9 مصاحف الكتاب الاسلامي/

الأربعاء، 24 مايو 2023

الجزء السابع والثامن من سير ة النبي ص 8 -جامع الآثار في السير ومولد المختارمجلدات

الجزء السابع /ج7.

[ما جاء عن فاطمة رضي الله عنها في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم]-

وثبت عن حماد بن زيد, عن ثابت, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب, فقالت فاطمة عليها السلام: واكرب أباه, فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه, يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه, يا أبتاه إلى جبريل ننعاه, فلما دفن قالت فاطمة عليها السلام: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟!

خرجه البخاري في "صحيحه" لحماد، ورواه ابن ماجه في "سننه" من طريق حماد, عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه قالت لي فاطمة عليها السلام: يا أنس, كيف سخت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وخرج أبو حفص عمر بن شاهين من حديث جعفر بن محمد, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما رمس رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي رواية: لما رش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة عليها السلام فأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينها وبكت وأنشأت تقول:

ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا

 

#6#

صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا.

وقال أبو بكر محمد بن الحُسَيْن الآجري في كتاب "الشريعة": بلغني أنه لما دفن النبي صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة عليها السلام فوقفت على قبره الشريف وأنشأت تقول:

أمسى بخدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم

والصبر يحسن في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه معدوم

لا عيب في حزني عليك لو أنه ... كان البكاء لمقلتي يدوم.

وقال الزبير بن بكار : وحدثني عمي مصعب, عن محمد بن الضحاك قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم رجع فيمن رجع فاطمة عليها السلام إلى بيتها فقعدت فيه, فلما كان بعد أيام قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون, انقطع عنا أخبار السماء, ثم أنشأت تقول:

اغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران

 

#7#

فالأرض من بعد النبي حزينة ... تبكي عليه كثيرة الرجفان

فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مصر [و] كل يمان

وليبكه الطود المعظم جوه ... وليبكه بيت مع الأركان

نفسي فداؤك ما لرأسك مائلا ... قد وسدوك وسادة الوسنان

يا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل الفرقان

ويُروَى أنها تمثلت بشعر فاطمة بنت الأحجم:

قد كنت لي جبلاً ألوذ بظله ... فتركتني أمشي بأحرد ضاحي

قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي

فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح

وإذا دعت قمرية شجناً لها ... ليلاً على فنن دعوت صباحي

 

#8#

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد بن عُمر، عن سفيان بن عيينة، عن عَمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: ما رأيت فاطمة عليها السلام ضاحكة بعد رسول الله صلالله عليه وسلم   إلا أنه قد تموري في طرف فيها.

وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا سفيان، عن عَمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ما رأيت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولقد امتروا يوماً في طرف نابها.

قال أبو جعفر: ومكثت بعده ستة أشهر.

وخرجه أبو نعيم في كتابه "الحلية" من حديث عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حدثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ فَاطِمَةَ عليها السلام ضَاحِكَةً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَوْمًا افْترَّتْ بِطَرْفِ نَابِهَا، قَالَ: وَمَكَثَتْ بَعْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.

وروي أنه لم يهن لأهل المدينة عيش في حياة فاطمة عليها السلام لأنهم كانوا كلما رأوها كئبة حزينة تجدد حزنهم وكدر عليهم عيشهم إلى أن توفيت رضوان الله عليها, وقيل: كانت دموعها على الدوام تجري, وربما كلمت ولا تدري, وما أحقها بما قاله أبو الحسن علي بن حسن بن علي بن ميمون النهري الشاعر الشمسي:

 

#9#

دع مقلتي تبكي عليك بأدمع ... إن البكاء شفاء قلب الموجع.

ودع الدموع تكد جفني في الهوى ... من غاب عنه حبيبه لم يهجع.

ولقد بكيت عليك حتى رق لي ... من كان فيك يلومني وبكى معي

 

#10#

&[شدة حزن الصحابة على فراق النبي صلى الله عليه وسلم]&

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن السني الدينوري في كتاب "الطب": حدثنا أحمد بن محمد بن زهير, حدثنا عبيد الله بن سعد, حدثنا عمي, (حدثنا) سيف بن عمر, عن مبشر بن الفضل, عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, عن أبيه قال: كان سبب موت أبي بكر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جسمه يحري حتى مات.

وحدث به أبو نعيم في "الطب" عن ابن السني إجازة.

ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "العزاء" فقال: حدثنا عبيد الله بن سعد القرشي .... فذكره.

حري الشيء يحري حرياً إذا نقص. قاله الزَّبيدي في "مختصر العين".

ومنه قول الراجز: والشيء بعد تمامه يحري.

وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "العزاء" أيضاً: حدثنا عبيد الله بن سعد, حدثنا عمي, (حدثنا) سيف بن عمر, عن عمرو بن محمد

 

#11#

السعدي, عن العاص بن تمام قال: كان سبب موت أبي بكر رضي الله عنه الكمد على النبي صلى الله عليه وسلم على قوته على أمر الله عز وجل.

وقال إسماعيل بن محمد الصفار: حدثنا إدريس بن يزيد الرملي اللخمي, حدثنا أحمد بن عبد العزيز الواسطي, حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن الزهري, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله, والله إن الجزع لقبيح إلا عليك, وإن الصبر لجميل إلا عنك, وإن المصاب بك لجلل, وإنه قبلك وبعدك لجلل وأنشأ يقول:

ما غاص دمع عند نازلة ... إلا جعلتك للبكا سببا

فإذا ذكرتك سامحتك به ... مني الجفون وفاض فانسكبا

إني أجل ثرى حللت به ... عن أن أرى بسواه مكتئباً

ويقال: وقف أعرابي على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خير الخلق ومحرز فضيلة السبق, إن الألسنة فيك لعيية وإن الأعين فيك لبكية، فلا يبلغك الوصف ولا يدانيك القول, فسواء فيك الناطق والصامت, ولكن اختصر بك الأمر على العجز عن بلوغ حقك, والقيام بوصفك عن أداء شكرك يا من ختمت الدنيا به, وفتحت الآخرة له, ثم أنشأ يقول:

هلا وضعتم رسول الله في سفط ... من الألوة مغشى فوقه الذهبا

 

#12#

بل أكرم الناس طراً كلهم حسبا ... وأطهر الخلق أما برة وأبا

علق أبو عبد الله طاهر بن محمد بن أحمد بن نصر بن الحُسَيْن الحذاذي البخاري في كتابه "عيون المجالس", وكانت وفاته سنة ست وأربعمائة.

وذكر هذه القصة غيره, فقال: وروي أن أعرابياً شهد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

هلا دفنتم رسول الله في سفط ... من الألوة أحوى ملبساً ذهبا

أو في سحيق من المسك الذكي ولم ... ترضوا لجنب رسول الله متربا

خير البرية أتقاها وأكرمها ... عند الإله إذا ما ينسبون أبا

فقال له أبو بكر رضي الله عنه: إني لأجو أن يغفر لك الله بما قلت إلا أن هذه سنتنا.

وقال أبو بكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الخائفين" من تأليفه: حدثنا محمد بن علي بن الحَسن بن شقيق, أخبرنا خاقان بن عبد الله, عن عبد الله بن المبارك: أن امرأة قالت لعائشة: اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكشفت لها عنه فبكت حتى ماتت رحمها الله تعالى.

 

#13#

وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن الفضل الأهوازي في كتابه "المنود من وفود القبائل": حدثني محمد بن الحسن النيسابوري, حدثني أحمد بن بيان الخفاف, حدثنا عبد الله بن أحمد البلوي أبو محمد – بمصر في محرس النحل – حدثنا عمارة بن زيد, حدثني صالح بن سماعة الطائي يرفع الخبر إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدمت أم رعلة القشيرية مع زوجها أبي رعلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت ذات لسان, فقالت: يا رسول الله, نحن معتقدات الخدور, ومحل آزار البعول, ومربيات الأولاد, وممهدات المهاد, لا حظ لنا في الجهاد إلا في الجيش الأعظم – يعني: المقابر – من بعد الكبر والهرم, فدلنا على ما يقربنا من ربنا صلى الله عليك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكن بذكر الله في آناء الليل وآناء النهار, وبخفض الصوت وغص الطرف, وشدة التوقير لبعولتكن, فإنكن إذا فعلتن ذلك كنتن في موازين حسنات الرجال».

قال ابن عباس: فقالت أم رعلة: يا رسول الله, أنا كلفة بما ينفعني – يعني عجوله في الكلام – فتجوز لي وإن غلظت, صلى الله عليك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هات ما أنت قائلة» قالت: يا رسول الله, أنا مقينة – تقول: ماشطة – أزين النساء لأزواجهن, فهل هو من حوب فأميط عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هو خير, فزينيهن ما استطعت, ونفقيهن إن كسدن».

