9 مصاحف الكتاب الاسلامي/

الأربعاء، 24 مايو 2023

ج1.وج2.جامع الآثار في السير ومولد المختار

ج1.جامع الآثار في السير ومولد المختار

 1. تصنيف الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي البقاء الشافعي المتوفى سنة 842 هـ

تحقيق أبي يعقوب نشأت كمال دار الفلاح الطبعة الأولى

1431 هـ - 2010 م


#61#

&بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي&

الحمد لله الذي أبدى محمدا صلى الله عليه وسلم أزكى العالمين عشيرا، وأطلعه فردا في المرسلين، ولم يجعل له نظيرا، وأرسله شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، قرب أتباعه إليه زلفى، وقوّم به قوما عوجا، ورقق منهم جلفا، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، فوحدوا الله توحيدا خالصا خطيرا.

أحمده بجميع محامده كلها على مديد نعمه دقها وجلها حمدا يفرض لنا الكثير من نفلها.

وأشكره شكرا دائما غزيرا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، التامة كلمته، السابغة نعمته، العظيمة قدرته، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا معينا ولا وزيرا.

وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده المنعوت بالسيادة، ورسوله المبعوث بالسعادة، ونبيه المخصوص بالشهادة، القائم يوم القيامة مقاما محمودا كبيرا، صلى الله عليه وعلى آله السادة الأكرمين، وأصحابه العلماء العاملين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:


#62#

فإن قلوب المؤمنين وأفئدة المتقين وأرواح المحبين تحيا عند نشر الأحاديث النبوية، وتنير بسماع السيرة المحمدية، وتتشوق إلى وصف أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم الشريفة، وتتشوف إلى نعت أوصافه الجليلة المنيفة، وتتشرف ببث آدابه الجليلة اللطيفة، وترتاح في كل عام إلى سماع حديث مولده عليه أفضل الصلاة والسلام.


#63#

وقد صار ذلك [لهم] بدعة حسنة يهيمون بها في كل سنة، ويظهرون لذلك الفرح والسرور في شهر ربيع الأول دون بقية الشهور وذلك بـ (مكة) و (المدينة) و (مصر) و (الشام) وغيرها في بلاد الإسلام، لكن الناس متفاوتون في عمل ذلك، ومنهم من يسلك فيه أهدى المسالك، ومنهم من يهلك فيمن هو هالك، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، وكل يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا.

وأول من أطلع لهم هذا الفعل الأسعد وفاز منه –إن شاء الله- بالأجر السرمد: الملك المظفر أبو سعيد كوكبري ابن الملك علي بن بكتكين بن محمد، فإنه أول ملك في العرب والعجم عمل وليمة لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتفاله [بذلك] في كل مجمع، وما كان فيه يصنع لا يحاط به


#64#

أجمع، وقد ذكر أنه كان ينفق في المولد في كل عام ثلاثمائة ألف دينار على الخلع والطعام.

ولقد بلغنا عمن رأى تلك الوليمة السنية أنه كان مرة على المائدة خمسة آلاف شاة مشوية، وعشرة آلاف دجاجة على السماط، ومائة فرس للأكل لا للرباط، ومائة ألف إناء من أنواع الطعام، وثلاثون ألف صحن من الحلوى للخاص والعام.

وكان فيما بلغنا أن أهل تلك النواحي والبلاد (كالجزيرة) و (سنجار) و (نصيبين) و (الموصل) و (بغداد) من الفقهاء والوعاظ والقراء والصوفية


#65#

والرؤساء والشعراء يسعون في كل سنة إلى إربل لحضور ذلك الوقت المفضل من مستهل المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول.

ويأمر أبو سعيد في المحرم بإخراج القباب المزينات، كل قبة فيها أربع أو خمس من الطبقات، فتنصب من باب قلعة السلطان إلى باب الخانقاه المجاورة للميدان، فإذا كان أول صفر زينت القباب الظاهرة بأنواع الزينة المليحة الفاخرة، ويحصل فيهن كل يوم فرح وسرور ربما أدى للوقوع في المحذور.

حتى إذا بقي للمولد يومان سيقت الأنعام إلى الميدان، ثم تنحر وتطبخ منها الأطعمة المختلفة [الألوان]، فإذا كان ليلة عمل المولد صلى أبو سعيد المغرب بالقلعة، ثم نزل وبين يديه شمع كثير منها أربع على كل بغل شمعة، يسند كل واحد رجل إليه، إلى أن يدخل الخانقاه، فتنصب بين يديه، ويأمر بالخلع، فيؤتى بها حين يصبح، ويجلس في الإيوان، ويقدم للصعاليك سماطا في الميدان، وسماطا ثانيا في الخانقاه للأعيان، ثم يقرأ القراء القرآن ويعظ الوعاظ بالألحان، ويخلع على كل إنسان ما يليق به من الخلع الحسان.


#66#

وإذا فرغوا وتهيأ كل لجمع شمله دفع إليه ما يليق به نفقة ومركبا وهدية إلى أهله.

وسنة يعمل المولد في ثامن شهره، وسنة في ثاني عشره.

وكان الملك أبو سعيد محبوبا إلى رعيته بحسن نيته، ولم يسمع لأمثاله بمثل سيرته، وكان له معروف في كل نوع من الأنواع، ولم ينقم عليه سوى حب السماع، والله يعفو عنا وعنه بكرمه.

وسمع الحديث من حنبل الرصافي وغيره من المحدثين، وسمع أهل بلده في ناس آخرين، منهم : المفيد عبد العزيز بن هلالة وآخرون من ذوي الجلالة، وكان مولده بقلعة الموصل في المحرم لمضي الثالث والعشرين، سنة تسع وأربعين وخمس من المئين، وتوفي بقلعة إربل في شهر الصيام وله ثمانون سنة وغالب عام، ودفن بإربل مدة معروفة، ثم حمل ليدفن بمكة، فدفن جوار مشهد الكوفة، ولأجله ألف المحدث الزاعم أنه ذو النسبين بين دحية


#67#

والحسين: أبو الخطاب عمر بن الحسن الجميل علي الداني كتابه "التنوير في مولد البشير النذير صلى الله عليه وسلم"، لكن لم يحرره ذلك التحرير، وفيه مما لا يتعلق بالمولد شيء كثير، وهو ممن لا يوثق بنقله، والله تعالى يسامحه وإيانا بفضله.

ولقد قال العلامة أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الملقب أبا شامة: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا من هذا القبيل.

يعني: من قبيل البدع الحسنة المتفق عليها وعلى جواز فعلها


#68#

والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها حسبما ذكره – ما كان يفعل بمدينة إربل –جبرها الله- كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف و [إظهار] الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله، وشكرا لله سبحانه وتعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين.

ذكره العلامة أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" وكانت وفاته في رمضان سنة خمس وستين وستمائة، وله ست وستون سنة، رحمه الله .

ولما رأيت أحوال المؤمنين على ما وصفناه من الميل والمحبة لما ذكرناه ألفت هذا المختصر المعلم من أحوال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر مولده ومنشئه وصفاته وأخلاقه الشريفة ووفاته ليحصل لهم غاية مطلوبهم ويحصلوا خصال محبوبهم، ويزدادوا إيمانا ومحبة ويرتقوا بذلك أعلى رتبة، فالمرء مع من أحب.


#69#

&[طرق حديث المرء مع من أحب]&

ثبت من حديث أبي إسماعيل حماد بن زيد الأزدي البصري أحد الحفاظ الأعلام [عن ثابت]، عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم [ظ2ب] عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها» قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال: «أنت مع من أحببت». [قال أنس رضي الله عنه: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : «أنت مع من أحببت»] قال أنس رضي الله عنه: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.

خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

كما رواه سعيد بن منصور وعارم أبو النعمان وعبد الأعلى بن حماد وأبو الربيع الزهراني، وغيرهم عن حماد. تابعه: جعفر بن


#70#

سليمان، وحسين بن واقد، وسلام بن أبي الصهباء، وعثمان بن مسلم، ويونس بن عبيد، عن ثابت.

وهو في "منسد أحمد بن حنبل" قال: حدثنا عفان، [حدثنا همام]، حدثنا قتادة، عن أنس. فذكره.

وعلقه البخاري في "صحيحه" عن شعبة.

وخرجه مسلم من حديثه وحديث هشام، كلاهما عن قتادة، عن أنس بنحوه.

ورواه قتيبة بن سعيد ومحمد بن عبيد بن حساب، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس.

وتابعهم همام بن يحيى عن قتادة.

ورواه شعبة عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال «ما أعددت لها؟» قال: [ما] أعددت لها من كبير صلاة ولا صوم


#71#

ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت».

تابعه منصور عن سالم، وهو في "الصحيحين" لسالم.

والسائل: هو أبو موسى الأشعري، وقيل: [هو] أبو ذر، فالله أعلم.

وقال الحارث بن أبي أسامة: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ثم صلى ثم قال: «أين السائل عن الساعة؟» قال الرجل: أنا. قال: «ما أعددت للساعة؟». قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت». فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم [بها].


#72#

تابعه إسماعيل بن جعفر عن حميد نحوه، ورواه مسدد بن مسرهد في "مسنده" عن يحيى، عن حميد الطويل، عن أنس. فذكره.

وخرجه الطبراني في "معجمه الأوسط" فقال: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا أبو المليح، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له أعرابي فقال له: متى الساعة؟ قال: «ما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها من خير أحمد عليه نفسي، غير أني أحب الله ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت».

قال الطبراني: لم يرو أبو المليح عن الزهري، عن أنس غير هذا. اهـ

ورواه عبد الله بن الزبير الحميدي عن سفيان بن عيينة، عن الزهري.

تابعه أحمد بن حنبل في "مسنده" فقال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة؟ فقال: «ما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها من شيء، ولكني أحب الله ورسوله. قال: «المرء مع من أحب».


#73#

وحدث به مسلم في "صحيحه" عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، كلهم عن سفيان بنحوه.

ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أعددت لها؟»، فقال الأعرابي: ما أعددت لها كبيرا أحمد عليه نفسي، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنك مع من أحببت».

ورواه عبد الله بن محمد البغوي عن علي بن الجعد، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس.

[وحدث به الترمذي في "جامعه" عن أبي هشام الرفاعي، عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن، عن أنس] رضي الله عنه مرفوعا: «المرء مع من أحب وله ما اكتسب».

غريب من حديث الحسن عن أنس.

قاله الترمذي.


#74#

تابعهما قرة بن خالد ومحمد بن جحادة وغيرهم عن الحسن، منهم: يزيد بن يعفر فيما رواه أبو الحسن محمد بن الباهلي، حدثنا محمود بن خالد، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن راشد، حدثني يزيد بن يعفر، عن الحسن: أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثه قال: كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما صلى قال: «أين السائل عن الساعة؟»، فقام الرجل، فقال: «أما إنها حق، فماذا أعددت لها؟»، قال: ما أعددت لها من كبير أجده، غير أني أحب الله وأحب رسوله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنك مع من أحببت، ولك ما احتسبت».

تابعه محمد بن يونس الكديمي عن محمد بن راشد بنحوه.

ورواه القعنبي عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.


#75#

عن أنس بنحوه.

ورواه عمر بن يونس عن محمد بن موسى الأنصاري، عن حفص بن عمر بن أبي طلحة، عن أنس.

ورواه يحيى بن عبد الحميد الحماني عن سليمان بن بلال، عن شريك، عن أنس.

تابعه يحيى بن محمد بن قيس عن شريك.

ورواه أحمد بن عصام عن أبي عاصم، عن عثمان بن سعد، عن أنس.


#76#

ورواه أبو ضمرة أنس بن عياض والأنصاري، وغير من ذكرناه عن أنس.

وقال أحمد بن حنبل في "مسنده": حدثنا يزيد، أخبرنا محمد ابن عمرو، عن كثير بن خنيس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ ، قال: «وماذا أعددت للساعة؟»، قال: حب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت».

كثير هذا غير كثير بن خنيس الراوي عن عمرة بنت عبد الرحمن، فرق بينهما البخاري في "تاريخه الكبير".

وحدث أبو يحيى زكريا بن يحيى بن أسد المروزي، عن سفيان، عن الزهري، قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله، رجل يحب المصلين ولا يصلي إلا قليلا، ويحب الصائمين


#77#

ولا يصوم إلا قليلا، ويحب الذاكرين ولا يذكر إلا قليلا، ويحب المتصدقين ولا يتصدق إلا قليلا، ويحب المجاهدين ولا يجاهد إلا قليلا، وهو في ذلك يحب الله ورسوله والمؤمنين، قال: «هو يوم القيامة مع من أحب».

وللحديث شاهد من حديث: علي بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وأبي ذر، وأبي قتادة، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد بن الأعوز –ويقال: الأغوس- الغفاري، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة الباهلي، وصفوان بن عسال المرادي،


#78#

وصفوان بن قدامة -من أهل حمص- وابنه: عبد الرحمن، وصفوان بن قدامة المرادي، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وعروة بن مضرس، وأبي بدرة، ومعاذ بن جبل، وعائشة، رضي الله عنهم.

وطرقه جمة.

وقد صنف فيه الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الصوفي الأصفهاني مصنفا جمع فيه غالب طرقه سماه: "ذكر المحبين مع المحبوبين إذا وافقوهم في العقد والحال".


#79#

وروينا من حديث الحافظ أبي علي أحمد بن محمد البرداني، قال في كتابه في: "من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه": أخبرنا محمد بن علي بن الفتح الحربي، أخبرنا مبادر بن عبيد الله الصوفي، سمعت أبا الأزهر عبد الواحد بن محمد، سمعت الشيخ الصالح –قال الحافظ أبو علي: لعله ابن خفيف- يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام جالسا ومعه جماعة من الفقراء من هذه [الطائفة]، فإذا أنا بالسماء قد انشقت، وجبريل مع الملائكة بأيديهم الطشوت والأباريق، يصبون الماء على أيدي الفقراء، فغسلوها، فلما بلغوا إلي مددت يدي، فقال بعضهم لبعض: لا تصبوا الماء على يده؛ فليس منهم. فقلت: يا رسول الله، فإن كنت لست منهم فإني أحبهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب»، فصبوا الماء على يدي.

وقال أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين في كتابه


#80#

"المواعظ": وأخبرنا محمد –يعني: ابن أخي ميمي- حدثنا أحمد –هو: ابن سعيد- البزار، حدثنا محمد –يعني: ابن جعفر بن داران- حدثنا خلف بن محمود أبو الطيب الفرغاني، حدثني فارس النجاد، قال: بلغني عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: رأيت في النوم جبريل عليه السلام قد نزل إلى الأرض، فقلت: لم نزلت في هذه الليلة؟ فقال: نزلت لأكتب المحبين. قلت: مثل من؟ قال: مثل: "مالك بن دينار" و "ثابت البناني" و "أيوب السختياني" فعد جماعة، فقلت: أنا فيهم؟ قال: لا. قلت: فإذا كتبتهم فاكتب تحتهم: محب المحبين. قال: فنزل الوحي: اكتبه أولهم.

وفي "الصحيحين" من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

تابعه عبد العزيز بن صهيب، عن أنس.

ورواه أبو داود: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده».


#81#

وقال الزاهد أبو زرعة حيوة بن شريح التجيبي المصري أحد الأئمة: حدثني أبو عقيل زهرة بن معبد: أنه سمع جده عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنه الآن، لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر».

انفرد البخاري بتخريجه.

تابعه ابن لهيعة عن زهرة به.

وحدث أبو الحسن علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني، إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل». ثم قال لي: «يا بني، وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، [ومن أحبني] كان معي في الجنة».

خرجه أبو عيسى الترمذي في "جامعه" من حديث محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه –ووثقهما- عن علي بن زيد به.


#82#

و "علي بن زيد" هذا ولد وهو أعمى، وكان كثير الحديث. قاله ابن سعد في "الطبقات" وضعفه.

وذكر الترمذي أن عليا هذا صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره.

ثم قال أبو عيسى: وقد روى عباد المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس، ولم يذكر فيه "سعيد بن المسيب".

قال أبو عيسى: وذاكرت به محمد بن إسماعيل –يعني: البخاري- فلم يعرفه، ولم يعرف لـ "سعيد بن المسيب عن أنس" هذا الحديث ولا غيره. اهـ

وقد جعلت هذا الجامع المختصر فصولا مبوبة لمعان مرتبة، وسميته "جامع الآثار في السير ومولد المختار" ساق الله إليه أفضل


#83#

الصلاة وأزكى التسليم، وجعل ما قصدته خالصا لوجهه الكريم، فهو [المولى] المولي لكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.


