، وَاجْتِمَاعِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ، وَطَلَبِ الرَّاحَةِ مِنْ مَتَاعِبِ السَّعْيِ بِالنَّهَارِ . وَأَمَّا الصُّبْحُ : فَإِنَّهَا فِي وَقْتِ لَذَّةِ النَّوْمِ . فَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ فَفِي وَقْتِ شِدَّتِهِ ، لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِالشَّمْسِ ، لِطُولِ اللَّيْلِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ : فَهُوَ وَقْتُ الْبَرْدِ وَالرَّاحَةِ مِنْ أَثَرِ حَرِّ الشَّمْسِ لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِهَا . فَلَمَّا قَوِيَ الصَّارِفُ عَنْ الْفِعْلِ ثَقُلَتْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ . وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الْإِيمَانِ : فَهُوَ عَالِمٌ بِزِيَادَةِ الْأَجْرِ لِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأُمُورُ دَاعِيَةً لَهُ إلَى هَذَا الْفِعْلِ ، كَمَا كَانَتْ صَارِفَةً لِلْمُنَافِقِينَ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا " أَيْ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ " لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا " وَهَذَا كَمَا قُلْنَا : إنَّ هَذِهِ الْمَشَقَّاتِ تَكُونُ دَاعِيَةً لِلْمُؤْمِنِ إلَى الْفِعْلِ

الثَّالِثُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَقِيلَ : سُنَّةٌ . وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَقِيلَ : فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ . وَقِيلَ : فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ . قَدْ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ . فَقِيلَ : شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ دَاوُد . وَقِيلَ : إنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ : أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ . وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ . فَمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ : قَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ إنْ قِيلَ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَقَدْ كَانَ هَذَا الْفَرْضُ قَائِمًا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ . وَإِنْ قِيلَ : إنَّهَا سُنَّةٌ ، فَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ السُّنَنِ . فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا عَلَى وُجُوهٍ ، فَقِيلَ : إنَّ هَذَا فِي الْمُنَافِقِينَ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجِدَ عَظْمًا سَمِينًا ، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ } وَهَذِهِ لَيْسَتْ صِفَةَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا سِيَّمَا أَكَابِرُهُمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ . وَإِذَا كَانَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ : كَانَ التَّحْرِيقُ لِلنِّفَاقِ ، لَا لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذَا فِي الْمُؤْمِنِينَ . وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ : فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْرِضًا عَنْهُمْ ؛ عَالِمًا بِطَوِيَّاتِهِمْ . كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْهُمْ فِي التَّخَلُّفِ ، وَلَا عَاتَبَهُمْ مُعَاتَبَةَ كَعْبٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَقُولُ : هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ تَرْكُ مُعَاقَبَةِ الْمُنَافِقِينَ وَاجِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِهَذَا التَّحْرِيقِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَنَا أَنْ نَقُولَ : إنَّ تَرْكَ عِقَابِ الْمُنَافِقِينَ وَعِقَابُهُمْ كَانَ مُبَاحًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَيَّرًا فِيهِ . فَعَلَى هَذَا : لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُنَافِقِينَ ، لِجَوَازِ مُعَاقَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ، وَلَيْسَ فِي إعْرَاضِهِ عَنْهُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَلَعَلَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَمَا طُلِبَ مِنْهُ قَتْلُ بَعْضِهِمْ - " لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " يُشْعِرُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّخْيِيرِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ قَتْلِهِمْ لَكَانَ الْجَوَابُ بِذِكْرِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ . وَمِمَّا يَشْهَدُ لِمَنْ قَالَ " إنَّ ذَلِكَ فِي الْمُنَافِقِينَ " عِنْدِي : سِيَاقُ الْحَدِيثِ مِنْ أَوَّلِهِ . وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ " . وَجْهٌ آخَرُ فِي تَقْدِيرِ كَوْنِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ : أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ : هَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّحْرِيقِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَتَرْكُهُ التَّحْرِيقَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ هَذَا التَّرْكِ . فَإِذَا اجْتَمَعَ جَوَازُ التَّحْرِيقِ وَجَوَازُ تَرْكِهِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ . وَهَذَا الْمَجْمُوعُ لَا يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى . وَمِمَّا أُجِيبَ بِهِ عَنْ حُجَّةِ أَصْحَابِ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْيَانِ : مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى دَاوُد ، لَا لَهُ . لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ ، وَلَمْ يَفْعَلْ . وَلِأَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ . وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيَانِ . وَأَقُولُ : أَمَّا الْأَوَّلُ : فَضَعِيفٌ جِدًّا ، إنْ سَلَّمَ الْقَاضِي أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُؤْمِنِينَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَهُمُّ إلَّا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ . وَأَمَّا الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ " وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ " وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيَانِ - فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : الْبَيَانُ قَدْ يَكُونُ بِالتَّنْصِيصِ وَقَدْ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ ، وَلَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَقَدْ هَمَمْتُ " إلَى آخِرِهِ : دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ عَلَيْهِمْ لِلْجَمَاعَةِ . فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ فِي الْعِبَادَةِ كَانَ شَرْطًا فِيهَا غَالِبًا . كَانَ ذِكْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا الْهَمِّ دَلِيلًا عَلَى لَازِمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْحُضُورِ . وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ . فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذَا الْهَمِّ دَلِيلًا عَلَى لَازِمِهِ . وَهُوَ وُجُوبُ الْحُضُورِ . وَوُجُوبُ الْحُضُورِ دَلِيلًا عَلَى لَازِمِهِ ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْحُضُورِ . فَذِكْرُ هَذَا الْهَمِّ بَيَانٌ لِلِاشْتِرَاطِ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ نَصًّا ، كَمَا قُلْنَا . إلَّا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ هَذَا إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ مَا وَجَبَ فِي الْعِبَادَةِ كَانَ شَرْطًا فِيهَا ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ الْغَالِبُ . وَلَمَّا كَانَ الْوُجُوبُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ الشَّرْطِيَّةِ قَالَ أَحْمَدُ - فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ - إنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ ، غَيْرُ شَرْطٍ . وَمِمَّا أُجِيبَ بِهِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْمُوجِبِينَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ : أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي هَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا . فَقِيلَ : الْعِشَاءُ . وَقِيلَ : الْجُمُعَةُ . وَقَدْ وَرَدَتْ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُفَسَّرَةً فِي الْحَدِيثِ . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " الْعِشَاءُ ، أَوْ الْفَجْرُ " فَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْجُمُعَةُ - وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهَا - لَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ ، وَهَذَا يَحْتَاجُ أَنْ يُنْظَرَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي بُيِّنَتْ فِيهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ : أَهِيَ الْجُمُعَةُ ، أَوْ الْعِشَاءُ ، أَوْ الْفَجْرُ ؟ فَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً ، قِيلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا . وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الطُّرُقُ ، فَقَدْ يَتِمُّ هَذَا الْجَوَابُ ، إنْ عُدِمَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ بَعْضِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ وَبَعْضٍ ، وَعُدِمَ إمْكَانُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَذْكُورًا . فَتَرْكُ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَعْضَهُ ظَاهِرًا ، بِأَنْ يُقَالُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ . أَعْنِي الْجُمُعَةَ ، أَوْ الْعِشَاءَ - مَثَلًا - فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْجُمُعَةُ : لَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعِشَاءُ : يَتِمُّ . وَإِذَا تَرَدَّدَ الْحَالُ وَقَفَ الِاسْتِدْلَال . وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ هُنَا : أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ بِالتَّحْرِيقِ إذَا وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ - وَهِيَ الْعِشَاءُ ، أَوْ الْجُمُعَةُ ، أَوْ الْفَجْرُ - فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ . فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ : أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ ، وَتَرْكِ اتِّبَاعِ الْمَعْنَى . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ } عَلَى عُمُومِ الصَّلَاةِ . فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى اعْتِبَارِ لَفْظِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَسِيَاقِهِ ، وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . فَيُحْمَلُ لَفْظُ " الصَّلَاةِ " عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ التَّحْقِيقُ وَطَلَبُ الْحَقِّ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّابِعُ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " وَلَقَدْ هَمَمْتُ . .. " إلَخْ . أُخِذَ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ . وَسِرُّهُ : أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ بِالْأَهْوَنِ مِنْ الزَّوَاجِرِ اُكْتُفِيَ بِهِ مِنْ الْأَعْلَى .