 

#14#

قال ابن عباس: فغابت أم رعلة وغبرت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدمت المدينة في ردة مسيلمة, وأبو بكر رضي الله عنه المستخلف, فوقفت على مجلس أبي بكر رضي الله عنه فقامت والناس مجتمعون, فقالت: السلام عليك يا رسول الله, فضج المسلمون بالبكاء, وقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت: فمن المستخلف بعده؟ قالوا: أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقالت: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار؟ قالوا: نعم, قالت: فهل بقي من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد توجد منه رائحة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: نعم, سيري إلى منزل فاطمة – وكانت إحدى من قينتها وزينتها ليلة بني بها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوقفت بباب منزل فاطمة فصوتت فخرج عليها حسن وحُسَيْن فقالت: أين أمكما نفسي فداؤكما؟ فقالا: قبض جدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولحقته أمنا, فحملت حسناً وحُسَيْنا على عاتقيها فجالت بهما المدينة تبكي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة رضي الله عنها وهي تقول:

حسرت يا أسفا عن قوس ميتته ... لقد رماني الردى عن قوس غدار

لم يخط لما رمى قلبي بأسهمه ... فجرها كأشابيب من النار

يا أيها المصطفي عند الحريض لقد ... أوهنت في كبدي صدعاً بأضرار

لو كنت شاهدة والموت يحضره ... لمت قبل رسول الخالق الباري

 

#15#

يا دار فاطمة المعمور ساحته ... هيجت لي حزناً حييت من دار

فأقامت بالمدينة مأتماً ولم يبق دار بالمدينة إلا وأهلها باكون على رسول الله صلى اللهعليه وسلم .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلقد بلغنا بعد خروجها أنها لم تقطع البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فارقت الدنيا ولحقت بالله عز وجل.

هذا حديث إسناده واه جداً, مع أنه معضل, وقد اختلف فيه: فرواه أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري وجادة, فقال: وجدت في كتاب أحمد بن عبد العزيز المكي بخطه يذكر: أن أبا عبد الله محمد بن علي بن الحُسَيْن البلخي حدثه في حجرته في خان البزار بن بنسف, حدثني محمد بن عمرو بن موسى بمكة في داره, أملاه علي, حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي المدني بالمدينة, حدثنا عمارة بن زيد المدني, حدثني إبراهيم بن سعد, حدثني محمد بن إسحاق, حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, عن أبيه, عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدمت القشيرية مع زوجها أبي رعلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت امرأة بدوية ذات لسان ... وساق الحديث بنحو الأول.

وجاء من طريق أخرى إلى ابن عباس رضي الله عنهما حدث به أبو محمد جعفر بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عاصم بن مهران الفقيه, عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن إبراهيم السرنديبي في مسجد الجامع, حدثنا أبو بكر

 

#16#

عمر بن سعيد بن أحمد بن سنان, حدثنا المصفى, حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا الأوزاعي, عن عطاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة يقال لها أم رعلة القشيرية, وكانت امرأة ذات لسان وفصاحة ... وذكر الحديث.

قال أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: هذا الإسناد لا يحتمل مثل هذا الحديث, والحمل فيه فيما أرى على السرنديبي هذا فإنه غير مشهور, ولا مذكور في شيء من كتب أصبهان, وباقي الإسناد مشهورون.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد بن عمر, عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي, عن أبيه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بلال ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبر, فكان إذا قال: "أشهد أن محمداًً رسول الله" انتحب الناس في المسجد, قال: فلما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر رضي الله عنه: أذن, فقال له: إن كنت إنما أعتقتني لأن أكون معك فسبيل ذلك إليك, وإن كنت أعتقتني لله فخلني ومن أعتقتني له, فقال: ما أعتقتك إلا لله, قال: فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فذاك إليك, قال: فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم حتى انتهى إليها.

 

#17#

وقال أحمد بن عمير بن جوصا: حدثنا عمرو بن عثمان, حدثنا بقية بن الوليد, عن محمد بن زياد, عن السلف أنهم قالوا: لما أسلم بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع برسول الله صلى الله عليه وسلم, وبمخرجه, أقبل إليه فأسلم قال: فأخذه مواليه فأوتدوا له أربعة أوتاد, فربطوا بها يديه ورجليه, ثم جعلوا يدخلون في فيه خرؤ كلب ويقولون: لم تتبع الصابئ؟ ثم قالوا: هذا مكانك أو تخرج مما دخلت فيه، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وقال: «اذهب إليهم, لعل الله يهيئ لك شراءه» قال: فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه فقال: هل لكم أن تبيعوه؟ قالوا: نعم, قال: بكم؟ قالوا: بكذا وكذا دينار, قال أبو بكر رضي الله عنه: قد أخذته, قال: فدفع إليهم ثمنه, ثم جعل يأتي وتداً وتداً فيحله, ثم يقول: اللهم هذا لك حتى فرغ منها, ثم قال أبو بكر: والله لو سألتموني في مثل ثمنه كذا وكذا مرة لأخذته منكم, قال: يقولون هم: والله لو لم تعطنا به إلا دون ما أعطيتنا بكذا وكذا لبعناكه, قال: فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أراده أبو بكر رضي الله عنه على أن يؤذن له فأبى, ثم أراده فأبى, فلما أكثر عليه قال له بلال: يا أبا بكر, إن كنت إنما اشتريتني عبداً فاصنع بي ما بدا لك, وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني – أو قال: خلني – فقال له أبو بكر رضي الله عنه: بل اشتريتك لله, فاذهب حيث شئت.

وقال أبو عروبة الحُسَيْن بن محمد بن مودود الحراني في كتابه "الطبقات": حدثنا المسيب بن واضح, حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن عطاء الخراساني, عن سعيد بن المسيب قال: لما كانت خلافة أبي بكر رضي الله عنه تجهز بلال إلى الشام فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ما كنت

 

#18#

أراك يا بلال تدعنا على هذه الحالة, لو أقمت معنا فأعنتنا, قال بلال: إن كنت إنما أعتقتني لله عز وجل فدعني أذهب إلى الله تعالى, وإن كنت إنما أعتقتني لنفسك فاحبسني عندك, فأذن له أبو بكر رضي الله عنه فخرج إلى الشام فمات بها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قال لنا أبو موسي: مات سنة إحدى وعشرين.

وقال ابن سعد: أخبرنا روح بن عبادة وعفان بن مسلم وسليمان بن حرب, قالوا: حدثنا حماد بن سلمة, عن علي بن زيد, عن سعيد بن المسيب: أن أبا بكر رضي الله عنه لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر, قال: لبيك, قال: أعتقتني لله أو لنفسك؟ [قال: لله] قال: فأذن لي حتى أغزو في سبيل الله تعالى, فأذن له, فذهب إلى الشام, فمات ثم.

وما أشبه هذه القصة غماً وحزناً بقصة أويس القرني حساً ومعنى.

قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: حج أويس ودخل المدينة فلما وقف على باب المسجد قيل له: هذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فغشي عليه, فلما أفاق قال: أخرجوني فليس بلادي بلداً محمد صلى الله عليه وسلم فيه مدفون.

صرح أويس بما كتمه سيد المؤذنين, وأظهر ما أخفاه في فؤاده الحزين, وبلال عرض بالجهاد, والخروج إلى البلاد, وذلك حين صارت أفئدة المؤمنين حزينة لفقد المصطفي صلى الله عليه وسلم حياً بالمدينة, فخرج

 

#19#

هارباً عنها بلال قائلاً عنه لسان الحال:

ولما نأى الأحباب عني وأعرضوا ... ولم أرج بعد البين من نحوهم قربا

خرجت بنفسي هارباً عن ديارهم ... لئلا ترى العينان ما يؤلم القلبا

وبلغنا أن بلالاً رضي الله عنه لم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم, فلما قدم عمر رضي الله عنه الشام لقي بلالاً فأمره فأذن.

قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم: لم يؤذن بلال لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة بالشام للظهر أو للعصر فقط, ولم يستتم الأذان فيها أيضاً.

ذكره في كتابه "المحلى".

وقال البخاري في "تاريخه الأوسط": حدثنا يحيى بن بشر, حدثنا قراد, أخبرنا هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم, عن أبيه قال: قدمنا الشام مع عمر رضي الله عنه فأذن بلال فذكر الناس النبي صلى الله عليه وسلم, فلم أر يوماً أكثر باكياً منه.

كان ديوان بلال في خثعم.