#84#

&فصل: في البشارات العظيمة بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الله القديمة&

$من بشر به من الأنبياء والأحبار والعلماء وأنذر به من الكهان، وأعلم به من هواتف الجنان وهذا هو أحد الأقسام في الدلائل للنبوة والأعلام$

قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي رحمه الله: إن الله تعالى أعان خلقه على أوامره، وأغناهم عن نواهيه، وكان أنبياء الله –عليهم الصلاة والسلام- معانين على تأسيس النبوة بما يقدمه من بشائرها، ويبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم لما أطلعهم الله تعالى على غيبه؛ ليكون عونا للرسول وحثا على القبول.

قاله أبو الحسن في كتابه "أعلام النبوة".


#85#

$ذكره صلى الله عليه وسلم في القرآن$

فأما ما في القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد من الآيات الشريفات في البشارات المنيرات:

فمنها ما قال الله عز وجل: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}

وقال تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم}

وقال تعالى حكاية عن إبراهيم – عليه الصلاة والسلام-:

{ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}

وقال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}

وقال تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} الآية

وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من


#86#

قبل لفي ضلال مبين}

وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} الآية

وقال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم} الآية

وقال تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} الآية

وقال تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} الآية

وقال تعالى فيما أخبر أنه كلم به موسى –عليه الصلاة والسلام- وخاطب به نبينا –عليه أفضل الصلاة والسلام-: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون . الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون . قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} الآية.


#87#

وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}

وقال تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} الآية

وقال تعالى: {وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا}

وقال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما}

وقال تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}

وقال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}

وقال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما . وينصرك الله نصرا عزيز}

وقال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . لتؤمنوا بالله ورسوله}

وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} الآيات

وقال تعالى: {والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى} الآيات


#88#

وقال تعالى: {وإذا قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} الآية

وقال تعالى: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم . هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}

وقال تعالى: {ن والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون} الآيات

وقال تعالى: {قم الليل إلا قليلا} الآيات

وقال تعالى: {يا أيها المدثر . قم فأنذر . وربك فكبر} الآيات

وقال تعالى: {والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى} السورة

وقال تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} السورة

وقال تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} السورة

والآيات في ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن كثيرة، ومعانيها شريفة خطيرة.


#89#

$[معرفة أهل الكتاب بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم]$

حدث شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية التميمي مولاهم النحوي المؤدب البصري في "تفسيره": عن قتادة في قوله تعالى: {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} قال: كتموا محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم {يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}

وجاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي: آلائي عندكم وعند آبائكم. لما كان نجاهم به من فرعون وقومه {وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم} قال: بعهدي الذي أخذت من أعناقكم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم، أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إخوانكم.

وخرج الشيخ الإمام –شيخ الإسلام- أبو بكر أحمد بن الحسين بن


#90#

علي البيهقي في كتابه "دلائل النبوة" من حديث يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: "اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم".

قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله عز وجل: {وكانوا من قبل يستفتحون} يعني: بك يا محمد {على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}


#91#

وخرجه أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتاب "الشريعة" –من تأليفه- ليوسف بن موسى القطان، حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس. فذكره بنحوه، وجعل مكان "سعيد بن جبير": "عنترة".

وروي معناه عن عطية، عن ابن عباس.

قاله البيهقي.

وخرجه أبو محمد بن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق الضحاك عن ابن عباس.

وقال آدم بن [أبي] إياس: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن


#92#

علي الأزدي قال: كانت اليهود تقول: "اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الذين يستفتحون به". أي: يستنصرون به على الناس.

وقال أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري –أحد الأئمة التابعين المخضرمين: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: "اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا، حتى نعذب المشركين ونقتلهم"، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}.

وحدث محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري، عن رجال من قومه قالوا: ومما دعانا إلى الإسلام مع –رحمة الله وهداه: أنا كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا مما نسمع ذلك


#93#

منهم، فلما بعث الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات التي في "البقرة": {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} إلى قوله: {الكافرين}.

وقال أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الهاشمي مولاهم الكوفي السدي: كانت العرب تمر بيهود، فيلقى اليهود منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، فيسألون الله أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل!.

وحدث شيبان بن عبد الرحمن النحوي في "تفسيره" عن قتادة في قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} قال: هو الفرقان الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم من التوراة والإنجيل {معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} قال: كانت اليهود تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب، كانوا يقولون: "اللهم ابعث النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم"، فلما بعث الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة


#94#

ويستفتحون به كفروا به حين رأوه بعث من غيرهم حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج في كتابه "معاني القرآن": ومعنى: {يستفتحون على الذين كفروا} قيل: فيه قولان، قال بعضهم: كانوا يخبرون بصحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: {وكانوا من قبل يستفتحون} يستنصرون بذكر النبي صلى الله عليه وسلم، {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} أي: ما كانوا [به] يستنصرون وبصحته يخبرون، كفروا به. فأعلم الله عز وجل أنهم كفروا وهم يوقنون أنهم متعمدون للشقاق وعداوة الله. اهـ

وقيل: هذه الآية الشريفة: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}: نزلت في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه رضي الله عنهم كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته ومبعثه في كتابهم كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان.

وروي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لأنا كنت أشد معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم مني بابني. فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وكيف ذلك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا يقينا، وأنا لا أشهد بذلك


#95#

على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء. فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام.

وحدث يزيد بن هارون، عن جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: {قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} قال: عبد الله بن سلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن اليهود أعظم قوم عضيهة، فسلهم عني وخذ عليهم ميثاقا، أي: إن اتبعتك وآمنت بكتابك أن يؤمنوا بك وبكتابك الذي أنزل إليك، وأخبئني يا رسول الله قبل أن يدخلوا عليك، فأرسل إلى اليهود فقال: «ما تعلمون عبد الله بن سلام فيكم؟» فقالوا: خيرنا وأعلمنا بكتاب الله، سيدنا وعالمنا وأفضلنا. قال: «أرأيتم إن شهد أني رسول الله وآمن بالكتاب الذي أنزل الله [علي]، تؤمنون بي؟»، قالوا: نعم. فدعاه فخرج عليهم عبد الله، فقال: «يا عبد الله بن سلام، أما تعلم أني رسول الله، تجدوني مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، أخذ الله ميثاقكم أن تؤمنوا بي، وأن يتبعني من أدركني منكم؟» قال: بلى. قالوا: ما نعلم أنك رسول الله، وكفروا به، وهم يعلمون أنه رسول الله وأن ما قال حق، فأنزل الله عز وجل: {إن كان من عند الله}


#96#

يعني: الكتاب والرسول {وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} يعني: عبد الله بن سلام {وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله}، ففي ذلك نزلت هذه الآية.

وجاء نحوه في تفسير الآية عن عوف، عن الحسن.

وعن إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

وعن إسرائيل أيضا عن جابر، عن مجاهد وعطاء وعكرمة.

وصح من حديث أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم [يقول] لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام.

قال: وفيه نزلت هذه الآية: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله}.


#97#

$[المثل المضروب في سورة النور]$

ومما حدث أبو الربيع سليمان بن داود العتكي الزهراني، عن يعقوب القمي، حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن شمر بن عطية: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لكعب الأحبار –رحمة الله عليه: حدثني عن قول [الله] {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري} إلى قوله: {نور على نور}. قال: أما قوله: {الله نور السماوات} فالله نور السماوات والأرض، {مثل نوره} مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم {كمشكوة} المشكاة: الكوة، ضربها مثلا لقمة المشكاة، {فيها مصباح المصباح في زجاجة} "الزجاجة": [صدره]، {الزجاجة كأنها كوكب دري} شبه صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع إلى المصباح –أي: قلبه- فقال: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} لم تصبها شمس الشرق ولا شمس الغرب، {يكاد زيتها يضيء} [ولو لم تمسسه نار]: يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء وهو لم تمسسه النار، ثم قال: {نور على نور}.

تابعه الهيثم بن جميل، عن يعقوب القمي.


#98#

وهذا جاء من تفسير ابن عباس في الآية فيما حدث به أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، عن بكر بن سهل، حدثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله عز وجل: {الله نور السماوات والأرض}، يقول: هادي أهل السماوات وأهل الأرض، ثم انقطع الكلام، ثم استأنف، فقال عز وجل: {مثل نوره} يعني: نور محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان مستودعا في صلب أبيه عبد الله {كمشكاة}، يعني: كوة غير نافذة –بلسان الحبشة- {فيها مصباح} يعني بالمصباح: قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شبهه بالمصباح، في الضياء والنور لما به من الإيمان والنور والنبوة والحكمة، ثم ردد المصباح فقال: {المصباح في زجاجة} يعني: بالزجاجة: صدره صلى الله عليه وسلم، ثم ردد


#99#

في صدره، يعني: في الصفاء والحسن والنقاء مثل الزجاجة، ثم ردد الزجاجة {كأنها كوكب دري} يعني: في الصفاء والحسن، ويعني بـ "الدري": المضيء وهي: "الزهرة"، وليس في السماء نجم أضوأ من "الزهرة"، يريد: كما تضيء "الزهرة" لأهل الأرض كذلك جعلت قلبه في صدره، ثم قال: {يوقد من شجرة مباركة} يقول: استنار نور محمد صلى الله عليه وسلم من نور إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من ولده وعلى دينه ومنهاجه وسنته –وذكر بقيته.

وجاء هذا التفسير أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وذلك فيما حدث به أبو الشيخ الأصبهاني عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، عن علي بن إسحاق بن إبراهيم الضبي، حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا علي بن ثابت، حدثنا الوازع بن نافع، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنه: {كمشكاة} قال: "المشكاة": جوف محمد صلى الله عليه وسلم، و "الزجاجة" قلبه، و "المصباح": النور الذي في قلبه، {يوقد من شجرة مباركة} قال "الشجرة": إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

وخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" و "الأوسط"، فقال: حدثنا


#100#

أحمد بن منصور المدائني، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا علي بن ثابت، فذكره، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا الوازع بن نافع، تفرد به علي بن ثابت. قاله في "الأوسط".


#101#

$[ذكره صلى الله عليه وسلم، وبشائر به في التوراة وغيرها، وفضل أمته]$

وأما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وغيرها من كتب الله عز وجل فقد نطق به القرآن العظيم، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة والأخبار الحسنة المليحة.

$*[صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة]$

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه": حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا هلال، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل،


#102#

ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: "لا إله إلا الله"، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا.

تابعه أبو عبد الله موسى بن داود [الضبي] الخلقاني، عن فليح.

و"فليح" لقب غلب عليه، واسمه: عبد الملك بن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين المديني أبو يحيى، أخرج له في "الصحيحين" فارتفعت رتبته، مات سنة ثمان وستين ومائة.


#103#

وحديثه هذا رواه البخاري أيضا في التفسير من الصحيح، فقال: حدثنا عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال بن أبي هلال، فذكره.

وحدث به علي بن المديني، فقال: حدثنا أبو داود وروح بن عبادة [القيسي، قالا: أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، قال أبو داود: هلال بن هلال، قال روح: عن هلال عن عطاء بن يسار أخبره أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبره أن هذه الآية التي في الفرقان –يعني: القرآن- {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} قال: هي في التوراة: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ورحمة للأميين


#104#

أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الأمة العوجاء، أن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.

رواه علي بن غالب بن سلام السكسكي عن ابن المديني.

وعبد الله شيخ البخاري هذا مختلف في نسبه: فقال أبو علي بن السكن في روايته عن الفربري عن البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة –يعني: القعنبي-.

وذكر أنه القعنبي أيضا: أبو الوليد هشام بن أحمد القاضي.

وذكر أبو نصر الكلاباذي: أنه عبد الله بن صالح العجلي.


#105#

وذكر أبو مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء.

وقال عبد العزيز النخشبي: أظنه ابن رجاء.

وقال أبو علي الغساني: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث.

وصوب هذا الحافظ أبو الحجاج المزي، وعضده برواية البخاري له في كتابه الذي ألفه في الأدب، ثم عقبه بحديثه عن محمد بن سنان عن فليح كما رواه في "صحيحه" بهذين الإسنادين، والبخاري مكثر عن كاتب الليث كما أن كاتب الليث مكثر عن عبد العزيز بن أبي سلمة، والعجلي ذكر له في "التاريخ" ترجمة


#106#

مختصرة جدا، ولم يرو فيها شيئا بل روى في "التاريخ" عن رجل عنه.

قال المزي: فهذا يؤكد أنه لم يلقه ولا وجدنا أيضا للعجلي رواية عن عبد العزيز بن أبي سلمة سوى حديثه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر «الظلم ظلمات يوم القيامة». اهـ

وحديث عبد الله بن عمرو المذكور رواه الليث وروح بن عباده وغيرهما، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة.

وخرجه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في "سننه الكبرى" و "شعب الإيمان" و "دلائل النبوة".

ورواه أبو محمد القاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي الإمام اللغوي في كتاب "الدلائل في شرح غريب الحديث" وهو كتاب أمتع من كتاب أبي عبيد والقتيبي، كتبه أبو علي البغدادي بخطه، وكان يقول: لم يوضع بالأندلس مثله.


#107#

وهذا الكتاب جمعه قاسم وأبوه ثابت معا؛ لأن قاسما ابتدأه أولا وعاجلته المنية عن إتمامه؛ لأنه مع براعة علمه كان من أهل الورع والزهد، فأريد على قضاء سرقسطة فأبى، وأراده أبوه على ذلك فسأله أن يتركه ثلاثا لينظر في أمره فمات قبل انقضائها، فيرون أنه دعا لنفسه بالموت وكان موصوفا بإجابة الدعوة، وكانت وفاته سنة ثنتين وثلاثمائة فأكمل أبوه ثابت الكتاب بعده، وكان سماعهما واحدا ورحلتهما واحدة، وتوفي أبوه بعده سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة، وقال الحميدي في "تاريخه": سنة أربع عشرة، فبذلك كان ثابت بن قاسم يروي الكتاب عن أبيه إجازة؛ لأنه كان حين وفاته صغيرا، ويرويه عن جده قراءة عليه؛ لأنه أدركه كبيرا فقرأه عليه.


#108#

لخصته بزيادة من "برنامج الحافظ أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي".

روى هذا الحديث أبو بكر محمد بن علي النقاش ومحمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه، قالا: أخبرنا أبو صالح القاسم بن الليث بن مسرور الرسعني، حدثنا المعافر بن سليمان هو الجزري الرسعني، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، وذكر نحوه وفي آخره كما في رواية البيهقي: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا يقول بلغته: "أعينا عمومي وآذانا صمومي وقلوبا غلوفي".

وهذه الزيادة مذكورة أيضا بنحوها في رواية القاسم بن ثابت في "الدلائل".

وأبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وإن لم يكن من أهل الكتاب، فقد قرأ القرآن والتوراة.

قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا قتيبة، عن ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأيت فيما يرى


#109#

النائم كأن في إحدى إصبعي سمنا وفي الأخرى عسلا وأنا ألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تقرأ الكتابين التوراة والفرقان» فكان يقرؤهما.

وخرجه أبو نعيم في "الحلية" من طريق أحمد بن حنبل.

وكان عبد الله قد أصاب فيما بلغنا يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما تجوز حكايته والتحديث به.

وكان يحدث بأشياء من التوراة أيضا، كما خرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مكتوب في التوراة: من تجر فجر، ومن حفر حفرة سوء لصاحبه وقع فيها.

وحدث به الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن بكير، عن الليث بنحوه.

وجنح بعض المتأخرين وتابعه بعض أصحابه إلى أن هذا الوصف المذكور في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن التوراة لا يريد


#110#

به التوراة المعينة [التي هي كتاب موسى عليه السلام، فإن لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور يراد به الكتب المعينة] تارة، ويراد به الجنس تارة، فقوله: (أخبرني بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة) إما أن يريد به جنس الكتب المتقدمة، وكلها يسمى توراة، ويكون هذا الوصف في بعضها، أو يريد به التوراة المعينة كتاب موسى عليه السلام.

قال بعض أصحابه: وعلى هذا فيكون هذا في نسخة لم ينسخ منها هذه النسخ، فإن النسخ الموجودة بالتوراة التي وقف عليها شيخنا قال: ليس فيها هذا.

قلت: هذا كله يدور على أن التوراة لم تبدل لفظا وهذا خطأ فاحش واعتقاد شنيع، فإن النسخ الموجودة بالتوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل ما لا يخفى، والتوراة التي بأيدي اليهود تخالف التوراة التي بأيدي السامرة، ومن وقف عليهما علم ما بينهما من التباين والتغيير والتناقض والتبديل.