60 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعُهَا . قَالَ : فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ . قَالَ : فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا ، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ ، وَقَالَ : أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ : وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ ؟ } وَفِي لَفْظٍ { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ } .

الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمَنْعِ لِلنِّسَاءِ عَنْ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ } يُشْعِرُ أَيْضًا بِطَلَبِهِنَّ لِلْخُرُوجِ فَإِنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى . وَيَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إبَاحَتُهُ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَنْهَ الرِّجَالَ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْهُ . وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي النِّسَاءِ ، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ وَحَالَاتٍ : مِنْهَا : أَنْ لَا يَتَطَيَّبْنَ . وَهَذَا الشَّرْطُ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ . فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ } وَفِي بَعْضِهَا { إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا } وَفِي بَعْضِهَا { إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ } فَأَلْحَقَ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ . فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وَشَهْوَتِهِمْ . وَرُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا . فَمَا أَوْجَبَ هَذَا الْمَعْنَى الْتَحَقَ بِهِ . وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ } وَيَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا : حُسْنُ الْمَلَابِسِ ، وَلُبْسُ الْحُلِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الزِّينَةِ . وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الصَّحِيحِ " لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ : لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ " عَلَى هَذَا ، تَعْنِي إحْدَاثَ حُسْنِ الْمَلَابِسِ وَالطِّيبِ وَالزِّينَةِ . وَمِمَّا خَصَّ بِهِ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ : أَنَّ مَنْعَ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ . وَمِمَّا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِمَّا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ : أَنْ يَكُونَ بِاللَّيْلِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى . فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ { لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ } فَالتَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ قَدْ يُشْعِرُ بِمَا قَالَ . وَمِمَّا قِيلَ أَيْضًا فِي تَخْصِيصِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنْ لَا يُزَاحِمْنَ الرِّجَالَ . وَبِالْجُمْلَةِ : فَمَدَارُ هَذَا كُلِّهِ النَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى . فَمَا اقْتَضَاهُ الْمَعْنَى مِنْ الْمَنْعِ جُعِلَ خَارِجًا عَنْ الْحَدِيثِ . وَخُصَّ الْعُمُومُ بِهِ . وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ . وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ وَقَعَ عَلَى بَعْضِ مَا اقْتَضَاهُ التَّخْصِيصُ ، وَهُوَ عَدَمُ الطِّيبِ . وَقِيلَ : إنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ . وَهَذَا إنْ أُخِذَ مِنْ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ جَوَازَ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ ، فَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ : بِأَنَّ هَذَا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِاللَّقَبِ . وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا : إنَّ مَنْعَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مَشْهُورٌ مُعْتَادٌ . وَقَدْ قُرِّرُوا عَلَيْهِ . وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْجَوَازِ ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ الْمَعْلُومِ . فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْمَنْعِ . وَعَلَى هَذَا : فَلَا يَكُونُ مَنْعُ الرَّجُلِ لِخُرُوجِ امْرَأَتِهِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ مَأْخُوذًا مِنْ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ فَقَطْ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ } مُنَاسَبَةً تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ . أَعْنِي كَوْنَهُنَّ " إمَاءَ اللَّهِ " بِالنِّسْبَةِ إلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ . وَلِهَذَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِإِمَاءِ اللَّهِ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنِّسَاءِ لَوْ قِيلَ . وَإِذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْجَوَازِ ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى الْحُكْمُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ . وَالْمُرَادُ بِالِانْتِفَاءِ هَا هَاهُنَا : انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ ، أَيْ لِلصَّلَاةِ . وَأُخِذَ مِنْ إنْكَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى وَلَدِهِ وَسَبِّهِ إيَّاهُ : تَأْدِيبُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ . الْعَامِلِ بِهَوَاهُ ، وَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ ، وَتَأْدِيبُ الْعَالِمِ مَنْ يَتَعَلَّمُ عِنْدَهُ إذَا تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي . وَقَوْلُهُ " فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . وَفِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ : وَاقِدٌ " وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبْنَاءٌ . مِنْهُمْ بِلَالٌ . وَمِنْهُمْ وَاقِدٌ .