وخرج أبو بكر محمد بن إبراهيم بن مهدي في "فتوح الشام" من طريق عطاء بن عجلان, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قصة ذكر فيها قدوم عمر إلى الشام, وفتحه بيت المقدس, وفيها قال: فقال عمر:

 

#20#

يا بلال, ألا تؤذن لنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين, ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني سأطيعك إذ أمرتني في هذه الصلاة وحدها, فلما أذن بلال سمعت الصحابة أذانه بكوا بكاءً شديداً وكان أطول الناس بكاءً يؤمئذٍ: عقبة بن عامر, ومعاذ بن جبل, فقال لهما عمر: حسبكما رحمكما الله.

وجاء أن بلالاً رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه يقول له: ما هذه الجفوة, أما آن لك أن تزورني؟ فانتبه وركب راحلته حتى أتى المدينة فذكر أنه أذن بها فارتجت المدينة, فما رئي يوم أكثر باكياً بالمدينة من ذلك اليوم.

وفي كتاب "الرسالة في الصلاة" عن الإمام أحمد بن حنبل رواية مهنا بن يحيى الشامي عنه قال: لأن الحديث جاء عن بلال رضي الله عنه أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوماً واحداً إذ أتى مرجعه من الشام, ولم يكن للناس عهد بأذانه حيناً فطلب إليه أبو بكر رضي الله عنه وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فأذن, فلما سمع أهل المدينة صوت بلال وذكر النبي صلىالله عليه وسلم  بعد طول عهدهم بأذان بلال وصوته جدد ذلك في قلوبهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشوقهم أذانه إليه حتى قال بعضهم: بعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ شوقاً منهم إلى رؤيته, فلما هيجهم بلال عليه بأذانه وصوته فرقوا عند ذلك وبكوا واشتد بكاؤهم عليه صلى الله عليه وسلم حتى خرج العواتق من خدورهن شوقاً

 

#21#

إلى النبي صلىعليه وسلم       حين سمعن صوت بلال وأذانه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم, ولما قال بلال: "أشهد أن محمداً رسول الله" امتنع من الأذان فلم يقدر عليه، وقال بعضهم: سقط مغشياً عليه حباً للنبي صلى الله عليه وسلم, وشوقاً إليه, فرحم الله بلالاً والمهاجرين والأنصار ورضي عنهم, وجعلنا وإياكم من التابعين لهم بإحسان.

كنية بلال: أبو عبد الله, وقيل: أبو عمرو, وقيل: أبو عبد الكريم، ومات بدمشق, قاله الجمهور, وذكر عثمان بن خرزاذ, عن شيخ له أنه مات بحلب, وهو قول ضعيف.

وكانت وفاته سنة عشرين زمن عمر رضي الله عنه. هذا قول محمد بن إبراهيم التيمي, وابن إسحاق, وأبي عمر الضرير والجمهور.

وتقدم قول أبي عروبة الحراني، عن أبي موسى – وهو محمد بن المثنى العنزي -: أن بلالاً رضي الله عنه مات سنة إحدى وعشرين.

وقال يحيى بن بكير: توفي ابن بضع وستين سنة – رحمه الله ورضي عنه.

وكان من مولدي السراة فيما بين اليمن والطائف.

وكان رجلاً آدم شديد الأدمة نحيفاً طوالاً أحنى, له شعر كثير, خفيف العارضين, شمط كثير لا يغيره. قاله مكحول.

وقال أبو عروبة الحُسَيْن بن أبي معشر الحراني في كتابه "الطبقات": حدثنا مؤمل بن هشام, حدثنا إسماعيل, عن الجريري, عن أبي الورد،

 

#22#

عن عمرو ابن مرداس قال: أتيت الشام أتية فإذا أنا برجل حبشي غليط الشفتين أو قال: ضخم الشفتين والأنف, وإذا بين يديه سلاح فيه ألوية وهو يقول: يا أيها الناس, خذوا من هذا السلاح, فاستصلحوه وجاهدوا في سبيل الله عز وجل, قلت: من هذا؟ قالوا: بلال.

وقال الإمام أحمد في "العلل": حدثنا أبو بكر بن عياش, حدثنا حبيب بن أبي ثابت: أن أبا بكر أعتق بلالاً رضي الله عنهما فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم كره المقام, فقال أبو بكر: اذهب حيث شئت, فخرج إلى الشام, فمات بالشام.

وتقدم عن سعيد بن المسيب نحوه.

وذكر أبو حسان الحسن بن عثمان في ذكر سنة عشرين من الهجرة, قال: وفيها مات بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن تسع وستين سنة, ويقال: إنه كان ترب أبي بكر رضي الله عنهما ودفن عند باب الصغير, ويكنى أبا عبد الله.

وكلام أبي حسان هذا حدث به الواقدي, عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي, عن أبيه قال: توفي بلال بدمشق سنة عشرين, ودفن عند الباب الصغير في مقبرة دمشق وهو ابن بضع وستين سنة, وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقال: سمعت شعيب بن طلحة – من ولد أبي بكر: كان بلال ترب أبي بكر رضي الله عنهما.

 

#23#

وقال أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي في كتابه "الطبقات": بلال ابن رباح يكنى أبا عبد الله, مات بالشام بدمشق, ودفن في مقبرة باب كيسان, مات سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة لا يغير – يعني شيبه.

وقال: قال أبو أيوب – يعني سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي -: سمعت الوليد يقول: دفن بلال بباب كيسان.

وروي أنه مات بداريا ودفن بها.

وجاء عن يزيد بن هارون, حدثنا حسام بن مصك, حدثنا قتادة, عن القاسم بن ربيعة, عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم المرء بلال, وهو سيد المؤذنين».

ولما ترك بلال الأذان أتى أبو بكر رضي الله عنه لسعد القرظ بن عائذ, ويقال: ابن عبد الرحمن مولى عمار بن ياسر.

قال البخاري في "تاريخه الأوسط": يظن بعض الأنصار أن سعداً هذا من الأنصار, وليس هو من الأنصار, وهو مولى لقريش. انتهى.

 

#24#

فأتى به أبو بكر رضي الله عنه من قباء مؤذناً بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتوارث بنوه عنه الأذان إلى أيام مالك بن أنس وبعده.

وقيل: إنما من قباء عمر رضي الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم جعله مؤذناً بقباء.

ذكره أبو عمر ابن عبد البر.

وخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق بقية: حدثنا الزبيدي, عن الزهري, عن حفص بن عمر بن سعد القرظ: أن أباه وعمومته أخبروه أن سعد القرظ كان مؤذناً لأهل قباء, فانتقله عمر بن الخطاب, فجعله مؤذناً.

وقال حماد بن إسحاق: حدثنا الزبير بن أبي بكر, حدثني ذؤيب بن عمامة, عن عبد الرحمن بن سعد, عن عمر وعامر ابني حفص, ومحمد بن عمار, عن آبائهم, عن أجدادهم, عن سعد القرظ رضي الله عنه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت الزنج يتراطنون حين رأوه ليس معه أحد, ولم يدر به الناس, قال: فارتقيت على نخلة, فأذنت, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا سعد, من أمرك بهذا؟» قال: قلت: يا رسول الله, بأبي أنت وأمي, إني رأيت الزنج يتراطنون ولم يكن معك أحد فخفتهم عليك, فأردت أن يعلم أنك قد جئت حتى يجتمع الناس, فقال: «أصبت, إذا لم يكن معي بلال فأذن».

 

#25#

قال: وكان النجاشي قد أهدى له صلى الله عليه وسلم عنزتين فأعطى بلالاً واحدة, فكان يمشي بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي, قال: فجاء بلال إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أفضل أعمالكم الجهاد في سبيل الله» وقد أردت الجهاد, فقال له أبو بكر: أسألك بحقي إلا ما صبرت, إنما هو اليوم أو غداً حتى أموت, فأقام بلال معه يمشي بالعنزة بين يديه حتى توفي أبو بكر رضي الله عنه, فجاء إلى عمر رضي الله عنه فقال له كما قال لأبي بكر, فسأله عمر بما سأله أبو بكر رضي الله عنهما فأبى, قال: فمن يؤذن؟ قال: سعد القرظ؛ فإنه قد كان أذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأعطاه العنزة, فمشى بها بين يدي عمر رضي الله عنه حتى قتل, ثم بين يدي عثمان رضي الله عنه, ثم لم يزل يمشي بين يدي الأمراء ... هلم جرا, قال: حتى قدم علينا أمير المؤمنين المهدي, فغدونا بها, قال: وإذا الحراب قد طلع بها من كل وجه, فقلنا: إن عنزة النبي صلى الله عليه وسلم لا يمشى معها بحربة, فرد الحراب, ومشينا بها بين يديه حتى غرزناها في القبلة, قال: وأتي بدابة ليركبها, فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى ماشياً ذاهباً وراجعاً.