والصحيح وهو الذي سبق الفهم إليه أنه أريد في هذا الحديث كتاب موسى الذي أنزل عليه، وقد جاء مصرحا بذلك، فزال اللبس والاشتباه، وبطل كل قول سواه، وذلك فيما أخبرناه أبو محمد عبد القادر بن أبي إسحاق الحريري الصالحي بقراءتي عليه بها، أخبرتنا فاطمة بنت أبي عمر أخبرنا أحمد بن أبي محمد النابلسي، أخبرنا إسماعيل بن علي الشروطي، أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحافظ، أخبرنا أبو الحسن عبد الدائم الهلالي، أخبرنا عبد الوهاب بن الحسن الدمشقي، أخبرنا


#111#

أبو بكر محمد بن خريم بدمشق قراءة عليه، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا محمد بن حمزة بن عبد الله بن سلام: عن جده عبد الله بن سلام: أنه لما سمع بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خرج إليه فلقيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أنت ابن سلام عالم أهل يثرب؟»

قال: نعم.

قال: «فناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء، هل تجد صفتي في كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه السلام»

قال عبد الله بن سلام: أنسب ربك يا محمد.

فأرتج على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له جبريل: {قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد} قال ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وأن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب الله: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى تستقيم به الملة المعوجة، حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلوفا.


#112#

وخرجه الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي في "مسنده" من حديث سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام رضي الله عنه أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن يشهد أن لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.

قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبا يقول مثل ما قال ابن سلام.

وحدث به الإمام أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي الفسوي الحافظ في كتابه "التاريخ والمعرفة" فقال: حدثنا أبو صالح حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن هلال بن أسامة فذكره بنحوه.

وأشار إليه البخاري في "صحيحه" فعلقه، فقال: وقال سعيد عن


#113#

هلال عن عطاء عن ابن سلام.

وأبو واقد صحابي مشهور اسمه: الحارث بن عوف بن أسيد، وقيل: عوف بن الحارث، وقيل: الحارث بن مالك.

وقال الوليد بن مسلم: حدثنا سلم حدثنا جعفر بن الزبير سمعت عبادة بن نسي الكندي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: يا رسول الله، نجدكم في كتاب الله: أمة حمادون، مولد نبيهم بمكة، وهجرتهم بطيبة وجهادهم بالشام، يأتزرون على أنصافهم، ويطهرون أطرافهم، أصواتهم بالليل] في المساجد كأصوات نحل في أقارها يأتون يوم القيامة غرا محجلين.

حدث به هشام بن عمار في كتابه "المبعث" عن الوليد.

وجاء نحوه عن كعب، حدث به يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال: نجده: محمد رسول الله، واسمه: المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عورا،


#114#

ويسمع به آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه.

وخالفه وهب بن جرير، عن أبيه، [عن جده]، عن ابن إسحاق، وذلك فيما أخبرتنا به أم عمر كلثوم بنت الحافظ أبي المعالي محمد بن رافع السلامي، أخبرنا أبو الفضل عبد الرحيم بن إبراهيم وأنا في الرابعة شاهده أخبرنا [جدي: إسماعيل بن إبراهيم سماعا، أخبرنا أبو طاهر بن إبراهيم الدمشقي، أخبرنا هبة الله بن أحمد، أخبرنا] محمد بن مكي بن عثمان المصري، قدم علينا دمشق، قراءة عليه في شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وأربع مائة، أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد البغدادي في منزله بمصر سنة ست وتسعين وثلاثمائة، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي،


#115#

حدثنا أبو معمر، حدثنا يحيى بن محمد القطعي، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن غيلان بن شرحبيل –أحد بني عبد الدار- عن أم الدرداء الأنصارية، عن أبي الدرداء قال: قلت لكعب: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كنا نجده موصوفا بها: محمد رسول الله، المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، أعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عميا، ويسمع به آذانا صما، وتقوم به ألسنا معوجة، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، يعين المظلوم ويمنعه، وينتصر للظالم من أن يستضعف.

لكن وجدته في "مغازي ابن إسحاق" التي رواها أبو الفضل [محمد ابن] يحيى بن الفياض الزماني، حدثنا وهب، حدثني أبي، عن [محمد بن] إسحاق، قال: حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل –أخو بني عبد الدار- عن أم الدرداء –فذكره كنحو رواية يونس.

وقال أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتاب "الشريعة": أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناجية، حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، حدثني عمي: يعقوب، حدثنا أبي، عن الوليد بن


#116#

كثير، عن ابن حلحلة ، عن طلحة بن عبيد الله الخزاعي، أنه سمع أم سلمة –زوج النبي صلى الله عليه وسلم- تقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الكتب ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يوقد بالسيئة إذا سمعها، ولكن يطفئها بعثته، أعطيته مفاتيح ليفتح عيونا عميا، ويسمع آذانا وقرا، ويقيم ألسنة معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله".

تابعه محمد بن رزق الله الكلوذاني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن الوليد بن كثير المدني، عن محمد بن عمرو بن حلحلة: أن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أخبره أنه سمع أم سلمة- فذكره بنحوه.

وخرج أبو محمد الدارمي في "مسنده" من حديث معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سأل كعب الأحبار:


#117#

كيف تجدون نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة، ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا بسخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون لله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجد، يؤضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلواتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء.

ورواه هشام بن عمار في كتابه "المبعث" عن إسماعيل بن عياش العنسي، عن عبد الله بن دينار وغيره، عن كعب الأحبار قال: مكتوب في التوراة: محمد رسول الله، مولده بمكة..، فذكره بنحوه.

وخرج الحافظ أبو نعيم في كتابه "حلية الأولياء" من حديث خالد ابن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال: أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال لكعب الأحبار: أخبرني عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.


#118#

قال: أجدهم في كتاب الله أنه أحمد وأمته حمادون يحمدون الله على كل خير وشر، يكبرون الله على كل شرف، ويسبحون الله في كل منزل، نداؤهم في جو السماء، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل على الصخر، يصفون في الصلاة كصفوف الملائكة، ويصفون في القتال كصفوفهم في الصلاة، إذا غزوا في سيبل الله كانت الملائكة بين أيديهم ومن خلفهم برماح شداد، إذا حضروا الصف في سبيل الله كان الله عليهم مظلا –وأشار بيده- كما تظل النسور على وكورها، لا يتأخرون زحفا أبدا حتى يحضرهم جبريل عليه السلام.

وقال أبو الحسن علي بن الخضر بن سليمان بن سعيد السلمي في كتابه "شرف النبي صلى الله عليه وسلم": أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن العقب،


#119#

حدثنا جد أبو القاسم علي بن يعقوب، حدثنا أبو عبد الملك القرشي، حدثنا محمد بن عائذ، حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن عبد الملك بن عمير، عن كعب الأحبار رحمه الله قال: إني لأجد في كتاب الله سطرين: [في] أحدهما: محمد رسول الله، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ومولده بمكة، ومهاجره طيبة، وملكه بالشام، وفي السطر الثاني: محمد رسول الله، أمته الحمادون، يحمدون الله عز وجل في السراء والضراء، ويكبرونه على كل شرف، ويوحدونه على كل منزلة، رعاة الشمس، يأتزرون الأنصاف، ويوضئون الأطراف، تسمع أصواتهم في جو السماء كدوي النحل، صفوفهم في قتالهم كصفوفهم في صلاتهم.

هكذا حدث به أبو عبد الله محمد بن عائذ القرشي الكاتب في كتابه "المغازي"، وقد سقط بين عبد الملك وكعب : رجل.

وخرجه أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة الحافظ في كتابه "التاريخ" عن المنجاب بن الحارث، أخبرنا أبو المحياة، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أخي كعب قال: قال كعب: إنا لنجد نعت النبي صلى الله عليه وسلم في سطرين من كتاب الله عز وجل، نجده في سطر: محمد رسول الله وأمته الحمادون .. .. وذكره بنحوه.


#120#

وأبو المحياة: يحيى بن يعلى بن حرملة الكوفي.

وخرجه الدارمي في "مسنده" من طريق عبد الملك بن عمير، عن ذكوان أبي صالح، عن كعب أنه قال:

في السطر الأول: محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وفي السطر الثاني: محمد رسول الله، أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جو السماء كصوت النحل.

ورواه بشر بن موسى، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن كعب بنحوه.


#121#

ورواه الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب .. .. فذكره.

ورواه إسماعيل بن زكريا عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن كعب.

وجاء من حديث عطاء بن يسار عن كعب.

وقال أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا مصعب بن عبد الله، حدثني الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن أبي صالح السمان، أن كعبا قال: إنا نجد في كتاب الله محمدا، مولده بمكة.

وقال: حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني الأعمش، عن أبي صالح قال: قال كعب: نجد محمدا صلى الله عليه وسلم في الكتب، مولده بمكة.


#122#

وقال حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، [حدثنا] عبد الملك ابن عمير قال: قال كعب: إني أجد في التوراة: عبدي أحمد المختار، مولده بمكة.

وخرج الطبراني في "معجمه الكبير" فقال: حدثنا [سهل بن أبي سهل الواسطي، ثنا الجراح بن مخلد، ثنا إسماعيل بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن فروة، ثنا] أبي، عن أبي هارون: أن سنان بن الحارث حدثه، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صفتي: أحمد المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، يجزي بالحسنة الحسنة، ولا يكافئ بالسيئة، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، وأمته الحمادون، يأتزرون على أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، أناجيلهم في صدورهم، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال، قربانهم الذي يتقربون به إلي دماؤهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار».


#123#

وقال أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي في كتابه "الديباج": حدثنا محمد بن يعقوب التمار، حدثنا مسلمة بن عبد الصمد الحراني، حدثنا إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك، حدثنا إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك، حدثني خالد بن طليق الخزاعي، عن جده عمران بن الحصين قال: أتيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الكوفة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، هل عندك علم في التوراة نقتدي به؟ قال: نعم يا أبا نجيد، إن أول ما أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

وقال الطبراني أيضا في "المعجم": حدثنا أحمد بن الحسن المضري الأبلي، حدثنا أبو عاصم ،


#124#

حدثنا جسر بن فرقد، حدثنا النهاس بن قهم القيسي، عن شداد أبي عمار، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما بلغ ولد معد بن عدنان أربعين رجلا وقعوا على عسكر موسى، فانتهبوه، فدعا عليهم موسى بن عمران عليه السلام فقال: يا رب، هؤلاء ولد معد قد أغاروا على عسكري، وهم قليل. وناجى فلم يجب، فدعا الله عليهم، فقال: يا رب، هؤلاء ولد معد بن عدنان قد أغاروا على عسكري، فأوحى الله إليه: يا موسى بن عمران، لا تدع عليهم، فإن منهم النبي الأمي النذير البشير بجنتي، ومنهم الأمة المرحومة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم بالقليل من العمل، فيدخلهم الجنة بقول: لا إله إلا الله، لأن نبيهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المتواضع في هيئته المجتمع له اللب في سكوته، ينطق بالحكمة، ويستعمل


#125#

الحلم، أخرجته من خير جيل من أمته: قريش، ثم أخرجته من هاشم صفوة قريش، فهم خير من خير، إلى خير يصير، هو وأمته إلى خير يصيرون.

وروى الزبير بن بكار بإسناد له عن مكحول قال: أغار الضحاك بن معد على بني إسرائيل في أربعين رجلا من بني معد، عليهم دراريع الصوف، خاطمي خيلهم بحبال الليف، فقتلوا وسبوا وظفروا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى، إن بني معد أغاروا علينا وأنت نبينا، فادع الله عليهم. فتوضأ موسى عليه السلام وصلى، وكان إذا أراد حاجة من الله عز وجل صلى، ثم قال: يا رب، إن بني معد أغاروا على بني إسرائيل، فقتلوا وسبوا وظفروا، وسألوني أن أدعوك عليهم.

فقال الله عز وجل: يا موسى، لا تدع عليهم، فإنهم عبادي، وإنهم ينتهون عند أول أمري، وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته.

قال: يا رب، ما بلغ من محبتك له؟ قال: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال: يا رب، ما بلغ من محبتك لأمته؟ قال: يستغفرني مستغفرهم فأغفر له، ويدعوني داعيهم فأستجيب له.


#126#

قال: يا رب، فاجعلهم من أمتي، قال: نبيهم منهم.

قال: يا رب، فاجعلني منهم، قال: تقدمت واستأخروا.

قال الزبير: وحدثني علي بن المغيرة قال: لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا على عسكر موسى عليه السلام، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثم أغاروا، فدعا عليهم فلم يجب ثلاث مرات، فقال: يا رب، دعوتك على قوم فلم تجبني فيهم؟ فقال: يا موسى، دعوتني على قوم فيهم خيرتي في آخر الزمان.

وقال أبو قتيبة سلم بن قتيبة: حدثني أبو مودود المديني، حدثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم –صلى الله عليهما وسلم- يدفن معه.

قال: فقال أبو مودود: قد بقي في البيت موضع قبر.

خرجه الترمذي لسلم وقال: هذا حديث حسن غريب. انتهى.

أبو مودود هذا: اسمه عبد العزيز بن أبي سليمان المديني.

وكان في عصره رجل آخر يقال له: أبو مودود –وهو بصري- سكن الري اسمه: فضة، روى عن سليمان التيمي وغيره. ولهم شيخ ثالث


#127#

يقال له: أبو مودود. واسمه: بحر بن موسى، بصري أيضا، روى عن الحسن، وعنه حفيده موسى بن زياد بن بحر، وغيره.

وأما عثمان بن الضحاك: شيخ أبي مودود، فقال أبو القاسم بن عساكر في "ألأطراف": هكذا قال عثمان بن الضحاك، والمعروف الضحاك بن عثمان.

ورده الحافظ أبو الحجاج المزي، فقال في "الأطراف": هو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان. ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان. انتهى.

قلت: وقد ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" على الصواب فقال: وقال لي الحزامي: حدثنا محمد بن صدقة، سمع عثمان بن الضحاك بن عثمان، أخبرني محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده: ليدفنن عيسى ابن مريم مع النبي صلى الله عليه وسلم .

هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه.


#128#

قاله البخاري.

وخرجه أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتاب "الشريعة" ففال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الله بن نافع الصائغ، عن الضحاك بن عثمان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، [عن أبيه] رضي الله عنه قال: الأقبر الثلاثة: قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر أبي بكر رضي الله عنه، وقبر عمر رضي الله عنه، وقبر رابع يدفن فيه عيسى ابن مريم عليهما السلام.

كذا ذكره، فأسقط منه "محمد بن يوسف".

وقال أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي في


#129#

"مسنده": حدثنا أحمد بن شبويه المروزي، حدثني سليمان بن صالح، حدثني عبيد الله، عن نافع قال: قبر أبي بكر [رضي الله عنه] عند رجل قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر رضي الله عنه خلف [قبر] أبي بكر، وبقي ثم موضع قبر. قال عبيد الله : فسمعت رجلا يحدث عبد العزيز بن أبي داود قال: بلغنا عن كعب قال: موضع القبر لعيسى ابن مريم عليهما السلام.

وقال هشام بن عمار في كتابه "المبعث": حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: ذكر لنا أن موسى عليه السلام قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة، خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، أناجيلهم في صدورهم، يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقتلون فضول الضلالة حتى يقتل الأعور الكذاب، يأكلون صدقاتهم في بطونهم ويؤجرون عليها، إذا هم أحدهم بالحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإذا عملها كتب له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، فهم المستجيبون والمستجاب لهم، هم المشفعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: فنبذ الألواح وقال: رب اجعلني من أمة أحمد.


#130#

قال: فأعطاه الله تعالى خصلتين لم يعطوهما، قال الله: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي}. قال: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}.

تابعه محمد بن عائذ عن الوليد.

وقال هشام أيضا: وقال: حدثنا شعيب بن إسحاق، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بمثله، وزاد فيه: أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة، أمة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها كتب له حسنة، وإذا عملها كتب عليه سيئة واحدة.

وخرج الحافظ أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه "التاريخ" عن جبارة بن المغلس، حدثنا الربيع بن النعمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن موسى عليه السلام لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون؛ فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الشافعون المشفوع لهم، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم، يقرأونه ظاهرا،


#131#

فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم فيؤجرون عليها، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتب له عشر حسنات فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والآخر فيقتلون فرق الضلالة المسيح الدجال، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، فاجعلني من أمة أحمد قال: فأعطي عند ذلك خصلتين فقال: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} قال: قد رضيت يا رب».

وأنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد السعدي، أخبرنا أبو بكر بن أحمد [بن عبد الله] بن عبد الدائم سماعا، أخبرنا الحسين بن المبارك البغدادي، أخبرنا أبو زيد جعفر بن زيد


#132#

الحموي في كتابه "رسالة البرهان في نصرة القرآن" قال:

وأخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر الفقيه بقراءتي عليه، أخبرنا الشيخ أبو القاسم علي بن البندار، أخبرنا أبو عبد الله عبيد الله بن حمدان العكبري إذنا، حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريح، [حدثنا] أبو محمد جبارة بن المغلس الحماني، حدثنا الربيع بن نعمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما قرأ موسى عليه السلام الألواح وجد فيها ذكر هذه [الأمة] فقال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الشافعون المشفوع لهم، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني


#133#

أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها ظاهرا، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء –يعني: الغنائم- فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم ويؤجرون عليها، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، فإن عملها كتبت [له] عشرا، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والآخر فيقتلون فرق الضلالة المسيح الدجال، فاجعلها أمتي. قال: [تلك] أمة أحمد. قال: يا رب، فاجعلني من أمة أحمد. قال: فأعطي عند ذلك خصلتين؛ قال: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} قال: قد رضيت يا رب، [قد رضيت يا رب]».