 

61 - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ . } وَفِي لَفْظِ " فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ : فَفِي بَيْتِهِ " . وَفِي لَفْظٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ " حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ . وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا } .

هَذَا الْحَدِيثُ : يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْعَدَدُ مِنْهَا . وَفِي تَقْدِيمِ السُّنَنِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا : مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ . أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ : فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا . فَتَتَكَيَّفُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِكَ بِحَالَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالْخُشُوعِ فِيهَا ، الَّذِي هُوَ رُوحُهَا . فَإِذَا قُدِّمَتْ السُّنَنُ عَلَى الْفَرِيضَةِ تَأَنَّسَتْ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تَقْرُبُ مِنْ الْخُشُوعِ . فَيَدْخُلُ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَمْ تَكُنْ تَحْصُلُ لَهُ لَوْ لَمْ تُقَدَّمْ السُّنَّةُ . فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّكَيُّفِ بِمَا هِيَ فِيهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَثُرَ أَوْ طَالَ . وَوُرُودُ الْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِمَا قَبْلَهَا قَدْ يَمْحُو أَثَرَ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ أَوْ يُضْعِفُهُ . وَأَمَّا السُّنَنُ الْمُتَأَخِّرَةُ : فَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ . فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ خَلَلًا فِيهِ إنْ وَقَعَ .

وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ فِعْلًا وَقَوْلًا . وَاخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الِاخْتِيَارِ لِتِلْكَ الْأَعْدَادِ وَالرَّوَاتِبِ . وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ : وَإِنَّمَا يُوَقِّتُ فِي هَذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ . وَالْحَقُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي مَا وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوَافِلِ الْمُرْسَلَةِ - أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ عَدَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ ، أَوْ هَيْئَةٍ مِنْ الْهَيْئَاتِ ، أَوْ نَافِلَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ : يُعْمَلُ بِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ . فَمَا كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِهِ - إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ فِعْلًا ، أَوْ بِكَثْرَةِ فِعْلِهِ ، وَإِمَّا بِقُوَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِهِ ، وَإِمَّا بِمُعَاضَدَةِ حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ ، أَوْ أَحَادِيثَ فِيهِ - تَعْلُو مَرْتَبَتُهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ . وَمَا يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَنْتَهِي إلَى الصِّحَّةِ ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا عُمِلَ بِهِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ صَحِيحٌ أَقْوَى مِنْهُ . وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ، أَعْنِي الصَّحِيحَ الَّذِي لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ ، أَوْ لَمْ يُؤَكَّدْ اللَّفْظُ فِي طَلَبِهِ . وَمَا كَانَ ضَعِيفًا لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمَوْضُوعِ ، فَإِنْ أَحْدَثَ شِعَارًا فِي الدِّينِ : مُنِعَ مِنْهُ . وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ . يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ : إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفِعْلِ الْخَيْرِ ، وَاسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ بِالْوَقْتِ أَوْ بِالْحَالِ وَالْهَيْئَةِ ، وَالْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ : يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ بِخُصُوصِهِ . وَهَذَا أَقْرَبُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ . الْأُولَى : أَنَّا حَيْثُ قُلْنَا فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ : إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ ، فَشَرْطُهُ : أَنْ لَا يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ مِثَالُهُ : الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ : لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ ، وَلَا حَسُنَ . فَمَنْ أَرَادَ فِعْلَهَا - إدْرَاجًا لَهَا تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ - لَمْ يَسْتَقِمْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى أَنْ تُخَصَّ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ " وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ الْعُمُومِيَّاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ . الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي قُلْنَاهُ - مِنْ جَوَازِ إدْرَاجِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ - نُرِيدُ بِهِ فِي الْفِعْلِ ، لَا فِي الْحُكْمِ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ بِهَيْئَتِهِ الْخَاصَّةِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِحْبَابِهِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْخَاصَّةِ : يَحْتَاجُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَلَا بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ . فَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَا بِاحْتِمَالِهِ . الثَّالِثُ : قَدْ مَنَعْنَا إحْدَاثَ مَا هُوَ شِعَارٌ فِي الدِّينِ . وَمِثَالُهُ : مَا أَحْدَثَتْهُ الرَّوَافِضُ مِنْ عِيدٍ ثَالِثٍ ، سَمَّوْهُ عِيدَ الْغَدِيرِ . وَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ وَإِقَامَةُ شِعَارِهِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ ، لَمْ يَثْبُتْ شَرْعًا . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تَكُونَ الْعِبَادَةُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ مُرَتَّبَةً عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ . فَيُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ : أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا أَمْرًا آخَرَ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ ، زَاعِمًا أَنَّهُ يُدْرِجُهُ تَحْتَ عُمُومٍ . فَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعِبَادَاتِ التَّعَبُّدُ ، وَمَأْخَذُهَا التَّوْقِيفُ . وَهَذِهِ الصُّورَةُ : حَيْثُ لَا يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ الْمُحْدَثِ أَوْ مَنْعِهِ . فَأَمَّا إذَا دَلَّ فَهُوَ أَقْوَى فِي الْمَنْعِ وَأَظْهَرُ مِنْ الْأَوَّلِ . وَلَعَلَّ مِثَالَ ذَلِكَ ، مَا وَرَدَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ . فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ رَفْعُ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ مُطْلَقًا . فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : يَرْفَعُ الْيَدَ فِي الْقُنُوتِ ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ . فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى هَيْئَةِ الْعِبَادَةِ التَّعَبُّدُ وَالتَّوْقِيفُ . وَالصَّلَاةُ تُصَانُ عَنْ زِيَادَةِ عَمَلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فِيهَا . فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ فِي رَفْعِ الْيَدِ فِي الْقُنُوتِ : كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى صِيَانَةِ الصَّلَاةِ عَنْ الْعَمَلِ الَّذِي لَمْ يُشَرَّعْ : أَخَصَّ مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى رَفْعِ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ . الرَّابِعُ : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَنْعِ : فَتَارَةً يَكُونُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ ، وَتَارَةً مَنْعَ كَرَاهَةٍ . وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَا يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الشَّرْعِ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الِابْتِدَاعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ التَّخْفِيفِ . أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا : لَمْ تُسَاوِ الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ . وَلَعَلَّهَا - أَعْنِي الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا - لَا تُكْرَهُ أَصْلًا . بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا يُجْزَمُ فِيهِ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ . وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ : لَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَةً لِلْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ . فَهَذَا مَا أَمْكَنَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ الْقَوِيَّةِ ، لِعَدَمِ الضَّبْطِ فِيهِ بِقَوَانِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لِلسَّابِقِينَ . وَقَدْ تَبَايَنَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ تَبَايُنًا شَدِيدًا ، حَتَّى بَلَغَنِي : أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ مَرَّ فِي لَيْلَةٍ مِنْ إحْدَى لَيْلَتَيْ الرَّغَائِبِ - أَعْنِي الَّتِي فِي رَجَبٍ ، أَوْ الَّتِي فِي شَعْبَانَ - بِقَوْمٍ يُصَلُّونَهَا ، وَقَوْمٍ عَاكِفِينَ عَلَى مُحَرَّمٍ ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ . فَحَسَّنَ حَالَ الْعَاكِفِينَ عَلَى الْمُحَرَّمِ عَلَى حَالِ الْمُصَلِّينَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ . وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَاكِفِينَ عَلَى الْمُحَرَّمِ عَالِمُونَ بِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ ، فَيُرْجَى لَهُمْ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ ، وَالْمُصَلُّونَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ - مَعَ امْتِنَاعِهَا عِنْدَهُ - مُعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فِي طَاعَةٍ . فَلَا يَتُوبُونَ وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ . وَالتَّبَايُنُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَرْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَهُوَ إدْرَاجُ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ ، أَوْ طَلَبُ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْخَاصِّ . وَمَيْلُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى هَذَا الثَّانِي . وَقَدْ وَرَدَ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَا يُؤَيِّدُهُ فِي مَوَاضِعَ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى " إنَّهَا بِدْعَةٌ " ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهَا دَلِيلٌ . وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهَا تَحْتَ عُمُومَاتِ الصَّلَاةِ لِتَخْصِيصِهَا بِالْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ . وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْقُنُوتِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي عَصْرِهِ " إنَّهُ بِدْعَةٌ " وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهُ تَحْتَ عُمُومَاتِ الدُّعَاءِ . وَكَذَلِكَ مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ لِابْنِهِ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ " إيَّاكَ وَالْحَدَثَ " وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهُ تَحْتَ دَلِيلٍ عَامٍّ وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ " ذُكِرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ قَاصٌّ يَجْلِسُ بِاللَّيْلِ ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ : قُولُوا كَذَا ، وَقُولُوا كَذَا . فَقَالَ : إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي . قَالَ : فَأَخْبَرُوهُ . فَأَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مُتَقَنِّعًا . فَقَالَ : مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي . وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ لَأَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، يَعْنِي أَوْ إنَّكُمْ لَمُتَعَلِّقُونَ بِذَنْبٍ ضَلَالَةً " وَفِي رِوَايَةٍ " لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ ، أَوْ لَقَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا " فَهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْكَرَ هَذَا الْفِعْلَ ، مَعَ إمْكَانِ إدْرَاجِهِ تَحْتَ عُمُومِ فَضِيلَةِ الذِّكْرِ . عَلَى أَنَّ مَا حَكَيْنَاهُ فِي الْقُنُوتِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ فِي الْعِبَادَاتِ . الْخَامِسُ : ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . وَلَا تَظْهَرُ لَهُ مُنَاسَبَةٌ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ : أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَعْنَاهُ : أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ . فَلَيْسَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوِيَّةً . فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ الْمَعِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ . وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا . وَمِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ : أَنَّهُ أَوْرَدَ عَقِيبَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّهَا قَالَتْ { لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : { رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } وَهَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ .

 

62 - الْحَدِيثُ السَّادِسُ : وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الْمُقَدَّمُ الذِّكْرَ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمَا فِي الْفَضِيلَةِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِك . أَعْنِي فِي قَوْلِهِ " إنَّهُمَا سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ " بَعْدَ اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَضِيلَةِ . وَذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ قَانُونًا فِي ذَلِكَ . وَهُوَ أَنَّ مَا وَاظَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، مُظْهِرًا لَهُ فِي جَمَاعَةٍ ، فَهُوَ سُنَّةٌ . وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ ، وَعَدَّهُ فِي نَوَافِلِ الْخَيْرِ ، فَهُوَ فَضِيلَةٌ . وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ - وَهَذَا مِثْلُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ سُنَّةٌ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ فَضِيلَةٌ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ رَاجَعَا إلَى الِاصْطِلَاحِ : فَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ . فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ فِي التَّسْمِيَاتِ عَلَى وَضْعٍ يَرَاهُ . وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى اخْتِلَافٍ فِي مَعْنًى . فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَأَكُّدُ أَمْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِمَا . وَمُقْتَضَاهُ : تَأَكُّدُ اسْتِحْبَابِهِمَا . فَلْيَقُلْ بِهِ . وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يُسَمِّيهَا سُنَّةً ، وَإِنْ أُرِيدَ : أَنَّهُمَا مَعَ تَأَكُّدِهِمَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُظْهِرًا لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ رُتَبَ الْفَضَائِلِ تَخْتَلِفُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا سُمِّيَ بِالسُّنَّةِ أَعْلَاهَا رُتْبَةً : رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الِاصْطِلَاحِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .

 

باب الأذان :

63 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ } .

الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ : أَنَّ قَوْلَهُ " أُمِرَ " رَاجِعٌ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَذَا " أُمِرْنَا " وَ " نُهِينَا " ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ : انْصِرَافُهُ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ شَرْعًا . وَمَنْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا . وَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَالتَّقْدِيرَاتِ فِيهَا : لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيتَارِ فِي لَفْظِ الْإِقَامَةِ . وَيَخْرُجُ عَنْهُ التَّكْبِيرُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّهُ مَثْنَى وَالتَّكْبِيرُ الْأَخِيرُ أَيْضًا . وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ : بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْإِقَامَةِ كَالْأَذَانِ مُثَنَّاةٌ . وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ . وَهُوَ لَفْظُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " فَقَالَ مَالِكٌ : يُفْرَدُ . وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ لَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُثَنَّى ، لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . . وَهُوَ قَوْلُهُ { أُمِرَ بِلَالٌ بِأَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ ، إلَّا الْإِقَامَةَ } أَيْ إلَّا لَفْظَ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - مَعَ مَا مَرَّ مِنْ الْحَدِيثِ - قَدْ أُيِّدَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَنَقْلِهِمْ . وَفِعْلُهُمْ فِي هَذَا قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ طَرِيقَةَ النَّقْلِ وَالْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ : تَقْتَضِي شُيُوعَ الْعَمَلِ . فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ تَغَيَّرَ لَعُلِمَ وَعُمِلَ بِهِ .

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ . أَوْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ وَالِانْتِشَارُ ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّاعِ وَالْمُدِّ ، وَالْأَوْقَاتِ ، وَعَدَمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ ؟ فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ : وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ . وَمَا قَالَهُ : غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا جَزْمًا . وَلَا فَرْقَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ . إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِ الْأُمَّةِ . نَعَمْ مَا طَرِيقَةُ النَّقْلِ إذَا عُلِمَ اتِّصَالُهُ ، وَعَدَمُ تَغَيُّرِهِ ، وَاقْتَضَتْ الْعَادَةُ مَشْرُوعِيَّتَهُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ ، وَلَوْ بِالتَّقْرِيرِ عَلَيْهِ - فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ قَوِيٌّ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ عَادِيٍّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْأَذَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا أَمَرَ بِالْوَصْفِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَأْمُورًا بِهِ . وَظَاهِرُ الْأَمْرِ : الْوُجُوبُ . وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ فِيهَا . وَالْمَشْهُورُ : أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ سُنَّتَانِ . وَقِيلَ : هُمَا فَرْضَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مُتَمَسِّكٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا قُلْنَا .

 

 

64 - الْحَدِيثُ الثَّانِي : عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ قَالَ { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أُدْمٍ - قَالَ : فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوءٍ ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ ، قَالَ : فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ ، قَالَ : فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ ، قَالَ : فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا ، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ؛ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ نَزَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ }

قَوْلُهُ " عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " هُوَ الْمَشْهُورُ . وَقِيلَ : وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ وَقِيلَ : وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ ، وَالسُّوَائِيُّ فِي نَسَبِهِ - مَضْمُومُ السِّينِ مَمْدُودٌ - نِسْبَةً إلَى سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ . مَاتَ فِي إمَارَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْكُوفَةِ وَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ " فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوءٍ " بِفَتْحِ الْوَاوِ بِمَعْنَى الْمَاءِ ، وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ ، أَوْ بِقَيْدِ الْإِضَافَةِ إلَى الْوُضُوءِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، قَدْ مَرَّ . وَقَوْلُهُ " فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ " النَّضْحُ : الرَّشُّ . قِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَنَالُ مِنْهُ مَا لَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ . وَبَعْضَهُمْ كَانَ يَنَالُ مِنْهُ مَا يَنْضَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ . وَتَشْهَدُ لَهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " فَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا . فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ . فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ . وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ " . الثَّانِي : يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ الْتِمَاسُ الْبَرَكَةِ بِمَا لَابَسَهُ الصَّالِحُونَ بِمُلَابَسَتِهِ . فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْوَضُوءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيُعَدَّ بِالْمَعْنَى إلَى سَائِرِ مَا يُلَابِسُهُ الصَّالِحُونَ . الثَّالِثُ : قَوْلُهُ " فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا ، يُرِيدُ يَمِينًا وَشِمَالًا " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِدَارَةِ الْمُؤَذِّنِ لِلِاسْتِمَاعِ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ . وَهُوَ وَقْتُ التَّلَفُّظِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ . وَقَوْلُهُ " يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " يُبَيِّنُ وَقْتَ الِاسْتِدَارَةِ . وَأَنَّهُ وَقْتُ الْحَيْعَلَتَيْنِ . وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ هَلْ تَكُونُ قَدَمَاهُ قَارَّتَيْنِ مُسْتَقْبِلَتَيْ الْقِبْلَةَ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَّا بِوَجْهِهِ دُونَ بَدَنِهِ ، أَوْ يَسْتَدِيرُ كُلُّهُ ؟ الثَّانِي : هَلْ يَسْتَدِيرُ مَرَّتَيْنِ . إحْدَاهُمَا : قَوْلُهُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَالْأُخْرَى عِنْدَ قَوْلِهِ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " أَوْ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " مَرَّةً ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " أُخْرَى . ثُمَّ يَتَلَفَّتُ يَمِينًا وَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " مَرَّةً ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " أُخْرَى ؟ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَنْقُولَانِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ رُجِّحَ هَذَا الثَّانِي بِأَنَّهُ يَكُونُ لِكُلِّ جِهَةٍ نَصِيبٌ مِنْ كَلِمَةٍ وَقِيلَ : إنَّهُ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ . وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي إلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ : هُوَ الْأَوَّلُ . الرَّابِعُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ رَكَزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ " أَيْ أَثْبَتَتْ فِي الْأَرْضِ . يُقَالُ : رَكَزْتُ الشَّيْءَ أَرْكُزُهُ - بِضَمِّ الْكَافِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ - رَكْزًا : إذَا أَثْبَتَهُ وَ " الْعَنَزَةُ " قِيلَ : هِيَ عَصًا فِي طَرَفِهَا زُجٌّ . وَقِيلَ : الْحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ .

الْخَامِسُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ وَضْعِ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي ، حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ كَالصَّحْرَاءِ . وَدَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِي السُّتْرَةِ بِمِثْلِ غِلَظِ الْعَنَزَةِ . وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ غَيْرُ ضَارٍ .

السَّادِسُ : قَوْلُهُ " ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ " هُوَ إخْبَارٌ عَنْ قَصْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ . وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُجْحَانِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ . وَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَفْعَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ . وَلَيْسَ بِمُخْتَارٍ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ . السَّابِع : لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَوْضِعَ اجْتِمَاعِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَهَا فِيهَا " أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ . وَهُوَ بِالْأَبْطُحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أُدْمٍ " وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُبَيِّنَةُ مُفِيدَةٌ لِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ . فَإِنَّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الْمُبْهَمَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِهِ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهَا . وَعَلَى هَذَا يُشْكِلُ قَوْلُهُ " فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ " عَلَى مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّفَرَ تَكُونُ لَهُ نِهَايَةٌ يُوصَلُ إلَيْهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ . وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الْقَصْرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ . أَمَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ الِاجْتِمَاعُ بِالْأَبْطُحِ . فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الظُّهْرِ الَّتِي أَدْرَكَهَا ابْتِدَاءَ الرُّجُوعِ . وَيَكُونُ قَوْلُهُ " حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ " انْتِهَاءَ الرُّجُوعِ .

 

. 65 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ } .

فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ . وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ . وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ . فَغَيْرُ مَك