تابعه فيما رواه حماد أيضاً أبو ثابت محمد بن عبد الله المدني, عن عبد الرحمن بن سعد بنحوه مختصراً, إلا أنه قال: عن عبد الله بن محمد بن عمار مكان محمد بن عمار, فزاد عبد الله.

وفيه أن النجاشي بعث إلى النبي صلىوسلم            بثلاث عنزات, وسيأتي – إن شاء الله تعالى – فيما بعد.

 

#26#

وحدث به ابن سعد في "الطبقات" عن إسماعيل (بن عبد الله) بن عبد الله ابن أبي أويس المدني قال: حدثني عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد (المؤذن, حدثني عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد, وعمار بن حفص بن عمر بن سعد), وعمر بن حفص بن عمر بن سعد, عن آبائهم, عن أجدادهم أنهم أخبروهم أن النجاشي الحبشي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث عنزات .. وذكر الحديث بطوله.

وسعد سمي سعد القرظ للزومه التجارة فيه.

قال البخاري في "تاريخه الأوسط": حدثني إسماعيل بن أبي أويس قال: سألت بعض ولد سعد: لما سمي القرظ؟

قال: لأنه كان يتجر, فكلما اتجر في شيء نقص حتى اتجر في القرظ, فربح, فلزم التجارة فيه.

وبعد أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم تكلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في أمر جيش أسامة بن [زيد كما تقدم من طريق هلال بن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة, عن آبائه.

وروى هشام بن عروة, عن أبيه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول – (في مرضه -: «أنفذوا جيش أسامة»), فسار حتى بلغ الجرف, فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول]: لا تعجل؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل,

 

#27#

فلم يبرح حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما قبض رجع إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني وأنا على غير حالكم هذه, وأنا أتخوف أن تكفر العرب, وإن كفرت كانوا أول من يقاتل, وإن لم تكفر مضيت, فإن معي سروات الناس وخيارهم.

قال: فخطب أبو بكر رضي الله عنه الناس, ثم قال: والله لأن يخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال فبعثه أبو بكر واستأذن لعمر أن يتركه عنده, وأمر أن يحرز في القوم – أي: يقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال.

قال: فمضى حتى أغار, ثم رجعوا وقد غنموا وسلموا, فكان عمر رضي الله عنه يقول: ما كنت لأحيي أحداً بالإمارة غير أسامة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو أمير, قال: فسار فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسار بهم حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم, قال: فقدم بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً, فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم وأغاروا على أرضنا؟.

وحدث عبد الله بن لهيعة, عن أبي الأسود, عن عروة قال: فلما فرغوا من البيعة واطمأن الناس قال أبو بكر لأسامة بن زيد رضي الله عنهم: انهض وامض لوجهك, فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار, وقالوا: أمسك

 

#28#

أسامة وبعثه, فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أحبس جيشاً بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم! لقد اجترأت على أمر عظيم, والذي نفسي بيده, لأن تميل علي العرب أحب إلي من أن أحبس جيشاً بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, امض يا أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به, ثم اغز حيث أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية فلسطين, وعلى أهل مؤتة, فإن الله تعالى سيكفي ما تركت, ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر, فأستشيره وأستعين به فافعل, ففعل أسامة, ورجع عامة العرب عن دينهم, وعامة أهل المشرق, وغطفان, وأسد, وعامة أشجع, وتمسكت طيئ بالإسلام.

وقال الزهري: سار أسامة في ربيع الأول حتى بلغ أرض الشام, وانصرف, فكان مسيره ذاهباً وقافلاً أربعين يوماً.

وقيل: كان أسامة حينئذ ابن عشرين سنة.

 

#29#

&[الاختلاف في سنه وتأريخ وفاته صلى اللهعليه وسلم ]&

وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين. هذا هو الصحيح.

وثبت عن عائشة وأنس رضي الله عنهما وهو قول ابن عباس في المشهور عنه, وقول جرير بن عبد الله ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم.

 

#30#

ولذلك جاء عن عمران أبي نصر الضبعي – إن كان محفوظاً – فروى حجاج بن منهال, وعفان بن مسلم, عن حماد بن سلمة, عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي, عن أبيه عمران الضبعي أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين.

هكذا حدث به حماد بن سلمة, فوهم فيه, والصواب عن أبي جمرة, عن ابن عباس, قاله أبو عبد الله محمد بن منده.

وبهذا القول في سن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي قال سعيد بن المسيب, والحسن البصري, فيما رواه عنه أشعث الحمراني, وقال كذلك, والقاسم بن محمد, والشعبي, وأبو جعفر محمد بن علي بن الحُسَيْن, وأبوه علي بن الحُسَيْن, وأبو إسحاق السبيعي, ومحمد بن إسحاق وغيره.

وثبته محمد بن سعد, فقال: وهو الثبت إن شاء الله تعالى.

وصححه البخاري, وأبو عمر ابن عبد البر, والجمهور.

وقيل: توفي على رأس ستين سنة من عمره, صح ذلك عن أنس رضي الله عنه في حديث صفة النبي صلى الله عليه وسلم, فقال فيه: وتوفاه الله عز وجل على رأس ستين سنة.. الحديث.

 

#31#

وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, حدثنا أبي, حدثنا نافع أبو غالب الباهلي, شهد أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة, بسن أي الرجال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث؟ قال: ابن أربعين سنة, قال: ثم كان ماذا؟ قال: ثم كان بمكة عشر سنين, وبالمدينة عشراً (كذا), فتمت له (ستون) سنة, ثم قبضه الله عز وجل إليه, قال: بسن أي الرجال هو إذ عقل؟ قال: كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه .... وذكر الحديث, وقد قدمنا أوله.

وجاءت رواية عن أنس بخلاف ذلك في "صحيح مسلم" من حديث عثمان بن زائدة, عن الزبير بن عدي, عن أنس رضي الله عنه قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين, وقبض أبو بكر رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين, وقبض عمر رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين.

وبذلك قال عروة بن الزبير ومالك بن أنس.

وقال هشام بن حسان, عن الحسن قال: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستين سنة.

 

#32#

وقيل: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمس وستون سنة.

قال أحمد بن حنبل في "مسنده": حدثنا إسماعيل – هو ابن علية – عن خالد الحذاء, حدثني عمار-مولى بني هاشم, سمعت ابن عباس رضي الله عنهما – يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين.

تابعه أبو خيثمة زهير بن حرب وأبو بكر ابن أبي شيبة, عن ابن علية.

وهو عند أبي بكر ابن أبي شيبة, عن وكيع, عن سفيان, عن خالد.

ورواه بشر بن المفضل, عن خالد الحذاء به.

تابعه يونس بن عبيد, عن عمار وهو ابن أبي عمار.

قال البخاري في "تاريخه الصغير": ولا يتابع عليه, وكان شعبة يتكلم في عمار.

وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عفان.

 

#33#

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا خالد بن خداش قالا واللفظ لعفان: حدثنا يزيد بن زريع, حدثنا يونس, عن عمار – مولى بني هاشم – سألت ابن عباس رضي الله عنهما كم أتى لرسول الله صلى الله (عليه وسلم يوم مات؟ قال: ما كنت أرى مثلك من قومه يخفى عليك ذاك, قال: قلت: إني قد سألت فاختلف) علي, فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قلت: نعم, قال: أمسك أربعين بعث لها, وخمس عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف, وعشراً مهاجره بالمدينة.

وحدث به يعقوب بن سفيان في "التاريخ" عن هدبة بن خالد, حدثنا وهيب بن خالد, عن يونس بن عبيد .... فذكره.

تابعه معلى بن أسد, عن وهيب.

وقد وردت متابعة لعمار وهي ما رواه أحمد في "مسنده" عن هشيم, والطبراني في "معجمه الكبير" من حديث هشيم, عن علي بن زيد, عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين.

وحدث به ابن سعد, عن سعيد بن سليمان, عن هشيم, ويعقوب

 

#34#

ابن سفيان في "التاريخ" عن زياد بن أيوب, عن هشيم, وابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن أحمد بن حنبل, عن هشيم.

ورواه أبو علي حنبل بن إسحاق في "تاريخه" فقال: حدثني أبو عبد الله – يعني: أحمد بن حنبل – حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا خالد الحذاء, حدثنا عمار – مولى بني هاشم – سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين.