#134#

ورواه أبو بكر محمد بن أبي زكريا يحيى بن أحمد الفقيه الهمداني، فقال: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا محمد بن إدريس، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني أبو سهيل، عن الحسن: أن موسى [عليه السلام] قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة هم السابقون الآخرون، فاجعلهم أمتي. قال: تيك أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون المستجاب لهم، فاجعلهم [من أمتي]. قال: تيك أمة محمد صلى الله عليه وسلم [قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة هم السابقون المشفع لهم فاجعلهم من أمتي. قال: تيك أمة أحمد] قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة القرآن في صدورهم، فاجعلهم من أمتي. قال: تلك أمة أحمد. [قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة يأكلون الصدقة في بطونهم ويؤجرون عليها، فاجعلهم من أمتي. قال: تيك أمة أحمد]. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بالحسنة كتبت له حسنة واحدة، فإذا عملها كتبت له عشر حسنات، فاجعلهم من أمتي. قال: تيك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة ثم تركها لم تكتب، فإن عملها كتبت عليه سيئة [واحدة]، فاجعلهم من أمتي. قال: تيك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في التوراة أمة يقرأون


#135#

الكتاب الأول ويقرأون الكتاب الآخر ويقتلون المسيح الدجال، فاجعلهم من أمتي. قال: تيك أمة أحمد. قال: يا رب، فاجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم [قال]: فعند ذلك أعطى الله تعالى موسى عليه السلام خصلتين؛ قال: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين}. قال: فقال موسى عليه السلام: [قد] رضيت يا رب.

وخرجه الإمام الزاهد العارف أبو بكر محمد بن أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب البخاري الكلاباذي في كتابه "معاني الأخبار" فقال: حدثنا محمد بن عبد الله أبو بكر الرازي، حدثنا أبو جعفر بن ذريح العكبري بها، أخبرنا أبو محمد الحماني بالكوفة، حدثنا الربيع بن نعمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام ..» وذكر الحديث بطوله نحوه.

ثم قال الإمام أبو بكر عقيبه: إن الكليم المعلى قدره الجليل خطره الرفيع ذكره الجلي نوره، فكان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ.


#136#

حدثنا الشريف أبو الحسن محمد بن علي الحسيني، حدثنا محمد بن أحمد بن سعيد بهمدان، حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا همام، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما تجلى الله عز وجل لموسى بن عمران عليه السلام كان يبصر النملة [على الصفا] في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ».

فهذا المكلم الكريم على الله عز وجل لما رأى صفات أمة أحمد المحمودين وأكرم المولودين وحبيب رب العالمين اغتبطهم على ما أوتوا بقوله: هم الآخرون السابقون. اغتبطهم على ما في السبق [لا على السبق]، والذي في السبق هو التقريب، قال الله تعالى: {والسابقون السابقون . أولئك المقربون}، فكان اغتباطه إياهم على تقريب الحق لهم لا على السبق [الذي] هو صفتهم، اغتبطهم على قصد الحق لهم بتقريبهم منه وإدنائه إياهم، فاغتبطهم على ما منه إليهم لا على ما منهم إليه، لأن الشرف فيما منه دون ما منهم.


#137#

كذلك قوله: الشافعون المشفوع لهم. اغتبطهم على أنهم شافعون لا على أنهم مشفوع لهم، لأن الشفيع إنما يكون المختص المقرب الحبيب المحبب.

وخرج أبو الحسن علي بن الخضر بن سلمان بن سعيد السلمي [في كتابه] الدمشقي وفيه لين في كتابه "شرف النبي صلى الله عليه وسلم" من طريق عاصم بن علي، حدثنا ليث، أخبرني عبد الله مولى غفرة: أن موسى عليه السلام جعل كلما مرت به صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: يا رب، اجعلهم من أمتي قال: إني أعطيتهم غيرك، إنها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما كثر ذلك عليه قال: رب اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وروي نحوه مطولا فيما حدث به محمد بن أحمد بن البراء العبدي، عن عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: وذكر وهب بن منبه: أن الله عز وجل لما قرب موسى نجيا قال: "رب، إني أجد في التوراة


#138#

أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. وذكر الحديث.

وقد جاء من حديث كعب الأحبار فيما خرجه الحافظ أبو نعيم أيضا في كتابه "حلية الأولياء" فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد، عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري، عن أبيه:

أن كعب الأحبار رأى حبرا اليهودي يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت بعض الأمر. فقال له كعب: أنشدك لئن أخبرتك ما أبكاك لتصدقني؟ قال: نعم. قال: أنشدك بالله، هل تجد في الكتاب المنزل أن موسى عليه السلام نظر في التوراة، فقال: رب، إني أجد أمة في التوراة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، يقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال. فقال موسى: رب، اجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى"؟ قال: الحبر: نعم.

قال كعب: فأنشدك بالله، [هل] تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: "رب، إني أجد أمة هم الحمادون رعاة


#139#

الشمس المحكمون، إذا أرادوا أمرا قالوا: نفعله إن شاء الله. فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى"؟ قال الحبر: نعم.

قال كعب: فأنشدك بالله، [هل] تجد في كتاب الله المنزل أن موسى عليه السلام نظر في التوراة فقال: رب، إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم –وكان [الأول] يحرقون صدقاته بالنار، غير أن موسى كان يجمع صدقات بني إسرائيل، فلا يجد عبدا مملوكا ولا أمة إلا اشتراه ثم أعتقه من تلك الصدقة، وما فضل حفر له بئرا عميقة القعر فألقاه فيها ثم دفنه كي لا يرجعوا فيه – وهم المستجيبون والمستجاب لهم، الشافعون المشفوع لهم. قال موسى: فاجعلهم من أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.

قال كعب: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد، حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء، فاجعلهم [من] أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.

قال كعب: أنشدك بالله، [هل] تجد في كتاب الله المنزل أن موسى


#140#

نظر في التوراة فقال: رب، إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإن عملها ضعفت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة مثلها، فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى"؟ قال الحبر: نعم.

قال كعب: أنشدك بالله [هل] تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب، إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب، واصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحدا منهم إلا مرحوما، فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.

قال كعب: أنشدك بالله، تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب، إني أجد في التوراة أمة مصاحفهم في صدورهم، يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة، يصفون في صلاتهم كصفوف الملائكة، أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحد إلا من برئ من الحسنات مثل ما برئ الحجر من ورق الشجر. قال موسى: فاجعلهم من أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.

فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأوحى الله إليه ثلاث آيات


#141#

يرضيه بهن: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين}، {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} إلى قوله: {دار الفاسقين}. وقال: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}.

قال: فرضي موسى كل الرضا.

وخرج أبو نعيم في "الحلية" أيضا من حديث أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، حدثنا وهب بن السماك، عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: قال كعب الأحبار: قال موسى عليه السلام: إني لأجد في الألواح صفة قوم على قلوبهم من النور مثل الجبال الرواسي، تكاد الجبال والرمال أن تخر لهم سجدا من النور، فسأل ربه عز وجل وقال: رب، اجعلهم أمتي. قال الله عز وجل: يا موسى، إني اخترت أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعلتهم أئمة الهدى، وهؤلاء طوائف من أمته.

قال: يا رب، فيما بلغوا هؤلاء حتى آمر بني إسرائيل فيعملوا مثل عملهم، وأبلغ نعتهم؟ قال: يا موسى، إن الأنبياء كادوا أن يعجزوا عما أعطيته أمة محمد صلى الله عليه وسلم يا موسى ، بلغوا أنهم تركوا الطعام الذي أحللت لهم رغبة فيما عندي، وكان عيشهم في الدنيا الفلق [من الخبز] والخلق من الثياب، أيسوا من الدنيا فأيست الدنيا منهم، أقربهم مني وأحبهم إلي أشدهم جوعا وأشدهم عطشا .. .. وذكر الحديث بطوله.


#142#

وخرج أيضا في "الحلية" من حديث معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البكالي قال: انطلق موسى عليه السلام بوفادة إسرائيل، فناجاه ربه عز وجل فقال: إني أبسط لكم الأرض طهورا ومسجدا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا في الحمام أو مرحاض أو عند قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وإني أنزل عليكم التوراة تقرؤونها على ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤكم وصبيانكم قالوا: لا نصلي إلا في كنيسة، ولا نجعل السكينة في قلوبنا، نجعل لها تابوتا تحمل فيه، ولا نقرأ كتابنا إلا نظرا. قال الله تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} إلى قوله: {لعلكم تهتدون}. قال موسى: يا رب، فاجعلني نبيهم. قال: إن نبيهم منهم. قال: يا رب، أخرني حتى تجعلني منهم. قال: إنك لن تدركهم. قال موسى: يا رب، جئت بوفادة بني إسرائيل، فصارت الوفادة لغيرهم. قال الله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. قال: فكان نوف البكالي يقول: احمدوا ربكم الذي شهد غيبتكم وأخذ بسهمكم، جعل وفادة بني إسرائيل لكم.

رواه جرير عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب مثله.


#143#

ورواه يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني حدثني نوف، فذكره بنحوه مختصرا.

وقال أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، من هذه الأمة المرحومة؟ قال: أمة أحمد، هم يرضون بالقليل من العطاء، وأرضى منهم بالقليل من العمل، وأدخلهم الجنة بأن يقولوا: لا إله إلا الله.

وحدث به أبو بكر بن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين، حدثنا يزيد بن هارون .. فذكره.

وقال أحمد بن عبيد بن ناصح: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثني عثمان بن الضحاك بن عثمان، عن زيد بن الهاد، عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا مالك عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة –وكان من علماء اليهود- فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير: أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء، وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه،


#144#

ويغسل أطرافه، في عينه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ليس بالقصير، ولا بالطويل، يلبس الشملة، ويجتزىء بالبلغة ويركب الحمار، ويمشي في الأسواق، سيفه على عاتقه، لا يبالي من لقي من الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، مولده مكة، ومنشؤه وبدء نبوته بها، ودار هجرته يثرب. بين لابتي حرة ونخل، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وهو الحماد يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام، وصاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذى شديدا ثم يدال عليهم فيحصدهم حصدا، يكون له وقعات بيثرب منها له ومنها عليه ثم له العاقبة، معه قوم هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، قربانهم دماؤهم، ليوث النهار رهبان الليل، يرعب عدوه منه مسيرة شهر، مباشر القتال بنفسه حتى يجرح ويكلم، لا شرطة معه ولا حرس، الله يحرسه.

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: يا كعب، وجدت في التوراة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، ثلاثة أثلاث: فثلث بعمله، وثلث برحمة ربه، وثلث بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم -يعني: يدخلون الجنة- وقال عمر: والذي نفسي بيده، ما أبالي في أي الأثلاث دخلت الجنة.


#145#

ويحكى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رجلا من اليهود في بلاد اليمن بعث إلى كعب الأحبار رجلا فقال [له] إن فلانا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة.

فقال كعب: هاتها. فقال: إنه يقول لك: ألم تكن فينا سيدا شريفا مطاعا، فما الذي أخرجك من دينك إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟! قال كعب: أتراك راجعا إليه؟ قال: نعم. قال: فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفر منك وقل له: يقول لك كعب: أسألك بالذي رد موسى إلى أمه، وأسألك بالذي فرق البحر لموسى، وأسألك بالذي ألقى الألواح إلى موسى فيها علم كل شيء، ألست تجد في كتاب الله عز وجل أن أمة أحمد ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يدخلونها برحمة الله، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا؟ فإنه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلني من أي الأثلاث شئت.

وقال أبو محمد بن حيَّان: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا هدبة، حدثنا حماد بن سلمة، عن القاسم أن أبا مسلم الخولاني أسلم على عهد معاوية، فقيل له: ما منعك أن تسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم؟ فقال: إني وجدت هذه الأمة على ثلاثة أصناف: صنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبون حسابا يسيرا، وصنف يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة، فأردت أن أكون من الأولين، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يحاسبون حسابا يسيرا، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة.


#146#

حدث به أبو نعيم في "الحلية" عن أبي محمد، وقال: كذا رواه، أسلم على عهد معاوية، [وإنما كان إسلامه في عهد أبي بكر] ولكن هاجر إلى الأرض المقدسة في أيام معاوية من قبل عمر، وسكنها. انتهى.

وهذه القسمة المذكورة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر محمد بن هارون الروياني في "مسنده": حدثنا محمد بن معمر، حدثنا الحجاج بن نصير، حدثنا أبو طلحة، عن غيلان، عن أبي بردة، عن أبيه رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحشر هذه الأمة على ثلاثة أصناف: صنفا يدخلون الجنة بغير حساب، وصنفا يحاسبون حسابا يسيرا، وصنفا يجيئون على ظهورهم أمثال الجبال الراسية، فيسأل الله عنهم وهو أعلم بهم فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء عباد من عبادك. قال: حطوها عنهم، واجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم برحمتي الجنة».

وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، أخبرنا سالم بن عبد الله، عن عبد الله قال: بينما رجلان يحدث أحدهما صاحبه وكعب الأحبار خلفهما يسمع لا يعلمان مكانه، إذ قال أحدهما لصاحبه: رأيت البارحة كل نبي


#147#

في الأرض، مع كل نبي منهم أربعة مصابيح: مصباح من بين يديه، ومصباح من خلفه، ومصباح عن يمينه، ومصباح عن شماله، ومع كل رجل ممن معه مصباح مصباح، إذا قام رجل منهم فأضاءت الأرض، في كل شعرة في رأسه مصباح، ومع كل رجل ممن معه أربعة مصابيح: مصباح من بين يديه، ومصباح من خلفه، ومصباح عن يمينه، ومصباح عن شماله. قلت: من هذا؟ قالوا: محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال كعب للمحدث: يا عبد الله، عمن تحدث؟ قال: عن رؤيا رأيتها البارحة. فقال كعب: والله، لكأنك نشرت التوراة وقرأت هذا فيها.

حدث به أبو عبد الله محمد بن عائذ القرشي الكاتب [في كتابه] "المغازي" عن الوليد، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان –فذكره.

وحدث به أبو القاسم الطبراني، عن محمد بن صالح النرسي، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن محبب أبو همام الدلال، حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار: أنه سمع رجلا يحدث عن رؤيا رآها في منامه، قال الرجل: رأيت الناس أجمعوا للحساب، ثم دعيت الأنبياء، مع كل


#148#

نبي من آمن من أمته، ولكل نبي منهم نوران يمشي بهما، ولمن اتبعه من أمته نور واحد يمشي به، حتى دعي محمد النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لكل شعرة من رأسه ووجهه نور على خده يتبينه من نظر إليه، ولكل من اتبعه من أمته من مؤمن نوران كنور الأنبياء. فناشده كعب بالله الذي لا إله هو لرأيتها في منامك؟ فقال الرجل: نعم، والله، لقد رأيتها. فقال كعب: والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، إن هذا لصفة الأنبياء والأمم، لكأنما قرأها من التوراة.

وخرجه أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الختلي في كتابه "الديباج"، فقال: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو عبد الرحمن العيشى [حدثنا حماد بن سلمة] حدثنا موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا حدث قوما فيهم كعب، فقال: رأيت فيما يرى النائم كأن الأمم جمعت، فميز أهل الجنة وأهل النار، فكان لكل نبي نوران ولمن تبعه نور، وإذا محمد صلى الله عليه وسلم لكل شعرة من رأسه وجسده نور يتبعه من نظر إليه، ولمن تبعه من أمته نوران نوران مثل الأنبياء. قال: [فقال] له كعب: من حدثك بهذا؟ فقيل لكعب: إنما هي رؤيا رآها. فقال له كعب: آلله رأيتها فيما يرى النائم؟ قال: نعم. قال: فقال كعب: والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم، إني أجد في التوراة نعت الأنبياء وأممهم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم وأمته كما رأيت.


#149#

-تابعهما ابن جريج عن موسى بن عقبة بنحوه.

وأخبرناه أبو هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد الله الذهبي بقراءتي عليه، أخبرنا يحيى بن محمد المقدسي في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، أنبأنا الحسن بن يحيى المخزومي، أخبرنا عبد الله بن رفاعة سماعا، أخبرنا علي بن الحسن القاضي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن رزيق المخزومي المعروف بـ (الكوفي) قراءة عليه وأنا أسمع، حدثنا إسماعيل ابن يعقوب البغدادي المعروف بـ (ابن الجراب) إملاء سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قص رجل رؤيا رآها وكعب يسمع، قال: فقال: رأيت الأنبياء بعثوا وأتباعهم، ورأيت لكل نبي منهم نورين ولأتباعهم نورا نورا، ورأيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نورا عدد شعره، ولأمته لكل رجل منهم نورين [نورين قال]: قال كعب: أنت رأيت هذه الرؤيا؟ قال: نعم. قال: والذي نفس كعب بيده، إنه لفي كتاب الله عز وجل لكما رأيت.

وعلقه أبو الحسن علي بن أبي طالب القيرواني العابر في كتابه "رسالة البرهان في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام" فقال: وقال عبد الملك بن حبيب: حدثني عبد العزيز الأويسي، عن القاسم العمري، عن سالم بن عبد الله بن


#150#

عمر، عن أبيه: أنه وكعب الأحبار سمعا رجلا يحدث أنه رأى في المنام أن الناس جمعوا للحساب، ثم دعا الأنبياء مع كل نبي [أمته وأنه رأى لكل نبي] نورين يمشي بهما، ومن اتبعه من أمته مؤمنا فله نور واحد يمشي به حتى دعي محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا لكل شعرة في رأسه وجسده نور، وإذا لمن اتبعه نوران كنور الأنبياء. فقال كعب ولا يشعر أنها رؤيا: بالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت ما تقول؟ فقال الرجل: نعم، والله لقد رأيت ذلك. فقال كعب: والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق إن هذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته وصفة الأنبياء والأمم في كتاب الله، كأنك قرأتها من التوراة.

ويذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أن موسى عليه السلام تمنى أن يكون في أيامه، فلم تسلم على يديه، ثم أدركت أبا بكر –رضي الله عنه وهو خير مني- فلم تسلم على يديه، ثم أسلمت في أيامي؟! قال: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فإني كنت أتثبت حتى أنظر كيف الأمر، فوجدته كيف هو في التوراة. فقال عمر: كيف هو في التوراة؟ [قال: رأيت في التوراة] أن سيد الخلق والصفوة من ولد آدم وخاتم النبيين يظهر من جبال فاران من منابت القرظ من الوادي المقدس، فيظهر التوحيد والحق، ثم ينتقل إلى الطيبة، فتكون حروبه بها وأيامه، ثم يقبض فيها ويدفن بها. قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلي من بعده [الشيخ الصالح. قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يموت متبعا. قال عمر: ثم ماذا؟ قال


#151#

كعب: ثم يلي] القرن الحديد قال عمر: واذفراه. وذكر الحديث.

وجاء تسمية "عمر" بذلك في التوراة من رواية الطبراني حدثنا علي بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حثنا محمد بن ثور، عن المنذر بن النعمان الصنعاني، عن وهب بن منبه قال: صفة عمر بن الخطاب في التوراة: "قرن من حديد" أو "أمين شديد".

وجاء عن يزيد بن هارون، أخبرنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن الأقرع مؤذن عمر: أن عمر رضي الله عنه مر على الأسقف، فقال: هل تجدونا في شيء من كتبكم؟ قال: نجد صفتكم وأعمالكم ولا نجد أسماءكم. قال: كيف تجدوني؟ قال: قرن من حديد قال عمر: قرن من حديد ماذا؟ قال: أمير المؤمنين أمير شديد. قال عمر. الله أكبر والحمد لله.

وخرجه أبو داود في "سننه" من حديث حماد بن سلمة، عن


#152#

الجريري بنحوه.

وفي الأثر الذي قدمناه: أن كعبا أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه.

قال محمد بن سعد في كتابه "الطبقات": أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قال العباس رضي الله عنه لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟ فقال كعب: إن أبي كتب لي كتابا من التوراة ودفعه إلي وقال: أعمل بهذا. وختم على سائر كتبه، وأخذ علي بحق الوالد على ولده أن لا أفض الخاتم، فلما كان الآن رأيت الإسلام يظهر ولم أر بأسا، فقالت لي نفسي: لعل أباك غيب عنك علما كتمك، فلو قرأته. ففضضت الخاتم، فقرأته فوجدت فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فجئت الآن مسلما.

وجاء أن كعبا أسلم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه محمد بن شجاع الثلجي في "السير" عن الواقدي قال: فحدثني إسحاق بن عبد الله بن


#153#

نسطاس، عن عمر بن عبد الله العبسي قال: قال كعب: لما قدم علي رضي الله عنه اليمن لقيته، فقلت: أخبرني عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم فجعل يخبرني عنه وجعلت أتبسم، فقال: مم تتبسم؟ فقال: مما يوافق ما عندنا من صفته. فقلت: ما يجب وهي عندنا كما وصفت وصدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به، ودعوت من قبلنا من أحبارنا، وأخرجت إليهم سفرا، فقلت: هذا كان أبي يختمه علي ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب. قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي أبو بكر رضي الله عنه فقدمت في خلافة عمر رضي الله عنه ويا ليت أني تقدمت في الهجرة.

وحدث ابن سعد في "الطبقات": حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لأخطب يوما على الناس وحبر من أحبار يهود واقف في يده سفر ينظر فيه، فناداني، فقال: صف لنا أبا القاسم. فقال علي رضي الله عنه: رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير ولا بالطويل البائن، وليس بالجعد القطط، ولا بالسبط، هو رجل الشعر أسوده، ضخم الرأس، مشرب لونه بحمرة، عظيم الكراديس، شثن الكفين والقدمين، طويل المسربة –وهو: الشعر الذي يكون في النحر إلى


#154#

السرة- أهدب الأشفار، مقرون الحاجبين، صلت الجبين، بعيد ما بين المنكبين، إذا مشى يتكفأ كأنما ينزل من صبب، لم أر قبله ولم أر بعده مثله.

قال علي: ثم سكت.

فقال لي الحبر: وماذا؟ قال علي: هذا ما يحضرني.

قال الحبر: في عينيه حمرة، حسن اللحية، حسن الفم، تام الأذنين، يقبل جميعا ويدبر جميعا.

قال علي: هذه والله صفته.

قال الحبر: وشيء آخر.

قال علي: وما هو؟

قال الحبر: فيه جنأ.

قال علي: هو الذي قلت لك، كأنما ينزل من صبب.

قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، ونجده يبعث من حرم الله وأمنه وموضع بيته، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو فيكون له حرمة كحرمة الحريم الذي حرم الله، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم قوما من ولد عمرو بن عامر أهل نخل وأهل الأرض قبلهم يهود.

قال علي: هو هو، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.


#155#

فقال الحبر: فإني أشهد أنه نبي وأنه رسول [الله] إلى الناس كافة، فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله.

قال: فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن، ويخبره بشرائع الإسلام، ثم خرج علي والحبر هنالك حتى مات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وهو مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدق به.

وروى محمد بن إسحاق من حديث عدي بن عميرة أبي زرارة الكندي رضي الله عنه قال: كان بأرضنا حبر من اليهود يقال له: ابن شهلاء، فالتقيت أنا وهو، فقال: إني أجد في كتاب الله: أن أصحاب الفردوس قوم يعبدون الله ربهم، على وجوههم، لا والله، ما أعلم هذه الصفة إلا فينا معشر اليهود، وأجد نبيها يخرج من اليمن، لا نراه يخرج إلا منا.

قال عدي رضي الله عنه: فوالله ما لبثت حتى بلغنا: أن رجلا من بني هاشم قد تنبأ .. .. فذكرت حديث ابن شهلاء، فخرجت إليه، فإذا هو ومن تبعه يسجدون على وجوههم، ويزعمون أن إلههم في السماء.

حديث غريب، قاله الحافظ أبو عبد الله الذهبي فيما وجدته بخطه في كتابه "العلو للعلي الأعلى" عز وجل.


#156#

$*[من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم بالحلم في التوراة]:$

وقال محمد بن سعد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا جرير بن حازم، [حدثني] من سمع الزهري يحدث: أن يهوديا قال: ما كان بقي شيء من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته، إلا الحلم، وإني أسلفته ثلاثين دينارا إلى أجل معلوم، فتركته حتى إذا بقي من الأجل يوم أتيته، فقلت: يا محمد، اقض حقي، فإنكم معاشر بني عبد المطلب مطل. فقال عمر: يا يهودي الخبيث، أما والله لولا مكانه لضربت الذي فيه عيناك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا حفص، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوج: إلى أن تكون أمرتني بقضاء ما علي، وهو إلى أن تكون أعنته في قضاء حقه: أحوج».

قال: فلم يزده جهلي عليه إلا حلما.

قال: «يا يهودي، إنما يحل حقك غدا» ثم قال: «يا أبا حفص، اذهب به إلى الحائط الذي كان يسأل أول يوم، فإن رضيه فأعطه كذا وكذا صاعا، (وزده لما قلت له كذا وكذا [صاعا])، وإن لم يرضه فأعطه ذلك من حائط كذا وكذا».


#157#

فأتى به الحائط فرضي، فأعطاه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمره من الزيادة، فلما قبض اليهودي تمره قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وأنه والله ما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر [إلا] أني قد كنت رأيت في رسول الله صلى الله عليه وسلم صفاته كلها في التوراة إلا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهد أن هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين.

فقال: فقلت: أو بعضهم. فقال: أو بعضهم. فأسلم أهل بيت اليهودي كلهم إلا شيخا كان ابن مائة سنة، فعسا على الكفر.

وقال أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي: حدثنا يونس –يعني: ابن بكير- الشيباني، عن عبد الرحمن بن الحسين الكناني،


#158#

قال: حدثني محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وحدثني الزهري، قالا: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن قومي أسلموا فزادهم الإسلام فقرا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل قد كان دفع إليه نفقته، فقال: قد أنفقت ما كان معي. قال يهودي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا رجل يعطيك ورقا يسلفك في تمر حائط كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نسمي لك حائطا، ولكن تسلفنا في تمر مسمى في كيل معلوم إلى أجل معلوم» فبايعه اليهودي، ثم حل ورقا معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادفعها إلى الأعرابي» قال: «الحق فأغث بها أهلك». أو قال: «قومك».

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما وضع الميت في قبره وحثوا عليه قام اليهودي، فقال: يا محمد، ألا تقضيني تمري، فوالله ما أعلمكم يا بني عبد المطلب إلا تمطلون الناس بحقوقهم.

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله، لولا مجلسه لوجأت أنفك، وقال الزهري: "لوجأت خطمك".

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مه يا عمر، أنت إلى غير هذا أحوج، إلى أن تأمره فيحسن طلبي وتأمرني فأحسن قضاءه، انطلق معه إلى حائط كذا وكذا» وهو الذي كان أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يسميه له «فأدخله، فقل لفلان يكشف [له] عن الطعام فيريه إياه، فإن رضيه فمره فليوفه ماله، وكل له كذا وكذا صاعا بشتمك إياه».


#159#

فانطلق به عمر فأراه فرضي، فكان له ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي لعمر: إنه لم يكن بقي شيء مما وجدنا في كتابنا مما وصف لنا موسى عليه السلام إلا وقد رأيناه من محمد صلى الله عليه وسلم إلا الحلم، فقد رأيته الآن منه، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأشهدك أن نصف مالي صدقة على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فقال له عمر: إنك قد حققت علي نصيحتك، إنه لا يسعهم كلهم، ولكن اجعله لمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل.

ثم إن هذا اليهودي مات فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمل سريره على عاتقه الأيمن، وحمل علي رضي الله عنه أيضا سريره على عاتقه الأيسر.

وخرج أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" فقال: وحدثنا الحسن [بن] محمد، حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن المتوكل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، حدثني أبي، عن جدي قال: قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: إن الله عز وجل لما أراد هدى زيد


#160#

ابن سعنة قال زيد: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتان لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. فكنت أنطلق إليه لأخالطه فأعرف حلمه من جهله، فخرج يوما من الحجرات – يريد النبي صلى الله عليه وسلم- ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فجاء رجل يسير على راحلته كالبدوي فقال: يا رسول الله ، إن قرية بني فلان أسلموا ودخلوا في الإسلام وحدثتهم : إن هم أسلموا أتتهم أرزاقهم رغدا، وقد أصابتهم سنة وشدة وقحوط من العيش، وإني مشفق أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تغنيهم به فعلت. فقال زيد بن سعنة: فقلت: أنا أبتاع منك بكذا وكذا وسقا، فبايعني وأطلقت همياني، فأعطيته ثمانين دينارا فدفعها إلى الرجل وقال: «اعجل عليهم بها فأغثهم».


#161#

فلما كان قبل المحل بيوم أو يومين أو ثلاثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة بالبقيع ومعه أبو بكر وعمر في نفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة ودنا من الجدار جذبت بردائه جذبة شديدة، حتى سقط عن [عاتقه ثم أقبلت بوجه جهم غليظ، فقلت: ألا تقضيني يا محمد، فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمخالفتكم علم.

قال زيد: فارتعدت فرائص عمر بن الخطاب رضي الله عنه كالفلك المستدير، ثم رمى ببصره، ثم قال: أي عدو الله أتقول هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتصنع به ما أرى وتقول ما أسمع؟! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أخاف فوته لسبقني رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في تؤدة وسكون، ثم تبسم وقال: «لأنا [وهو] أحوج إلى [غير] هذا أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقض حقه، وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما روعته».


#162#

قال زيد بن سعنة: فذهب بي عمر فقضى لي حقي وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذا؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما روعتك.

فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟

فقلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحبر؟

قلت: الحبر. قال: فما دعاك أن تفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت وتقول له ما قلت؟

قلت: يا عمر، إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتان لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرته عليه، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وأشهدكم أن شطر مالي -فإني أكثرها مالا- صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فقال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم كلهم.

قلت: أو على بعضهم.

قال: فرجع عمر وزيد بن سعنة رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

فآمن به وصدقه وبايعه وشهد معه مشاهد كثيرة.

ورواه متابعة لأبي زرعة: أبو الأحوص محمد بن الهيثم، قال:


#163#

حدثنا محمد بن [أبي] السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم فذكره بنحوه، وفي آخره بعد قوله: وشهد معه مشاهد كثيرة: (ثم توفي زيد في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر، يرحم الله زيدا).

تابعهما الحسن بن سفيان النسوي وأبو محمد خشنام بن بشر بن العنبر، عن ابن أبي السري.

وهو [في] "صحيح ابن حبان".

وخرجه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك" من طريق ابن أبي السري هذا وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهو من غرر الحديث، ومحمد بن أبي السري العسقلاني ثقة".


#164#

قلت: هو حافظ رحال، وقد جاء توثيقه عن يحيى بن معين أيضا، لكن قال أبو حاتم: لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط.

مات ابن أبي السري هذا سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وأبو السري اسمه المتوكل كما صرح به في رواية أبي الشيخ.

$*[إسلام عبد الله بن سلام اليهودي تصديقا لما في التوراة]$

وحدث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبد الله، عن رجل من آل عبد الله بن سلام قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم، وكان حبرا عالما قال: سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم [عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم] المدينة فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه صلى الله عليه وسلم وأنا في رأس نخل لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت.


#165#

قال: قلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به.

فقالت: يا ابن أخي، أهو النبي صلى الله عليه وسلم الذي كنا نبشر به أنه يبعث مع نفس الساعة؟

قال: قلت لها: نعم.

قالت: فذاك إذن.

ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامي من اليهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن اليهود قوم بهت وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك تغيبني عنهم، ثم تسألهم عني كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا بذلك بهتوني وعابوني.

قال: فأدخلني بعض بيوته، فدخلوا عليه فكلموه وسألوه، فقال لهم: «أي رجل عبد الله بن سلام؟»

قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا.

قال: فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر اليهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة اسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأؤمن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: كذبت، ثم وقعوا في.

فقلت: يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور.

قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي ابنة الحارث فحسن إسلامها.


#166#

والقصة مخرجة في الصحيحين بمعناها.

ولم أر لخالدة عمة ابن سلام ذكرا إلا في هذا الحديث، والله أعلم.

$*[إسلام النعمان السبائي تصديقا لما في التوراة]$

وذكر الواقدي أن النعمان السبائي رضي الله عنه وكان من أحبار يهود باليمن لما سمع بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إليه، فسأله عن أشياء، ثم قال: إني أبي كان يختم على سفر يقول: لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبي قد خرج بيثرب، فإذا سمعت به فافتحه.

قال نعمان: فلما سمعت بك فتحت السفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة، وإذا ما تحل وما تحرم، وإذا فيه أنك خير الأنبياء، وأمتك خير الأمم، واسمك أحمد صلى الله عليه وسلم، وأمتك الحمادون، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، لا يحضرون قتالا إلا وجبريل معهم يتحنن الله عليهم كتحنن النسر على فراخه.

ثم قال لي: إذا سمعت به، فاخرج إليه، وآمن به وصدق به.