وقال الطبراني في "المعجم الكبير": حدثنا إسحاق, عن عبد الرزاق, عن ابن جريج, عن أبي الحويرث, عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو ابن خمس وستين, وأبو بكر رضي الله عنه وهو بمنزلته, وعمر بن الخطاب ابن ست وخمسين, وعثمان ابن إحدى وثمانين.

وحدث محمد بن عمر – هو الواقدي -, عن ابن أبي سبرة, عن عثمان بن عبد الله بن رافع, عن عكرمة (قال): قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين, وأقام بمكة خمس عشرة سنة, وهاجر عشراً, وقبض وهو ابن خمس وستين.

ويروى عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين.

وقال أحمد بن حنبل: حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي, عن قتادة,

 

#35#

عن الحُسَيْن, عن دغفل بن حنظلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين.

تابعه إسحاق بن راهويه وبندار ومحمد بن أبان البلخي, عن معاذ.

وحدث به أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" عن عبيد الله بن عمر – هو القواريري -, حدثنا معاذ بن هشام.. فذكره.

وخرجه يعقوب بن سفيان في "التاريخ" فقال: حدثني أبو بشر وشباب قالا: حدثنا معاذ بن هشام.. فذكره.

وحدث به ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن أحمد بن حنبل ومثنى بن معاذ, قالا: حدثنا معاذ بن هشام.. فذكره.

وعلقه البخاري في "تاريخه الكبير" فقال علي: حدثنا معاذ, حدثنا أبي.. فذكره, وقال: هو السدوسي الذهلي الشيباني, وقال: ولا يتابع عليه, ولا يعرف سماع الحسن من دغفل, ولا يعرف لدغفل إدراك النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن عباس وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين. وهو أصح.

 

#36#

وعلق ابن الجوزي في كتابه "التلقيح" عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرى له صحبة – يعني: دغفل – وهذا غير المشهور عن أحمد.

وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: أخبرنا حرب بن إسماعيل فيما كتب إلي قال: قلت لأحمد بن حنبل: دغفل بن حنظلة له صحبة؟ قال: ما أعرفه.

(قال الذهبي فيث كتابه "الميزان": ويقال: له صحبة. ولم يصح. وقال أحمد بن حنبل: ما أعرفه). قلت: يكفي في جهالته كون أحمد ما عرفه. انتهى.

وتأويل الذهبي هذا ليس بصحيح؛ لأن حرب بن إسماعيل لما سأل أحمد عن دغفل: له صحبة؟ فقال: ما أعرفه – يعني: ما أعرفه بصحبة – وكذا أوله عبد الرحمن ابن أبي حاتم, قال: يعني ما تعرف له صحبة أم لا.

ومما يوضح ذلك ما قال أبو بكر أحمد بن محمد الأثرم, عن أحمد بن حنبل أنه قال: قد سمعت منه – يعني: معاذ بن هشام – حديث دغفل بن حنظلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين, قلت لأبي عبد الله:

 

#37#

دغفل بن حنظلة له صحبة؟ فقال: لا, ومن أين له صحبة؟ هذا كان صاحب نسب.

قيل لأبي عبد الله: روي عنه غير هذا الحديث؟ فقال: نعم, حديث آخر يرويه أبان العطار, فذكر حديث صوم النصارى.

قال أبو عبد الله: لا أعلمه روي عن دغفل غيرهما.

وذكر محمد بن سعد دغفل في الطبقة الأولى من أهل البصرة وقال: لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم.

وذكره في الكبير في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة فقال: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئاً, وفد على معاوية بن أبي سفيان وكان له علم ورواية للنسب وعلم به.

جاءت له آثار تشهد بذلك, وله قصة مع طلبة بن قيس من بني سعد مناة جرت في الجاهلية بينهما في النسب, خرجها أبو بكر محمد بن المرزبان في كتابه "المروءة".

وقد جاء حديث يفصح برؤية دغفل للنبي صلى الله عليه وسلم, لكنه لا يثبت, وقد تقدم بطوله في أوائل الهجرة.

وهو دغفل بن حنظلة بن زيد بن عبدة بن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن شيبان بن ذهل.

ودغفل هذا خرج مع مسلم بن عيسى بن كريز إلى قتال الأزارقة فغرق في الماء منهزماً.

 

#38#

ودغفل في اللغة: ولد الفيل, والدغفل أيضاً: الزمن الخصيب.

قال محمد بن سواء: حدثنا (أبو) العوام شيبان بن زهير بن شقيق بن ثور, حدثنا قتادة, عن عمران بن حطان, عن دغفل (قال): قال لي معاوية: يا دغفل من أين علمت هذا العلم؟ قال: علمنيه يا أمير المؤمنين لسان سئول وقلب عقول.

وروينا من طريق ابن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبو هلال, عن قتادة, عن عبد الله بن بريدة: أن معاوية دعا دغفلاً فسأله عن أنساب الناس, وسأله عن النجوم فإذا رجل عالم, فقال: يا دغفل من أين حفظت؟ قال: حفظت بقلب عقول, ولسان سئول, وإن غائلة العلم النسيان, فقال معاوية: انطلق إلى يزيد فعلمه أنساب الناس, وعلمه النجوم, وعلمه العربية.

والحديثان اللذان لا يروى عن دغفل غيرهما خرجهما الطبراني في "معجمه الكبير" فقال: حدثنا موسى بن هارون, حدثنا إسحاق بن راهويه, حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي, عن قتادة, عن الحسن,

 

#39#

عن دغفل بن حنظلة قال: كان على النصارى صوم شهر رمضان, وكان عليهم ملك, فمرض, فقال: لئن شفاني الله لأزيدن عشراً, ثم كان عليهم ملك بعده فأكل اللحم فوجع, فقال: لئن شفاه الله تعالى ليزيدن ثمانية أيام, ثم كان بعده ملك فقال: ما ندع من هذه الأيام أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع, ففعل, فصارت خمسين يوماً.

وبه عن دغفل بن حنظلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين سنة.

وخرج الأول البخاري أيضاً في "تاريخه الكبير" عن إسحاق – يعني: ابن راهويه – مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم مختصراً.

وخرج الثاني الترمذي في "الشمائل" عن بندار ومحمد بن أبان البلخي, عن معاذ بن هشام به.

وقال: دغفل لا نعرف له سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم, (وكان في زمن النبي صلى الله عله وسلم رجلاً. انتهى.

وقيل: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم) لثنتين وستين سنة ونصف, روي عن مكحول فحدث عمر بن عبد الواحد الدمشقي, عن النعمان بن المنذر الغساني, عن مكحول قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثنتين وستين سنة وأشهر.

 

#40#

وقال يعقوب بن سفيان في "التاريخ": حدثنا عبد الحميد بن بكار السلمي – من أهل بيروت – أخبرني محمد بن شعيب, أخبرني النعمان, عن مكحول, أخبره قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين, وأوحي إليه يوم الاثنين, وهاجر يوم الاثنين, وتوفي يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف ... وذكر بقيته, وقد قدمنا منه طرفاً.

وحدث يحيى بن حمزة, عن الأوزاعي, عن ابن عجلان, عن سعيد بن أبي سعيد, عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثنتين وستين سنة وستة أشهر, وقيل: لثنتين وستين سنة.

وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا أبي, حدثنا معاذ بن هشام الدستوائي.

وقال يعقوب بن سفيان في "التاريخ" واللفظ له: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا معاذ بن هشام الدستوائي, حدثنا أبي, عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم شمط في عنفقته وصدغيه, وتوفي وهو ابن ثنتين وستين سنة ... وذكر بقيته.

وجمع بين الاختلاف في سن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي, فقال أبو الفرج ابن الجوزي: ومن قال: ستين أراد أعشار السنين, والإنسان قد يقول: سني أربعون, ويكون قد زاد عليها إلا أن الزيادة لم تبلغ عشراً.

 

#41#

وقال مغلطاي فيما أنبؤونا عنه: وجمع – يعني: بين الخلاف في سنه صلالله عليه وسلم   – بأن من قال: خمساً يعني: وستين حسب السنة التي ولد فيها والتي قبض فيها, ومن قال: ثلاثاً وهو المشهور, أسقطهما, ومن قال: ستين أسقط الكسور.

قلت: وما قدمناه عن ابن الجوزي في تأويل الستين أبين وأبلغ.

وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة من الهجرة في شهر ربيع الأول يوم الاثنين, لا خلاف بين أهل السير في الشهر, وكذلك في اليوم.

قال محمد بن يوسف الفريابي: حدثنا سفيان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: قال لي أبو بكر: أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: يوم الاثنين, قال: إني أرجو أن أموت فيه, فمات فيه.

وهو في "الصحيح" من حديث معلى بن أسد, عن وهيب, عن هشام بن عروة.