#167#

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع أصحابه حديثه، فأتاه يوما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا نعمان، حدثنا».

فابتدأ النعمان الحديث من أوله، ورؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يتبسم، ثم قال: «أشهد أني رسول الله».

قال: وهو الذي قتله الأسود العنسي، وقطعه عضوا عضوا، وهو رضي الله عنه يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، وأنك كذاب مفتر على الله. ثم حرقه بالنار.

$*[إقرار جماعة من اليهود بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم]$

وقال محمد بن سعد في كتابه "الطبقات": حدثنا علي بن محمد، عن أبي علي العبدي، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثت قريش النضر بن الحارث بن علقمة وعقبة بن أبي معيط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم،


#168#

فقدموا المدينة، فقالوا: أتيناكم لأمر حدث فينا، منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما، يزعم أنه رسول [الله] الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. قالوا: صفوا لنا صفته، فوصفوا لهم، فقالوا: فمن تبعه منكم؟ قالوا: سفلتنا. فضحك حبر منهم وقال: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا علي بن محمد، عن أبي معشر، عن يزيد بن رومان وعاصم بن عمر وغيرهما: أن كعب بن أسد قال لبني قريظة حين نزل بهم النبي صلى الله عليه وسلم في حصنهم: يا معشر يهود تابعوا [هذا] الرجل، فوالله إنه للنبي، وقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي كنتم تجدونه في الكتب، وإنه الذي بشر به عيسى، وإنكم لتعرفون صفته. فقالوا: هو به، ولكن لا نفارق حكم التوراة.

وقال هشام بن عمار في كتابه "المبعث": وحدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا بكير بن معروف أنه سمع محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة قال: هل تدري عم كان


#169#

إسلام ثعلبة وأسد القرظيين؟ قال: لا أدري. قال: فإنه قدم علينا رجل من يهود الشام يقال له: ابن الهيبان، وكنا إذا احتبس عنا المطر قلنا له: استسق لنا. فيقول: حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة صاعا من تمر أو مدين من شعير، ثم نخرج إلى حرتنا نريم حتى تمر الشراج وهو السيل، ففعل ذلك مرارا، ثم حضره الموت فقال: أتدرون ما الذي أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: ما ندري. قال: أطلب زمان نبي قد أظل هذه


#170#

البلدة مهاجره، وأنه يبعث بسفك الدماء، فلا يمنعنكم ذلك، فلما كان الليلة التي أنزل فيها بنو قريظة، فقال لهم بنو سعية: والله، إنه للرجل الذي تقدم إليه فيه ابن الهيبان، فنزلوا فأسلموا، فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأبناءهم ونساءهم.

وحدث به زياد بن عبد الله البكائي، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن حازم، عن ابن إسحاق.

وحدث به محمد بن سعد فقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد: أن إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ابن عمهم إنما كان عن حديث ابن الهيبان أبي عمير، قدم ابن الهيبان –يهودي من يهود الشام- قبيل الإسلام بسنوات، قالوا: وما رأينا رجلا لا يصلي الصلوات الخمس خيرا منه، وكان إذا حبس عنا المطر واحتجنا إليه نقول له: يا ابن الهيبان، اخرج فاستسق لنا.


#171#

فيقول: لا، حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة.

فنقول: وما نقدم؟

فيقول: صاعا من تمر أو مدين من شعير عن كل نفس.

فنفعل ذلك، فيخرج بنا إلى ظهر وادينا، فوالله إن نبرح حتى تمر السحاب فتمطر علينا، فيفعل ذلك بنا مرارا، كل ذلك نسقى، فبينا هو بين أظهرنا حضرته الوفاة.

فقال: يا معشر اليهود، ما الذي ترون أنه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟

قالوا: أنت أعلم يا أبا عمير.

قال: إنما قدمتها أتوكف خروج نبي قد أظلكم زمانه وهذا البلد مهاجره، وكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقن إليه، وذكر الحديث بنحو ما تقدم.

ويذكر أن كعب بن أسد اليهودي قال في كلام طويل: وقد دعوت قومي إلى الدخول مع محمد صلى الله عليه وسلم حين أوقع بني النضير فأبوا، والتوراة إني لأعلم أن محمدا نبي مرسل إلينا وإلى الناس كلهم، ولقد خبرنا بهذا ابن جواس وابن الهيبان وكل حبر عظيم من يهود بوادي القرى وتيماء وفدك وخيبر، ولكنا حسدنا العرب وقلنا: لا نكون أذنابا أبدا، ولقد قرأت في سفر من التوراة لم يبدل ولم يغير صفة محمد صلى الله عليه وسلم كما رأيت وجهه، ولكني لا أتبعه أبدا مخافة أن تعيرني يهود.


#172#

وقال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش –وكان من أصحاب بدر- رضي الله عنهم قال: كان لنا جار من يهود من بني عبد الأشهل، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت.

فقالوا: ويحك يا فلان، أو ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون عند موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟

قال: نعم والذي يحلف به ولود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في داره يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا.

فقالوا له: ويحك يا فلان، ما آية ذلك؟

قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى (مكة) و (اليمن).

قالوا: ومتى تراه؟ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا. فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.

قال سلمة: فوالله، ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا فآمنا به وكفر بغيا وحسدا.

فقلنا له: ويحك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟


#173#

قال: بلى، ولكن ليس به.

وفي بعض طرقه عن سلمة قال: كان لنا جار من اليهود فخرج علينا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى غلسا لنا وأنا يومئذ أحدث القوم، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقالوا له: ما ترى أن ذلك كائن بعد الموت، وإن الناس يجمعون إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون بأعمالهم؟ قال: نعم.

قالوا: وما آية ذلك؟ فقال: نبي يبعث في ناحية من هذه الأرض. وأشار بيده إلى جهة مكة.

قالوا له: ومتى ترى ذلك كائنا؟ قال: عما قريب.

قال سلمة: فقل ما لبث حتى بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم، واليهودي الذي أخبرنا به بين أظهرنا، فكذب به وآمنا.

فقلنا له: ويلك أتكفر بغيا وحسدا، ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟

قال: بلى، ولكن لا أؤمن به.

وقال محمد بن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: كان الزبير بن باطا وكان


#174#

من أعلم اليهود يقول: إني وجدت سفرا كان أبي يختمه علي، فيه ذكر أحمد نبي يخرج بأرض القرظ، صفته كذا وكذا، فتحدث به الزبير بعد أبيه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج عمد إلى ذلك السفر، فمحاه، وكتم شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ليس به.

وروينا من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: حدثت عن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء [في] بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي –حيي بن أخطب- وعمي –أبو ياسر بن أخطب- مغلسين.

قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.

قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم.


#175#

قالت: وسمعت عمي –أبا ياسر- وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله.

قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم.

قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت.

وروينا في "مغازي موسى بن عقبة" عن الزهري قال: كان بالمدينة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثان يعبدها رجال من أهل المدينة لا يتركونها، فأقبل عليهم قومهم وعلى تلك الأوثان فهدموها، وعمد أبو ياسر بن أخطب –أخو حيي بن أخطب وهو أبو صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم- فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه، وذلك قبل أن تصرف القبلة نحو المسجد الحرام، فقال أبو ياسر: يا قوم، أطيعوني، فإن الله عز وجل قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه.

فانطلق أخوه حيي حين سمع ذلك وهو سيد اليهود يومئذ وهما من بني النضير، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إليه وسمع منه، فرجع إلى قومه، وكان فيهم مطاعا، فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا.

فقال له أخوه –أبو ياسر- يا ابن أم، أطعني في هذا الأمر ثم اعصني فيما شئت بعده، لا تهلك.

قال: لا والله، لا أطيعك، واستحوذ عليه الشيطان، فاتبعه قومه على رأيه.

وحدث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان ابن عسال رضي الله عنه قال: قال يهودي لصاحبه: أذهب بنا إلى هذا النبي.

فقال له صاحبه: لا تقل: نبي؛ إنه لو سمعك كان له أربعة أعين.


#176#

فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود [أن] لا تعتدوا في السبت».

قال: فقبلوا يده ورجله، فقالا: نشهد أنك نبي.

قال: «فما يمنعكم أن تتبعوني؟»

قالوا: إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود.

خرجه الترمذي لشعبة وقال: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.

وعبد الله هو: ابن سلمة –بكسر اللام، صاحب علي رضي الله عنه، وروى أيضا عن: عمار وعمر.

قال العجلي ويعقوب بن شيبة: ثقة.

وقال أبو حاتم والنسائي: تعرف وتنكر.

وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.


#177#

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا علي بن محمد –هو ابن أبي عبد الله بن أبي سيف القرشي- عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس فقال: «أخرجوا إلي أعلمكم»، فقالوا: عبد الله بن صوريا، فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فناشده بدينه، وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام: "أتعلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟".

قال: اللهم، نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك لبين عندهم في التوراة، ولكنهم حسدوك.

قال: «فما يمنعك أنت؟»

قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم.

وخرج الإمام أحمد في "مسنده" فقال: حدثنا روح وعفان المعنى، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال عفان: عن أبيه ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله عز وجل ابتعث نبيه صلى الله عليه وسلم لإدخال رجل [إلى] الجنة، فدخل الكنيسة فإذا هو بيهود، وإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتوا على صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكوا، وفي ناحيتها رجل مريض.


#178#

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لكم أمسكتم؟»

فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة، فقرأ حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمته فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لوا أخاكم».

وخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" عن علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا حماد بن سلمة. فذكره.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا علي بن محمد، عن الصلت بن دينار، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي صخر العقيلي رضي الله عنه قال: خرجت إلى المدينة فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يمشي، فمر بيهودي معه سفر فيه التوراة يقرؤها على ابن أخ له مريض بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا يهودي، نشدتك، بالذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وفلق البحر لبني إسرائيل أتجد في توراتك نعتي وصفتي ومخرجي؟» فأومأ برأسه: أن لا.

فقال ابن أخيه: لكني أشهد بالذي أنزل التوراة على موسى، وفلق البحر لبني إسرائيل، إنه ليجد نعتك وصفتك ومخرجك في كتابه، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقيموا اليهودي عن صاحبكم».


#179#

وقبض الفتى فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأجنه.

وخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده" ولفظه: عن أبي صخر العقيلي صلى الله عليه وسلم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يفري بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟»

فقال برأسه هكذا، أي: لا، فقال ابنه –يعني: الذي في النزع-: إي والذي أنزل التوراة، إنا لنجد في التوراة صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

فقال: «أقيموا اليهودي عن أخيكم» وولي كفنه والصلاة عليه.

وخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه "المحتضرين" عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت مرة إلى المدينة [جلوبة] في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغت من ضيعتي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه ما يقول، فتلقاني بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود، وقد نشر التوراة يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، وذكر الحديث.


#180#

أخبرنا به المسند الكبير أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن الذهبي بقراءتي عليه، أخبرنا البهاء أبو محمد القاسم بن المظفر الدمشقي قراءة عليه وأنت تسمع فأقر به، أخبرنا أبو الوفاء محمود بن إبراهيم بن سفيان بن منده في كتابه، أخبرنا أبو الخير محمد بن أحمد بن محمد بن الباغبان قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب بن منده، أخبرنا أبي الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده العبدي، أخبرنا أبو عمرو مولى بني هاشم ومحمد بن يعقوب، قالا: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن قدامة، حدثني رجل أعرابي قال: جلبت جلوبة إلى المدينة، فلما فرغت قلت: والله لآتين هذا الرجل –يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم فأسمع منه، فلقيني بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فجعلت أقفوهم، فبينما هو يمشي إذ مر على يهودي وبين يديه ابن له في الموت كأحسن الرجال، وهو ناشر التوراة يعزي بها نفسه، فقام عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا يهودي، أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدون في التوراة صفتي ومخرجي؟»

فقال برأسه: لا.

فقال ابنه: بلى والذي بعثك بالحق إنا لنجد صفتك ومخرجك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيموا اليهودي عن أخيكم» وولي رسول الله صلى الله عليه وسلم كفنه وأجنه، وصلى عليه.


#181#

عبد الله بن قدامة هو أبو صخر العقيلي، فيما قيل.

ويرده ما رواه سالم بن نوح أبو سعيد البصري العطار عن الجريري، عن عبد الله بن قدامة، عن أبي صخر العقيلي، وذكر الحديث.

وحدث أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في "تاريخه" عن أبيه وعمه أبي بكر، قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا مجالد، أخبرنا عامر، قال: انطلق عمر رضي الله عنه إلى اليهود فقال: أنشدكم بالله عز وجل الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في كتبكم؟ قالوا: نعم.


#182#

وقال الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي: قال ابن وهب: قال مالك: بلغني أن طائفة من اليهود نزلوا المدينة، وطائفة خيبر، وطائفة فدك، لما كانوا يسمعون من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه في أرض بين حرتين، ورجوا أن يكون منهم، فأخلفهم الله ذلك، وقد كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بأسمائه وصفاته.

وبلاغ مالك هذا حدث به أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه "التاريخ" عن المنجاب بن الحارث قال: أخبرنا محمد بن سليمان الأصفهاني عن عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: بلغني أن بني إسرائيل لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بخت نصر عليهم وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في كتابهم، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية في قرية ذات نخل، فلما خرجوا من أرض الشام جعلوا يعبرون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون أن يلقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيتبعونه، حتى نزل من بني هارون ممن حمل التوراة يثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه جاء، ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدرك من أدرك من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه.


#183#

وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن نملة بن أبي نملة، عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ويعلمون الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلينا، فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدوا وبغوا، وقالوا: ليس به.

وقال محمد بن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي سبرة، عن مسلم بن يسار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه قال: ما كان في الأوس والخزرج رجل أومن لمحمد صلى الله عليه وسلم من بني عامر كان بألف يهودي، ويسألهم عن الدين، فيخبرونه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه دار هجرته، ثم خرج إلى يهود تيماء فأخبروه مثل ذلك، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى فأخبروه بصفته، فرجع وهو يقول: أنا على الحنيفية.

وأقام مترهبا ولبس المسوح، وزعم أنه على دين إبراهيم، يتوكف خروج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حسد وبغى ونافق وقال: يا محمد، أنت تخلط الحنيفية بغيرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بها بيضاء نقية، أين ما كان يخبرك به الأحبار من صفتي؟»

قال: لست بالذي وصفوا لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت».

فقال: ما كذبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكاذب أماته الله طريدا وحيدا».


#184#

فقال: متى؟ ثم خرج إلى مكة، فكان مع قريش يتبع دينهم، وترك الترهب، ثم حضر أحدا معهم كافرا، ثم انصرف معهم إلى مكة، فلما كان الفتح ورأى الإسلام قد ضرب بجرانه، ونفى الله الكفر وأهله، وخرج هاربا إلى قيصر، فمات هناك طريدا، فقضى قيصر بميراثه لكنانة بن عبد ياليل وقال: أنت وهو من أهل المدر.

وقال الإمام أبو هاشم محمد بن أبي محمد بن ظفر، الأندلسي الأصل، المكي المولد والمنشأ، الحموي الدار: وفي ترجمة أخرى –يعني للتوراة- "وإسماعيل قد سمعت دعاءك فيه، وباركت عليه وعظمته جدا جدا، وسيلد اثني عشر عظيما، وأجعله لأمة عظيمة".

قال ابن ظفر: فهل كانت لإسماعيل أمة عظيمة؟! لكن الأمة العظيمة لولده محمد صلى الله عليه وسلم.


#185#

وقال نحوه أبو الحسن الماوردي في كتابه "أعلام النبوة" حين ذكر نص التوراة المذكور، وأنه في السفر الأول منها: قال: وليس في ولد إسماعيل من جعله لأمة عظيمة غير محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن ظفر: وعلى أن في قولهم في الترجمة: "جدا جدا" إنما هو تفسير لقوله في التوراة: باللسان العبراني "[مؤيد]".

وقد اختلف في معنى هاتين الكلمتين:

فقيل: معناهما: (جدا جدا) أي: حقا حقا، ومنه: في دعاء القنوت: "إن عذابك الجد" أي: الحق.

وقيل: "الجد" الكثير هنا.

وقيل: معناهما: طيب.

وقيل: حمد حمد. وقيل غير ذلك.


#186#

ووجدتها بخط بعض من آمن من علماء اليهود "بمأدها" بزيادة باء موحدة مكسورة في الأولى، تليها ميم ساكنة، بعدها همزة مضمومة، وآخرها دال مهملة ساكنة، والكلمة الثانية بضم الميم الأولى أو الهاء، والباقي سواء.

وذكرها بعض المتأخرين "مأذ" بفتح الهمزة –وزان عمر- والذال.

وذكر ابن قتيبة أنها بكسر الميم والهمزة، وأن بعضهم يفتح الميم ويدنيها من الضمة، وأن معناهما "محمد".

وذكر غيره أن التوراة باللغة العبرانية وهي قريبة من اللغة العربية، وكثيرا ما يكون الاختلاف بينهما في كيفيات أداء الحروف والنطق بها من التفخيم والترقيق والضم والفتح وغير ذلك؛ لأن العرب تقول: "لا" والعبرانيون يقولون: "لو" وتقول العرب: "عالم" والعبرانيون: "عولام"، وتقول العرب: "إله" والعبرانيون "إولوه".

وعلى هذا إذا نظرت في حروف "محمد" وفي حروف "مأذ مأذ" وجدت الكلمتين كلمة واحدة، فإن الميمين في "محمد" وفي "مأذ مأذ" والهمزة التي في "مأذ"، والحاء التي في "محمد" من مخرج واحد، والدال كثيرا ما نجد موضعها في العبرانية ذالا، فالعبرانيون يقولون: "إيحاذ" للواحد، والذال والدال متقاربتان، فيمن تأمل اللغتين وهذين الاسمين لم يشك أنهما واحد، ولهذا نظائر في اللغتين، مثل "موسى" في اللغة العربية و"موشى" في العبرانية؛ لأن فيها "من" للماء و"شاء"


#187#

للشجر؛ لأن موسى التقط من المائين الشجر، فالتفاوت الذين بين "موسى" و "موشى" في اللغتين كالتفاوت بين "محمد" و "مأذ مأذ" فيهما.

وذكر بعض مفسري التوراة بالعربية أن هاتين الكلمتين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا اعتبر حروف اسم "محمد" وجد في هاتين الكلمتين، لأن ميمي "محمد" وداله بإزاء الميمين من الكلمتين، وإحدى الدالين وبقية اسم محمد وهي الحاء بإزاء بقية الكلمتين وهي الباء والألفان والدال الثانية؛ لأن "الحاء" في الحساب بثمانية من العدد، والباء باثنين، وكل ألف بواحد، والدال بأربعة، فصار المجموع ثمانية، وهي قسط الحاء من العدد الجمل، فتكون "بمأد مأد" قد تضمنتا بالصريح ثلاثة أرباع اسم "محمد"، والربع الآخر دل عليه بقية الكلمتين بحساب العدد المذكور، والله أعلم.

وقال أبو نصر أشموايل بن الرآب يهوذا بن آبون الفاسي وهو


#188#

بذلك عالم رحمه الله، واسمه بالعربية: السمؤال بن أبي البقاء يحيى بن عباس، فقال في كتابه "إفحام اليهود" فيما وجدته بخطه: قال الله تعالى في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبا إبراهيم الخليل عليه السلام:

"وأما في إسماعيل، فقد قبلت دعاءك، ها أنا قد باركت فيه وأثمره وأكثره جدا جدا". ذلك قوله: "وليشماعيل شمعيتخا هنى بيراخي أوثو وهفريثي أوثو بـ بمأد مأد" فهذه الكلمة أعني بـ "مأد مأد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل كان اثنين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أيضا اثنان وتسعون، وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا؛ لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته من التوراة كما عملوا بغيره.

فإن قالوا إنه قد يوجد في التوراة عدة كلمات مما يكون عدد حساب حروفه مساويا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد وبكر، فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد وبكر أنبياء.

فالجواب: أن الأمر كما يقولون لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة؛ لكنا نحن نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها من سائر كلمات التوراة.


#189#

وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية، لأنها وعد الله لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل.

وليس في التوراة آية أخرى مشتملة على شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر.

ثم إنا نبين أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوى بـ "مأد مأد" التي معناها "جدا"، وذلك أنها كلمة المبالغة من الله سبحانه فلا أسوة لها بشيء من كلمات الآية المذكورة.

وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقي كلمات تلك الآية فلا عجب أن تتضمن الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفا، وأعظمهم قدرا صلى الله عليه وسلم.

وإذ قد بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة، فقد بطل اعتراضهم.

انتهى قول أبي نصر.

ونظير هذا التفسير الملغز بحروف الجمل الموجز ما جاء في القرآن المجيد إشارة إلى كلمة التوحيد، وذلك فيما رويناه من طريق المنذر بن محمد بن المنذر، حدثني أبي: محمد بن المنذر، حدثني عمي الحسين بن سعيد بن أبي الجهم، حدثني أبي، عن أبان بن تغلب في قوله عز وجل: {كهيعص}، فقال في تفسيرها: "لا إله إلا الله" من حساب الجمل على الحروف؛ لأن الكاف عشرون، والهاء خمسة، والياء عشرة، والعين سبعون، والصاد تسعون، وكذلك عدد حروف "لا إله إلا الله".


#190#

وكما صرح بهذه الكلمة في القرآن وألغزت في هذا المكان كذلك أفصح باسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة وأبهم في "مأد مأد" لأمر شاءه الله وارتضاه.

ولم يذكر أبو نصر: "وسيلد اثني عشر عظيما"، والاثنا عشر من ولد إسماعيل عليهم السلام وأسماؤهم معروفة عند علماء أهل الكتاب رويناهم من طريق زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق قال:

ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام اثنا عشر رجلا وهم: "نابت" وكان أكبرهم، و "قيذار" و "أذبل" و "منشي" و "مسمع" و "ماشى" و "دما" و "أذر" و "طيما" و "يطور" و "نبش" و "قيذما".

وقد وجدتها بخط النسابة العز محمد بن أحمد بن محمد بن عساكر، وذكر أنه نقلها في سنة ثماني عشرة وستمائة –يعني من نسخة خلف بن عبد الله بن هبة الله بن حريز السعدي- وذكر أنه نقلها شكلا ومعنى في سنة من خط الوزير أبي القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي المعتزلي كتبها بخطه في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة قال: أسماء الاثني عشر من ولد إسماعيل عليه السلام من لفظ التوراة: "بنايون" وهو نابت، "قيذار" بإمالة القاف إلى الكسر، "إذبال" بالإمالة إلى الكسر، "مبسام" والسين بين السين والصاد، "مشماع" "دوما" "مشا" ممال إلى الكسر، "جذاذ" "ثيما" الياء بين الياء والألف، "يسطورنا"، "فيس" "قاذما" بإمالة القاف وكسرها.


#191#

$ذكر أخبار أخرى من التوراة فيها الإشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم$

وقد وجد في التوراة الإشارة إلى ذكره صلى الله عليه وسلم غير ما تقدم، فمن ذلك: ما في السفر الأول منها –وهي خمسة أسفار- في الفصل التاسع فيما حكاه بعض المفسرين المتأخرين وغيره في قصة هاجر لما فارقت سارة وخاطبها الملك فقال: يا هاجر، من أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون، وها أنت تحبلين وتلدين ابنا فسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك، وولدك يكون وحشي البأس، وتكون يده فوق الجميع، ويد الكل به، ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته.

قال: قال المستخرجون لهذه البشارة: معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن فوق أيدي بني إسحاق، بل كان في بني إسحاق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب، فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد، ثم خرجوا منها لما بعث موسى، وكانوا مع موسى أعز أهل الأرض، لم يكن لأحد عليهم يد، وكذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود وملك سليمان الملك الذي لم يؤت أحدا مثله، فلم تكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم سلط الله عليهم بخت نصر ففعل بهم الأفاعيل، ولم تكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم بعث الله المسيح، وخرب بيت المقدس الخراب الثاني، حيث أفسدوا في الأرض مرتين، ومن حينئذ زال ملكهم وقطعهم الله في الأرض   أمما، وكانوا تحت حكم الروم والفرس والقبط،


#192#

ولم يكن للعرب عليهم حكم أكثر من غيرهم، ولم يكن لولد إسماعيل سلطان على أحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا الأميين، فلم تكن يد ولد إسماعيل فوق الجميع، حتى بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم، دعا به إبراهيم لولد إسماعيل حيث قال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}، فلما بعث صارت يد ولد إسماعيل فوق الجميع، فلم يكن في الأرض سلطان أعز من سلطانهم، وقهروا فارس والروم وغيرهم من الأمم، وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والصابئة والمشركين، فظهر بذلك تحقيق قوله في التوراة: "وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به"، وهذا أمر مستمر إلى آخر الدهر.

وقال أبو نصر السمؤال بن يحيى الفاسي في كتابه "إفحام اليهود" فيما وجدته بخطه عندهم في السورة الأخيرة من التوراة وهي التي باركهم بها موسى هذه الآية، وذكرها بالعبرانية، ثم ذكر تفسيرها بالعربية، قال: إن الله من "سيناء" تجلى، وأشرق [نوره] من سيعير لهم، واطلع من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين، وهم يعلمون أن جبل سيعير


#193#

هو جبل الشراة الذين فيهم بنو العيص، الذين آمنوا بعيسى عليه السلام، بل في هذا الجبل كان مقام عيسى عليه السلام، ويعلمون أن سيناء هو جبل الطور، لكنهم لا يعلمون أن الجبل فاران هو جبل مكة.

وفي الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء ما يقتضي للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدي إلى اتباع مقالتهم.

فأما الدليل الواضح من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة فهو: أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل عليه السلام، سكن إسماعيل في برية فاران، ونطقت التوراة بذلك.

ثم ذكره بالعبرانية ثم قال: تفسيره: وأقام في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر.

فقد ثبت من التوراة أن جبل فاران مسكن بني إسماعيل، وإذا كانت التوراة قد أشارت في الآية [التي] تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على "جبل فاران" لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل لأنهم سكان "فاران".


#194#

وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إسماعيل، فدل ذلك على أن جبال فاران هي جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبشرت به.

قلت: وقد ذكر الله عز وجل هذه الأماكن الشريفة نظير ما ذكرها في التوراة، فقال تعالى: {والتين والزيتون . وطور سينين . وهذا البلد الأمين} فأقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله:

فالمراد بـ {والتين والزيتون} عند جماعة كثيرة من المفسرين: نبتها وأرضها، وهي أرض ببيت المقدس، فإنها أكثر البقاع تينا وزيتونا، وهي مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى ابن مريم عليهما السلام.

{وطور سينين} بالجبل الذي كلم الله عليه عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه، فهو مظهر نبوته.

و {البلد الأمين}: حرم الله وأمنه ومظهر خاتم أنبيائه ورسله وخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم.

فكما ذكر الله عز وجل هذه الأماكن الثلاثة العظيمة في القرآن، كذلك ذكرها بعينها في التوراة في قوله: (إن الله في سيناء تجلى، وأشرق من


#195#

سيعير، واطلع من جبال فاران).

وقد جاء بلفظ آخر فيما ذكره أبو محمد عبد الله بن قتيبة وغيره: "تجلى الله من طور سيناء، وأشرف من سيعير، واستعلن من جبال فاران".

قال ابن قتيبة: ليس بهذا خفاء على من تدبره، ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى من طور سيناء، كالذي هو عند [أهل] الكتاب وعندنا، وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح من ساعير أرض الخليل بقرية تدعى ناصرة، وباسمها تسمى من اتبعه "نصارى".

وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وجبال فاران هي جبال مكة.

قال: وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف أن فاران هي مكة.

فإن ادعوا أنها غير مكة، وليس ينكر ذلك من تحريفهم وإفكهم.

قلنا: أليس في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران.

وقلنا: دلنا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه: فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح، أوليس "استعلن" و "علا" بمعنى واحد وهما: ظهر وانكشف؟! فهل تعلمون دينا ظهر ظهور الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها؛ فبينوه.


#196#

حكاه ابن القيم عنه، ثم حكى عن شيخه أنه ذكر أن جبل حراء –الذي ليس حول مكة أعلى منه- حوله جبال كثيرة، وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم، والبرية التي بين: مكة وطور سيناء تسمى برية فاران.

قال: ولا يمكن أحدا أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض، ولا بعث نبي، فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن.

وقال ابن القيم حين ذكر قوله تعالى: {والتين والزيتون}، فإنه تعالى أقسم بها تعظيما لشأنها وإظهارا لقدرته وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها على وجه التدريج، فبدأ بالعالي ثم انتقل إلى أعلى منه، ثم إلى أعلى منهما، فإن أشرف الكتب: القرآن، ثم التوراة، ثم الإنجيل. وكذلك الأنبياء الثلاثة عليهم الصلاة والسلام.

قلت: قال أبو عبد الله محمد بن سعد في كتاب "الطبقات": حدثنا علي بن محمد –يعني: ابن عبد الله بن أبي سيف القرشي- عن سليمان القافلاني، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام


#197#

بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر بأرض عذبة سهلة إلا قال: "أنزل ههنا يا جبريل؟" فيقول: لا. حتى أتى مكة فقال جبريل عليه السلام: انزل يا إبراهيم. قال: حيث لا ضرع ولا زرع؟! قال: نعم، ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم به الكلمة العليا.

وقال السمؤال أيضا فيما وجدته بخطه في "إفحام اليهود": إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة.

ثم ذكر الآية بالعبرانية وفسرها بالعربية، فقال: تفسيره : نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به فليؤمنوا. وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قالوا: إنه من وسط إخوتهم وليس في عادة كتابنا أن يعني بقوله: "إخوتكم" إلا بني إسرائيل؟

قلنا: بلى، قد جاء في التوراة: "إخوتكم بني العيص" وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس قوله.

ثم ذكره بالعبرانية ثم قال: تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير، إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم.

فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل ولدا


#198#

إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم.

وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي عليه السلام، لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك"، وشموائيل كان مثل موسى، لأنه من أولاد ليوى، يعنون: من السبط الذي كان منه موسى.

قلنا لهم: فإن كنتم صادقين فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم بالإيمان بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأت بزيادة ولا بنسخ، أأشفق من أن لا تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة، ومن هذه صفته فإنه أسبق الناس إلى الإيمان [به]؛ لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به لا يستغني مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة إلى [أن] يوصيكم بالإيمان بنبوة "يرميا" و "يسعيا" وغيرهما من الأنبياء، وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم في هذا الفصل باتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وذكر أبو عبد الله ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى" قال: في التوراة في السفر الخامس: قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين ولا المنجمين، فسيقيم لكم الرب نبيا من إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي.

قال: ولا يجوز أن يكون هذا النبي الموعود به من أنفس بني إسرائيل


#199#

لما تقدم أن إخوة القوم ليسوا أنفسهم كما تقول: بكر وتغلب ابنا وائل، ثم تقول: تغلب إخوة لك، وبنو تغلب إخوة بني بكر. انتهى.

وقال محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي: حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا صالح بن عمر، حدثنا عاصم –يعني: ابن كليب- عن أبيه، عن الفلتان بن عاصم قال: كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ شخص بصره إلى رجل، فدعانا فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان، فجعل يقول: يا رسول الله، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أتشهد أني رسول الله؟».

قال: فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول الله، فيقول: «أتشهد أني رسول الله؟»، فيأبى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أتقرأ التوراة؟» قال: نعم، [قال]: «والإنجيل؟» قال: نعم، [قال]: «والفرقان؟»، [قال: لا. قال]: «ورب محمد لو شئت لقرأته».


#200#

قال: «فأنشدك بالذي أنزل التوراة والإنجيل» وأشياء حلفه بها، «تجدني فيهما؟» قال: نجد مثل نعتك تخرج من مخرجك، كنا نرجو أن تكون فينا، فلما خرجت ربنا أنك هو، نظرنا إذا أنت لست به. قال: «من أين؟» قال: نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وإنما أنتم قليل. قال: فهلل وكبر ثم قال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأنا هو، إن أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين» يعني: ألفا.

وقال أبو نعيم في "الدلائل": حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا العباس بن بكار الضبي، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال العباس رضي الله عنه:

خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب، فيهم: أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبي سفيان وبالنفر، ويصنع أبو سفيان يوما ويفعل مثل ذلك، فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إلي غداءك؟ فقلت: نعم.


#201#

فانصرفت أنا والنفر إلى بيته، فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني، فقال: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله؟

فقلت: أي بني أخي؟

فقال أبو سفيان: إياي تكتم؟ وأي بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد.

قلت: وأيهم على ذلك؟

قال: هو محمد بن عبد الله.

فقلت: قد فعل وخرج؟

قال: بلى، قد فعل، وأخرج كتابا من ابنه حنظلة بن أبي سفيان أخبرك أن محمدا قام بالأبطح، فقال: أنا رسول الله، أدعوكم إلى الله عز وجل.

فقال العباس: قلت: لعله يا أبا حنظلة صادق.

فقال: مهلا يا أبا الفضل، فوالله ما أحب أن تقول مثل هذا، إني لأخشى أن يكون على خير من هذا الحديث، يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم هنة وهنة كل واحد منهما عامة، نشدتك يا أبا الفضل، هل سمعت ذلك؟

قلت: نعم، قد سمعت.

قال: فهذه والله شومتكم.

قلت: فلعلها.