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "العلل": حدثني محمد بن حاتم, أخبرنا عامر بن صالح, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين.

 

#42#

وجاء عن عبد الله بن صالح, عن الليث بن سعد قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاثنين لليلة خلت من ربيع الأول.

قال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا موسى – يعني: ابن إسماعيل– حدثنا أبو يحيى – صاحب الطعام – حدثني محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن صوم يوم الاثنين, فقال: «أما يوم الاثنين فهو اليوم الذي ولدت فيه», ولم يبين للناس أني أموت فيه.

وممن جزم باليوم أيضاً عائشة فيما تقدم, وأنس وابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن, والزهري, وجعفر بن محمد, وعروة بن الزبير, وطاوس, ومكحول, وخلق, ولا أعلم فيه خلافاً.

وكانت الوفاة حين اشتدت الضحاء, وهو المشهور.

وجاء عن الأوزاعي: أنه قبل أن ينتصف النهار, وقيل: كان نصف النهار, وقال: حين زاغت الشمس من يوم الاثنين.

ذكره موسى بن عقبة, عن الزهري وابن لهيعة, عن أبي الأسود, عن عروة, وقال عثمان بن محمد الأخنسي, وذكره الحاكم في "الإكليل".

 

#43#

وقد صح عن أنس رضي الله عنه أنه قال في حديث لما كشف سجف الحجرة يوم الاثنين قال: وتوفي من آخر ذلك اليوم.

قال الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي فيما أجازه لنا مكاتبة من مصر غير مرة: والجمع بينهما – أي: بين قول أنس: "وتوفي من آخر ذلك اليوم" وقول من قال: "توفي ضحى" – أن المراد أول النصف الثاني, وهو آخر وقت الضحى, وهو من آخر النهار باعتبار أنه من النصف الثاني.

ويدل عليه ما رواه ابن عبد البر بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم – وإنا لله وإنا إليه راجعون – ارتفاع الضحى وانتصاف النهار يوم الاثنين.

وذكر موسى بن عقبة في "مغازية" عن ابن شهاب: توفي يوم الاثنين حين زاغت الشمس, فبهذا يجمع بين مختلف الحديث في الظاهر, والله أعلم. انتهى.

وقد قدمنا من طريق ابن (أبي) مليكة, عن عبيد بن عمير, عن عائشة رضي الله عنها قالت: فما انتصف النهار من ذلك – تعني: اليوم – حتى قبض الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم.

وحدث به الواقدي, عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي, عن أبيه, عن جده من قوله.

 

#44#

وقد اختلف فيما مضي من الشهر، فقيل: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول.

ذكره الزهري عن عروة بن الزبير, ورواه إبراهيم بن يزيد, عن ابن طاوس, عن أبيه.

وحدث به أبو جعفر الوراق, عن إبراهيم بن سعد, عن ابن إسحاق.

وقال أبو حسان (الحسن) بن عثمان: وهذا أثبت الأقاويل.

وجزم بذلك سعيد بن عفير ومحمد بن سعد, وأبو حاتم بن حبان, وأبو عمر بن عبد البر, وأبو الفرج بن الجوزي, وصححه أبو عمرو بن الصلاح, وأبو زكريا النووي, والذهبي في "العبر", وبه صدر المزي الخلاف.

وقيل: توفي صلى الله عليه وسلم لمستهل شهر ربيع الأول فيما روي عن عروة وسعيد بن جبير.

وقاله أبو نعيم الفضل بن دكين فيما رواه عنه يوسف هو ابن يعقوب الصفار.

ورواه إبراهيم بن المنذر الحزامي, عن ابن فليح, عن موسى بن عقبة, عن ابن شهاب.

وروي نحوه عن مقاتل بن سليمان.

ورواه أبو الشيخ ابن حيان في "تاريخه" عن الليث بن سعد.

 

#45#

وذكره الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي.

وجزم به ابن زبر في "الوفيات".

وقيل: لليلة خلت من ربيع الأول.

رواه يحيى بن بكير, وعبد الله بن صالح, عن الليث بن سعد, وتقدم.

وقيل: توفي صلى الله عليه وسلم لليلتين خلتا منه.

رواه المعتمر بن سليمان التيمي, عن أبيه.

وروي عن محمد بن قيس مولى يعقوب القبطي رواه عنه أبو معشر, حدث به أحمد بن حنبل عن حُسَيْن بن محمد عن أبي معشر.

ورواه الواقدي عن أبي معشر.

وبه قال القاضي أحمد بن كامل بن شجرة.

وذكر ابن جرير عن الكلبي ولوط أبي مخنف: أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي في الثاني من ربيع الأول.

وقيل: لثمان خلون من ربيع الأول, قاله أبو محمد بن حزم ورجحه, وجزم به غيره.

وقيل: لعشر خلون منه.

رواه سيف بن عمر الأسيدي, عن محمد بن عبد الله, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول.

 

#46#

قال الحافظ أبو الفضل بن العراقي فيما أخبرنا به مكاتبة من مصر غير مرة: والقول الأول – يعني: الذي قدمناه – أنه توفي صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول, وإن كان قول الجمهور فقد استشكله السهيلي من حيث التاريخ.

قلت: واستشكله أيضاً الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي, وأبو اليمن ابن عساكر وغيرهم.

قال ابن العراقي: وذلك لأن الوقفة كانت في حجة الوداع يوم الجمعة بالاتفاق لحديث عمر رضي الله عنه المتفق عليه, وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون ثاني عشر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة يوم الاثنين لا على تقدير

 

#47#

كمال (الشهور الثلاثة, ولا على تقدير) نقصانها, ولا على تقدير كمال بعضها ونقص بعضها؛ لأن ذا الحجة أوله الخميس, فإن نقص هو والمحرم وصفر كان ثاني عشر ربيع الأول يوم الخميس, وإن كمل الثلاث كان ثاني عشر يوم الأحد, وإن نقص بعضها وكمل بعضها كان ثاني عشر إما الجمعة أو السبت, هذا التفصيل لا محيص عنه.

وقد رأيت بعض أهل العلم يجيب عن هذا الإشكال بأنه: تفرض الشهور الثلاثة كوامل, ويكون قولهم: "لاثنتي عشرة ليلة خلت منه" أي: بأيامها كاملة, فتكون وفاته صلى الله عليه وسلم بعد استكمال ذلك والدخول في الثالث عشر.

وفيه نظر من حيث إن الذي يظهر من كلام (أهل) السير نقصان الثلاثة أو اثنين منها؛ بدليل ما رواه البيهقي في "دلائل النبوة" بإسناد صحيح إلى سليمان التيمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر, وكان أول يوم مرض فيه يوم السبت, وكانت وفاته اليوم العاشر يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.

فهذا يدل على أن أول صفر يوم السبت, فلزم نقصان ذي الحجة والمحرم.

وقوله: وكانت وفاته اليوم العاشر – أي: من مرضه – يدل على نقص صفر أيضاً.

 

#48#

ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الواقدي, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء, لإحدى عشرة بقيت من صفر, إلى أن قال: اشتكى بثلاثة عشر يوماً, وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.

فهذا يدل على نقصان الشهور أيضاً, إلا أنه جعل مدة مرضه صلى الله عليه وسلم أكثر مما في حديث التيمي.

ويجمع بينهما بأن المراد بهذا ابتداؤه, وبالأول اشتداده, والواقدي وإن ضعف في الحديث, فهو من أئمة أهل السير, وأبو معشر نجيح مختلف فيه.

ويرجح ذلك وروده عن بعض الصحابة, وذلك فيما رواه الخطيب في "الرواة عن مالك" من رواية سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي, حدثنا مالك بن أنس, عن نافع, عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض ثمانية, فتوفي لليلتين خلتا من ربيع الأول ... الحديث.

فاتضح أن قول سليمان التيمي ومن وافقه راجح من حيث التاريخ, وكذلك قول ابن شهاب: مستهل شهر ربيع الأول, فيكون أحد الشهور الثلاثة ناقصاً, والله أعلم.

 

#49#

قلت: وقد أجاب بعضهم بجواب أبين مما ذكره شيخنا أبو الفضل بن العراقي وهو أنه يؤرخ بالليالي دون الأيام, ولكن لا يؤرخ إلا بليلة مضى يومها, فيكون اليوم تبعاً لليلة, وكل ليلة لم يمض يومها لم يعتد بها وكذلك إذا ذكروا الليالي في عدد فإنهم يريدون بها الليالي مع أيامها, فإذا قالوا: عشر ليال فمرادهم بأيامها, فحينئذ يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثالث عشر الشهر, لكن لما لم يكن يومه قد مضى لم يؤرخ بليلته, وإنما أرخوا بليلة الأحد ويومها وهو الثاني عشر, فيتصور حينئذ قول ابن إسحاق وغيره: توفي النبي صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول, والله أعلم.