قال: فما كان بعد ذلك إلا ليالي حتى قدم علينا عبد الله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا الخبر في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يحدث فيه حبرا من أحبار اليهود.

فقال اليهودي: ما هذا الخبر؟ بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال.


#202#

قال أبو سفيان: صدقوا، أنا عمه.

قال اليهودي: أخو أبيه؟

قال: نعم.

قال: فحدثني عنه. قال: لا تسألني، ما أحب أن يدع هذا الأمر أبدا، وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه، فرأى اليهودي أنه يغمص عليه ولا يحب أن يعيبه.

فقال اليهودي: ليس به بأس على اليهود وتوراة موسى.

قال العباس: فتأدى إلي الخبر فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس في الغد وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمي عن رجل منا زعم أنه رسول الله، فأخبرك أنه عمه، وليس بعد، ولكنه ابن عمه وأنا عمه، وأخو أبيه.

قال: أخو أبيه؟

قلت: أخو أبيه.

فأقبل على أبي سفيان، فقال: صدق؟

فقال: نعم صدق.

فقلت: سلني فإن كذبت فليرده علي.

فقال: نشدتك هل كان لابن أخيك صبوة أو سفهة؟

قال: لا، وإله عبد المطلب، ولا كذب ولا خان، وإن كان اسمه عند قريش "الأمين".

قال: فهل كتب بيده؟

قال العباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها ثم ذكرت مكان أبي سفيان أنه يكذبني وراد علي، فقلت: لا يكتب.

فوثب الحبر وترك رداءه وقال: ذبحت يهود وقتلت يهود.


#203#

قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إن يهود تفر من ابن أخيك.

قلت: قد رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقت، وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك؟.

قال: لا أومن به حتى أرى الخيل في "كداء".

قلت: ما تقول؟

قال: كلمة جاءت على فمي، إلا أني أعلم أن الله لا ينزل خيلا تطلع من "كداء".

قال العباس رضي الله عنه: فلما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظرنا إلى الخيل وقد طلعت من "كداء" قلت: يا أبا سفيان، تذكر الكلمة؟

قال: إي والله، إني لذاكرها، فالحمد لله الذي هداني للإسلام.

وقال أبو نعيم في "الحلية": حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو بكر الدينوري المفسر، حدثنا محمد بن أيوب القطان، ثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن جده وهب قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله مائتي سنة ثم مات، فأخذوا أرجله فألقوه على مزبلة، فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: أن اخرج فصل عليه، قال: يا رب، بنو إسرائيل شهدوا عليه أنه عصاك مائتي سنة، فأوحى الله إليه: هكذا كان، إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم


#204#

محمد صلى الله عليه وسلم قبله ووضعه على عينيه وصلى عليه، فشكرت ذلك له وغفرت ذنوبه وزوجته ستين حوراء.


#205#

$فصل في ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل$

وقال محمد بن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا يونس بن [أبي] إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل: لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح.

تابعه يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، وهو: ابن أبي إسحاق.

وخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

ورواه أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد البحراوي في كتابه "الأحاديث الألف مما يستفاد ويعز وجودها"، فقال: أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بن حمشاذ، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن


#206#

عبد الرحمن العسكري ببغداد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثني العيزار بن حريث، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل: ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويغفر.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن سهل مولى عثيمة: أنه كان نصرانيا من أهل "مريس"، وكان يقرأ الإنجيل، فذكر أن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الإنجيل: وهو من ذرية إسماعيل، اسمه: أحمد صلى الله عليه وسلم.

ورواه مطولا بزيادة، فقال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن سهل مولى عثيمة: أنه كان نصرانيا من أهل "مريس"، وأنه كان يتيما في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ الإنجيل.

قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة أنكرت كثافتها حين مرت بي ومسستها بيدي، فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء،


#207#

قال: ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم أنه: لا قصير ولا طويل، أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحلب الشاة، ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه: أحمد.

قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم جاء عمي، فلما رأى الورقة ضربني وقال: ما لك ولفتح هذه الورقة وقراءتها؟!

فقلت: فيها نعت النبي أحمد.

فقال: إنه لم يأت بعد.


#208#

$فصل في ذكر البشارات العيسوية بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم$

أخبرنا عبد القادر بن أبي إسحاق الصالحي بقراءتي عليه بها، أخبرتك فاطمة بنت الفراء القدسي، أخبرنا أحمد بن أبي محمد النابلسي، أخبرنا إسماعيل بن علي الشروطي، أخبرنا إسماعيل بن أحمد أبو القاسم، أخبرنا عبد الدائم الهلالي، أخبرنا عبد الوهاب بن الحسن الدمشقي، أخبرنا محمد بن خريم، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه:

أن عيسى ابن مريم –عليه الصلاة والسلام- قال: رب، أنبئني عن هذه الأمة المرحومة؟

فقال: أمة "أحمد"، هم علماء حلماء، كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بـ: "لا إله إلا الله"، يا عيسى، هم أكثر سكان الجنة؛ لأنها لم تذل


#209#

ألسن قوم قط بـ "لا إله إلا الله" كما ذلت ألسنتهم، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت لي رقابهم.

وبالإسناد إلى هشام: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، حدثنا زيد بن أسلم قال: في مناجاة موسى عليه السلام قال: رب، هذه الأمة التي أجدها في كتابي مرحومة؟ قال: تلك أمة "أحمد"، قال تعالى: أعطيهم القليل فيرضون به، فأرضى منهم من العمل بالقليل، وأدخلهم الجنة بـ "لا إله إلا الله".

وروي عن ابن إسحاق أنه قال: حدثني أهل العلم: أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: إن أحب الأمم إلى الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم قيل له: وما فضلهم الذي تذكر؟ قال: [لم] تذلل "لا إله إلا الله" على ألسن أحد من الأمم تذليلها على ألسنتهم.

وقال عبد الله بن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: تأتي أمة محمد صلى الله عليه وسلم علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء.

قال مالك: لذا هم صدر هذه الأمة.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث عبد الله بن


#210#

صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه، سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم -ما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها- يقول: «إن الله تعالى قال: يا عيسى، إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا رب، كيف يكون هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي".

قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أم الدرداء إلا يزيد بن ميسرة، تفرد به معاوية بن صالح.

وهكذا قال أبو نعيم في "الحلية" حين خرجه عن الطبراني.

وخرجه أحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر أحمد بن (عمر) بن عبد الخالق المصري البزار في مسنديهما بنحوه.

وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا فيض البجلي، حدثنا


#211#

سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم: جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع، يا ابن الطاهر البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فسر لأهل سوران –بالسيريانية- بلغ من بين يديك أني أنا الله الحي القيوم الذي لا أزول، صدقوا النبي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة –وهي التاج- والنعلين والهراوة –وهي القضيب- الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأنجل العينين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ وريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبته –أي: سرته- تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر في صبب ذو النسل القليل.

وروى أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي شيذلة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم الجارود بن عبد الله وكان سيدا في قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي بعثك بالحق –وفي رواية: لقد جئت


#212#

بالحق ونطقت بالصدق –والذي بعثك بالحق نبيا واختارك للمؤمنين وليا، لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، الحديث بطوله وفيه خبر قس بن ساعدة.

ورواه بطوله أبو داود سليمان بن سيف الحراني الحافظ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى ببعض طرقه.

ابن البتول: عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، والتبتل: ترك النكاح والزهد فيه، والبتول: المرأة المنقبضة عن الرجال.

وقد جاء من بشارات عيسى بالنبي صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو هاشم بن ظفر: ورأيت في ترجمة أخرى –يعني: من الإنجيل- أنه قال: الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، لا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب.


#213#

قال: فمن هذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحق وتحريف الكلم عن مواضعه وبيع الدين بالثمن البخس من عرض الدنيا، وصدود الجهال عن سبيل الله وانتصابهم أربابا من دون الله، ومن ذا الذي أنذر بالحوادث وأخبر عن الغيوب إلا محمد صلى الله عليه وسلم، انتهى.

وهذا في إنجيل يوحنا الذي كتبه بالرومية.

وفي مواضع أخرى من الإنجيل: ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده، يحيي لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل.

وفي موضع آخر: سوف أذهب أنا ويأتي الذي بعدي ويجهدكم بدعواه، ولكن يسل السيف فتدخلونه طوعا وكرها.

وقال الإمام أحمد في كتابه "الزهد": حدثنا داود بن عمرو، حدثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة


#214#

قال: ركض عمر رضي الله عنه فرسا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فانكشفت فخذه من تحت القباء، فأبصر رجل من أهل "نجران" شامة في فخذه، فقال: هذا الذي نجده في كتابنا يخرجنا من ديارنا.

وقال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن ابن البيلماني، عن كوز بن علقمة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من


#215#

أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه: "عبد المسيح".

والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه: "الأيهم".

و "أبو حارثة بن علقمة" أحد بني بكر [بن] وائل، وأسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم، حتى حسن علمه في دينهم فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.


#216#

فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من "نجران" جلس "أبو حارثة" على بغلة له موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه أخ له يقال له: "كوز بن علقمة" يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كوز: تعس الأبعد –يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال له حارثة: بل أنت تعست، فقال له: ولم يا أخي؟ فقال: والله إنه للنبي الأمي الذي كنا ننتظره، فقال له أخوه: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا كل ما ترى، (فأضمر) عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.

وكوز بن علقمة هذا ذكره الخطيب بالواو، وعقده مع كوز بن علقمة، وكذا ابن نصر ابن ماكولا في كتابه، واستدركه أبو موسى المديني على ابن منده في كتابه "المستفاد".

وابن منده ذكر الحديث في كتابه في الصحابة في ترجمة كوز بن علقمة الخزاعي، وذكره بالراء مكان الواو.


#217#

وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرئاسة إلى غيره ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فعثر فقال له ابنه: تعس الأبعد يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبوه: لا تفعل؛ فإنه نبي واسمه في الوضائع –يعني: الكتب-، فلما مات لم يكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد [فيها] ذكر النبي صلى الله عليه وسلم [فأسلم] وحسن إسلامه فحج، وهو الذي يقول:

إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها

مخالفا دين النصارى دينها ...

وقد رواها ابن سعد على غير هذا الوجه فقال: أخبرنا علي بن محمد –يعني: ابن عبد الله بن أبي سيف القرشي-، عن أبي معشر،


#218#

عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عمارة بن غزية وغيرهما قالوا: قدم وفد نجران وفيهم أبو الحارث بن علقمة بن ربيعة وله علم بدينهم وكان أسقفهم وإمامهم وصاحب مدراسهم وله فيهم قدر، فعثرت به بغلته، فقال أخوه: تعس الأبعد –يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال أبو الحارث: بل تعست أنت، أتشتم رجلا من المرسلين؟! إنه الذي بشر به عيسى، وإنه لفي التوراة. قال: فما يمنعك من دينه؟ قال: شرفنا هؤلاء القوم وأكرمونا ومولونا، وقد أبوا إلا خلافه، فحلف أخوه ألا يثني له صعرا حتى يقدم المدينة فيؤمن به. فقال: مهلا يا أخي، فإنما كنت مازحا. قال: وإن، فمضى يضرب راحلته. وأنشأ يقول:

إليك تعدو قلقا وضينها .. .. الخ

قال: فقدم فأسلم.

وفي هذا الخبر قصة طويلة فيها سبب نزول آية المباهلة، رواها يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده –قال يونس: وكان نصرانيا فأسلم-: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران، وذكره بطوله.

وروي عن عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه أنه كان غائبا عن الطائف حين حاصرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ارتحل النبي صلى الله عليه وسلم عنها جاء عروة فلقي غيلان بن سلمة، فقال له عروة: ألا ترى علو أمر محمد صلى الله عليه وسلم واتباع الناس له؟


#219#

قال غيلان: بلى قد رأيت، فماذا عندك في أمره؟

قال عروة: إن العرب يرون أن لنا رأيا ونهى، ولسنا كذلك إن لم نتبعه ونؤمن به.

قال غيلان: ما أحب أن يسمع أحد من ثقيف هذا القول منك، وإني لأخافها عليك وإن كنت سيدها.

قال عروة: والله ما ينبغي أن تجهل صدق مقالتي، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي، وإني لمعتمده فمتبعه وذاكر لك أمرا لم أذكره لأحد قط.

قال غيلان: ما هو؟

قال عروة: قصدت نجران لتجارة قبل أن يظهر أمر محمد صلى الله عليه وسلم وخلافه قومه، فغورت تحت سرحة منتبذا من أصحابي، فإذا جاريتان تسوقان بهما إلى السرحة فحجزتا البهم في ناحية من ظلها، وجلستا وأنا مضطجع، فتناومت.

فقالت إحداهما للأخرى: من هذا فيما تقولين يا بنت الأكرمين؟

قالت الأخرى: هذا عروة بن مسعود سيد غير مسود مفيض جود وغصن منجود.

قالت: صدقت يا ابنة الأكرمين، فما عاقبة أمره؟

قالت الأخرى: يعيش زعيما، ويتبع نبيا كريما، ويتعاطى أمرا جسيما فيرتد عنه كليما.

قالت: يا ابنة الأكرمين؟ وما النبي؟

قالت الأخرى: داع مجاب، لأمر عجاب، يلقيه من السماء كتاب، ويقهر الألباب.

قال عروة: ثم أمسكتا عن القول فغشيني النوم، فما أيقظني إلا رغاء الإبل وأصحابي يتحملون، فإذا الجاريتان قد ذهبتا، فلما بلغت نجران


#220#

نزلت على أسقفها وكان لي صديقا.

فقال: يا أبا يعفور، هذا حين خروج نبي من أهل حرمكم يهدي إلى الحق.

قلت: ما هذا الذي تقول؟

قال: إي والمسيح، إنه لخير الأنبياء وآخرهم، فإن ظهر فكن أول من يؤمن به، وقد كتمت هذا عن ثقيف لما رأيت من شدتهم عليه، وكنت أمرأً منهم، وأما الآن فإني معتمده فمتبعه ومستكثر، فاكتم علي تحرصي هذا.

قال غيلان: إني فاعل ذلك، فانصرف راشدا.

فأتى عروة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامه.

وروى القاضي أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي الأخباري أحد الأعلام فقال: حدثنا معمر بن راشد ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وحدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن المسور بن رفاعة قال: [وحدثنا عبد الحميد بن أبي جعفر عن أبيه قال]: وحدثنا عمر بن سليمان بن أبي حثمة [عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة]، عن جدته الشفاء.

قال: وحدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي.


#221#

قال: وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري، عن جعفر بن عمرو بن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أهله، عن عمرو بن أمية –دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب لهم كتبا..، وذكر بقيته.

وفيه قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي –وهو أحد الستة- إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه للإسلام، وكتب معه كتابا، قال شجاع رضي الله عنه: فانتهيت إليه وهو بـ"غوطة دمشق"، وهو مشغول بتهيئة الإنزال والألطاف لقيصر وهو جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه.

فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا اسمه: "مري" يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أحدثه عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول: إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، وأنا أومن به وأصدقه وأخاف من الحارث أن يقتلني.

قال: فكان يكرمني ويحسن ضيافتي.

وخرج الحارث يوما فجلس ووضع التاج على رأسه، فأذن لي، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه ثم رمى به وقال: من ينتزع مني ملكي، أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته، علي بالناس، فلم يزل يفرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى،


#222#

وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر: أن لا تسير إليه واله عنه ووافني بـ "إيليا".

فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟

فقلت: غدا.

فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصلني مري –يعني: حاجبه- بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام.

فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «باد ملكه» وأقرأته من مري السلام وأخبرته، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صدق».

ومات "الحارث بن أبي شمر" عام الفتح.

قالوا: وكان فروة بن عمرو الجذامي عاملا لقيصر على عمان من أرض البلقاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى هرقل والحارث بن أبي شمر، ولم يكتب إليه، فأسلم فروة، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وأهدى له، وبعث من عنده رسولا من قومه يقال له: مسعود بن سعد، وذكر بقيته.

وفي رواية حدث بها ابن سعد عن علي بن محمد، عن عثمان بن عبد الرحمن الزهري، عن واصل بن عمرو الجذامي قال: كان فروة بن عمرو الجذامي عاملا للروم على عمان من أرض البلقاء، أو على معان، فأسلم وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وبعث به مع رجل من قومه يقال له: مسعود بن سعد، وبعث إليه ببغلة وحمار وأثواب لين وقباء سندس مخوص بالذهب.


#223#

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من محمد رسول الله إلى فروة بن عمرو، أما بعد: قدم علينا رسولك، وبلغ ما أرسلت به، وخبر عما قبلك، وأتانا بإسلامك، وأن الله هداك بهداه، إن أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت الصلاة وآتيت الزكاة».

وأمر بلالا فأعطى رسوله مسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقية ونشا.