وأشار الذهبي في "تاريخ الإسلام" إلى احتمال وهو: إن كان يوم عرفة بمكة يوم الجمعة, وبالمدينة يوم الخميس مثلاً أو يوم السبت فيبنى على حساب ذلك.

قلت: لا يتوجه على تقدير أنه كان يوم عرفة بالمدينة يوم الخميس, بل على أنه كان يوم السبت مع فرض الأشهر الثلاثة كوامل فيكون مستهل شهر ربيع الأول يوم الخميس, فثاني عشرة يوم الاثنين, والله أعلم.

وكانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أيلول, روي ذلك عن الحسن البصري.

ودفن صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء. وروي عن عائشة رضي الله عنها وهو قول سهل بن سعد الساعدي وغيره, قال أبو محمد بن حزم في "التاريخ": ودفن عليه الصلاة والسلام نصف ليلة الأربعاء.

 

#50#

وقال عكرمة: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين, فحبس بقية يومه وليلته, ومن الغد حتى دفن من الليل – يعني: ليلة الأربعاء.

وقيل: دفن يوم الثلاثاء.

روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبي سلمة بن عبد الرحمن والأوزاعي وابن جريج.

وقيل: ليلة الثلاثاء, روي عن عائشة رضي الله عنها في أحد قوليها.

وقيل: يوم الأربعاء.

وروي عن مكحول وغيره.

وقيل: دفن من ساعته يوم الاثنين عند الزوال, وليس هذا بشيء, والأول أثبت الأقوال.

 

#51#

&[الاختلاف في مدة علته صلى الله عليه وسلم]&

واختلف في مدة علته صلى الله عليه وسلم، قيل: كانت مدة علته صلىالله عليه وسلم  اثني عشر يوماً, وهو غريب.

وقيل: ثلاثة عشر يوماً, وهو المشهور.

ورواه الواقدي عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب, عن أبيه, عن جده, قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة, وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول.

وقيل: أربعة عشر يوماً.

وذكر القاضي أحمد بن كامل بن شجرة فيما رواه عنه الحاكم أن علته صلى الله عليه وسلم كانت عشرة أيام أولها يوم السبت, وتوفي (في) العاشر لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة.

وفي هذا أن ابتداء علته صلى الله عليه وسلم كان يوم السبت.

وقيل: كان ابتداء علته صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر.

 

#52#

وقيل: يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر وهو غلط, والله أعلم؛ لأن على هذا يكون مستهل صفر يوم الأربعاء, ولا يتصور؛ لأن مستهل ذي الحجة كان يوم الخميس, وقد ذكرنا الخلاف قبل في ابتداء وجعه صلى الله عليه وسلم في أي بيوت أزواجه كان.

 

#53#

&[أزواجه صلى الله عليه وسلم المتوفى عنهن]&

ولا خلاف أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللائي توفي عنهن تسع نسوة.

قال أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا عثمان بن زفر, حدثنا سيف بن عمر, عن عبد الله بن محمد, عن هند بن هند بن أبي هالة, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل أبى لي أن أتزوج أو أزوج إلا أهل الجنة».

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في "العلل": حدثني زياد بن أيوب, حدثنا علي بن محمد, حدثنا أبو الحُسَيْن العكلي, قال هارون بن [أبي] إبراهيم أخبرني, قال: سألت محمد بن سيرين عن كم قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال: عن تسع, عن عائشة, وأم سلمة, وميمونة, وسودة, وأم حبيبة, وزينب, وحفصة, وممن سبى فاستنكح: صفية, وجويرية.

وجاء عن ابن سيرين, عن أبي هريرة: قال أبو علي محمد بن

 

#54#

محمد بن الأشعث الكوفي: حدثنا محمد بن عمرو بن يونس, حدثنا أسباط بن محمد القرشي, عن أبي بكر الهذلي, عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة: أم سلمة, وعائشة, وأم حبيبة بنت أبي سفيان, وزينب, وحفصة, وصفية ابنة حيي, وجويرية بنت الحارث, وميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم, وسودة بنت زمعة.

والتسع المذكورات رضي الله عنهن منهن خمس قرشيات وأربع من نساء القبائل.

 

#55#

فأما القرشيات فهن:

$1 - [أم المؤمنين سودة بنت زمعة]:$

أم الأسود سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل – ويقال: ابن حسيل – بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر القرشية العامرية.

وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار, والشموس بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب بن هاشم, وتقدم ذكرها.

كانت سودة تحت ابن عمها السكران بن عمرو بن عبد شمس أخي سهل وسهيل وسليط وحاطب بني عمرو, وكل منهم أسلم وله صحبة.

هاجر بسودة زوجها السكران إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية, ثم رجع بها إلى مكة فمات بها, وقيل: مات بالحبشة, فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها وقدان بن قيس فيما قاله عبد الله بن محمد بن عقيل, فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بعد موت خديجة رضي الله عنها بأيام.

وقيل: بعد موت خديجة بسنة, وقيل: قبل عائشة فيما روي عن قتادة, وقاله أبو عبيدة معمر بن المثنى, وهو المشهور عند الجمهور. ورواه عقيل عن الزهري.

 

#56#

وجاء عن يونس عن الزهري أنه صلى الله عليه وسلم تزوج سودة بعد عائشة, وسيأتي – إن شاء الله تعالى – في ترجمة عائشة رضي الله عنها فيما رواه عنها يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ما يدل على ذلك.

وقد انفردت سودة بصحبة رسول الله صلى الله عليهوسلم  أربع سنين لا يشاركها فيه امرأة ولا سرية, ثم بنى بعائشة رضي الله عنها بعد. قاله الذهبي في "تاريخ الإسلام".

$[صداق سودة أم المؤمنين رضي الله عنها]:$

وكان صداقها أربعمائة درهم.

قال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا إسماعيل, حدثنا سلمة بن علقمة, عن محمد بن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي, سمعت عمر رضي الله عنه يقول: ألا لا تغلوا صدق النساء, قال: لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم, ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية.

وخرج أبو داود في "سننه" فقال: حدثنا محمد بن عبيد, حدثنا حماد بن زيد, عن أيوب, عن محمد, عن أبي العجفاء السلمي

 

#57#

قال: [خطبنا فقال: ألا تغالوا بصدق النساء, فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله] كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم .... وذكر الحديث.

ورواه أبو أمية الطرسوسي فقال: حدثنا جعفر بن عون, حدثنا إسماعيل بن مسلم, عن ابن سيرين, عن أبي العجفاء السلمي قال: قال عمر ... فذكره بنحوه.

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع, روح بن الفرج ويحيى بن أيوب, قالا: حدثنا يوسف بن عدي, حدثنا القاسم بن مالك, عن أشعث بن سوار, عن الشعبي, عن شريح قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تغالوا بمهور النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا والآخرة كان أحقكم بها وأولاكم بها محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته, ما تزوج امرأة من نسائه, ولا زوج شيئاً من بناته بأكثر من اثنتي عشرة أوقية.

غريب من حديث الشعبي عن شريح, والمشهور من حديث [ابن] سيرين, عن أبي العجفاء, عن عمر. تفرد به القاسم بن مالك المزني,

 

#58#

عن أشعث, قاله أبو نعيم في "الحلية" بعد أن حدث بالحديث عن سليمان بن أحمد, هو الطبراني.

والحديث عند الشعبي أيضاً عن مسروق, عن عمر.

قال أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا أبي, حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد, حدثنا أبي, [عن ابن إسحاق, حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد, عن المجالد بن سعيد, عن الشعبي], عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب رضي الله عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم [يخطب الناس فقال: يا أيها الناس, ما إكثاركم في صدقات النساء؟ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم] وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما فوق ذلك, ولو كان الإكثار في ذلك تقوى من الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها, فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم.

قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين, أنهيت الناس أن يزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال: نعم, قالت: أما سمعت ما أنزل الله تبارك وتعالى في القرآن؟ قال وأي ذلك؟ قالت: أما: سمعت الله عز وجل يقول: {وءاتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} فقال: اللهم غفراً, كل الناس أفقه من عمر.

 

#59#

ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس, إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم, فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب وطابت به نفسه فليفعل.

وذكر أبو بكر ابن العربي تعليقاً في كتابه "أحكام القرآن" [مختصراً بنحوه, ثم قال: وهذا لم يقله عمر رضي الله عنه على طريق التحريم, وإنما أراد به الندب إلى التعليم]. انتهى.

وقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد, عن يزيد بن عبد الله ابن الهاد, عن محمد بن إبراهيم بن الحارث, عن أبي سلمة: سئلت عائشة رضي الله عنها: كم كان صداق النبي صلى الله عليهوسلم ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا, قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا, قالت: نصف أوقية.

حدث بنحوه أحمد في "مسنده" عن الشافعي.

وخرجه مسلم ومحمد بن أبي عمر المكي فرقهما, عن عبد العزيز.

تابعهم عبد الله بن محمد النفيلي, عن عبد العزيز, خرجه أبو داود عن النفيلي. وسيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة الجونية من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

 

#60#

والأوقية بالضم مشددة وقد تخفف, اسم لأربعين درهماً.

والنش: نصف الأوقية, فتكون الاثنتا عشرة أوقية والنش: خمسمائة درهم, والله أعلم.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط": من حديث صالح بن موسى الطلحي, عن منصور بن المعتمر, عن إبراهيم بن الأسود بن يزيد, عن عائشة رضي الله عنها قالت: جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صداق النساء اثنتا عشرة أوقية, والأوقية أربعون درهماً, فذلك ثمانون وأربعمائة درهم .... الحديث.

تفرد به صالح عن منصور.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "العلل": وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا إبراهيم بن خالد, حدثني رباح, عن معمر, عن الزهري قال: كان يقول: كان صداق كل امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم عشر أواق ذهب.

$[إمساك النبي صلى الله عليه وسلم سودة وعدم طلاقها]:$

وكان دخول النبي صلى الله عليه وسلم بسودة بمكة على الصحيح, وهاجر بها إلى المدينة, فلما كبرت هم بطلاقها وذلك في السنة الثامنة من الهجرة, فوهبت يومها لعائشة وقالت: لا حاجة لي في الرجال, وإنما أريد أن أحسب في زوجاتك, فأمسكها.

 

#61#

روى موسى بن زيد بن ثابت, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: إن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكبر نساء النبي صلى الله عليه وسلم, فتخوفت أن يطلقها, وضنت به وعرفت من حبه عائشة فقالت: يا رسول الله, أرأيت يومي الذي هو لي, فإني أهبه لعائشة طيبة به نفسي, فقبل ذلك منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا ابن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا, وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً, فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ الذي هو يومها فيبيت عندها, ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت, وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله يومي لعائشة. فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت: تقول في ذلك أنزل الله عز وجل وفي أشباهها أراه قال: {إن امرأة خافت من بعلها نشوزاً} الآية.

 

#62#

ورواه ابن أبي مريم, عن [ابن] أبي الزناد, وقال في الحديث «فيقبل ويلمس ما دون الوقاع».

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وطلق سودة بنت زمعة, فقعدت له قبل صلاة الصبح, فلما مر قالت له: إنه ليس لي في الرجال أرب, ولكني أحب أن أبعث في أزواجك فراجعني واجعل يومي لمن أحببت من نسائك. فراجعها وجعل يومها لعائشة رضي الله عنها. انتهى.

وقال أحمد بن عبد الجبار العطاردي: حدثنا يونس – يعني ابن بكير – عن النعمان بن ثابت, عن الهيثم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسودة ابنة زمعة: «اعتدي» فتعرضت له في طريقه فقالت: نشدتك الله إلا راجعتني, فلك يومي اجعله لأي نسائك شئت, فإنما أريد أن أحشر من أزواجك يوم القيامة, فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروينا من حديث موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما من الناس أحد أحب إلي أن أكون في مسلاخه من سودة بنت زمعة إلا أن بها حدة.

 

#63#

وروى الأعمش, عن إبراهيم قال: قالت سودة: يا رسول الله, صليت البارحة خلفك فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم, قال: فضحك صلى الله عليه وسلم, وكانت تضحكه الأحيان.

$[وفاتها رضي الله عنها]:$

ماتت سودة رضي الله عنها آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة عشرين.

قال البخاري في "تاريخه الأوسط": حدثنا يحيى بن سليمان, حدثنا ابن وهب, عن عمرو, عن سعيد بن أبي هلال قال: توفيت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في زمن عمر رضي الله عنه.

وقال أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة, عن مصعب: في آخر زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقيل: ماتت في شوال سنة أربع وخمسين, وهو المشهور.

ورجحه الواقدي, وقال: إنه الثبت.

وقال البخاري في "صحيحه": حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبو عوانة, عن فراس, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة رضي الله عنها: أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال:

 

#64#

«أطولكن يداً» فأخذوا قصبة يذرعونها, فكانت سودة أطولهن يداً, فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة, وكانت أسرعهن لحوقا به, وكانت تحب الصدقة.

وخرجه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني في "صحيحه" المخرج على "صحيح مسلم" عن أبي زرعة الرازي, عن موسى بن إسماعيل, وعن عثمان بن شداد, عن سهل بن بكار, وعن أبي داود سليمان بن سيف الحراني الحافظ, عن يحيى بن حماد قالوا: حدثنا أبو عوانة .. فذكره.

وخرجه النسائي في "سننه" عن أبي داود الحراني به.

وخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن عفان, عن أبي عوانة هكذا.

وفي هذا نظر, فإن المشهور أن أسرعهن لحوقاً به صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش, فإنها ماتت في أول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المشهور.

 

#65#

وقال مسلم في "صحيحه": حدثنا محمود بن غيلان أبو أحمد حدثنا الفضل بن موسى السيناني, أخبرنا طلحة بن يحيى بن طلحة, عن عائشة بنت طلحة, عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً» قالت: فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت تعمل بيديها وتصدق.

وقال محمد بن عبيد: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: «أطولكن يداً أسرعكن موتاً بعدي» فكن يتذارعن, فكانت سودة أطولهن يداً, فلما توفي [رسول الله] صلى الله عليه وسلم, كانت زينب أسرعهن موتاً بعده, فقلن: كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرن, فقلن: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أطولنا يداً في الخير.

هذا من مراسيل الشعبي, فهذا هو الصحيح, لكن سودة أطولهن يداً

 

#66#

في الخلق.

وجاء أنها كانت امرأة ضخمة طويلة ولهذا قال عمر رضي الله عنه: ألا قد عرفناك يا سودة, والله ما تخفين علينا.

وأما أطولهن يداً في الصدقة وأولهن لحوقاً به صلى الله عليه وسلم فزينب, فبهذا يجمع بين الحديثين, وإن بعض الرواة اشتبه عليه طول يد هذه من طول يد هذه.

ذكر معنى هذا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله.

لكن ذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن منده في كتابه "معرفة الصحابة" في ترجمة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين, من طريق يونس بن بكير قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة, عن عامر الشعبي قال: قلن النسوة: يا رسول الله, أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال: «أطولكن يداً», فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يداً, فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير والصدقة.

وإدخال ابن منده هذا الحديث في ترجمة أم المساكين يدل على أن المراد عنده بزينب المذكورة في الحديث أم المساكين, والله أعلم.

 

#67#

$2-[أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها]:$

وأم عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشية التيمية رضي الله عنها.

وأمها أم رومان – بضم الراء وفتحها – وهي بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة, وقيل في نسبها غير ذلك, فيه خلاف كثير.

قال أبو بكر ابن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد, عن علي بن زيد, عن القاسم بن محمد أن أم رومان زوج أبي بكر أم عائشة لما دليت في قبرها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان».

كانت عائشة رضي الله عنها مسماة لجبير بن مطعم, فخطبها رسول الله صلى ه وسلمل       , فقال أبو بكر: يا رسول الله, دعني حتى أسلها من جبير سلاً رقيقاً.

وقال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أحمد بن عبد الجبار, حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي, عن محمد بن عمرو, عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لما ماتت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها جاءت

 

#68#

خولة بنت حكيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله, ألا تزوج؟ قال: «ومن؟».

قالت: إن شئت بكراً, وإن شئت ثيباً, فقال: «ومن البكر ومن الثيب؟».

فقالت: أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك عائشة, وأما الثيب فسودة بنت زمعة, قد آمنت بك واتبعتك. قال صلى الله عليه وسلم: «فاذكريها علي».

قالت: فأتيت أم رومان فقلت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وذاك ماذا؟ قالت: قلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر عائشة. قالت: انتظري, فإن أبا بكر آت. قالت: فجاء أبو بكر فذكرت ذلك له فقال: أوتصلح له وهي ابنة أخيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أخوه وهو أخي وابنته تصلح لي».

قالت: وقام أبو بكر فقالت لي أم رومان: إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه, ووالله, ما أخلف وعداً قط – تعني أبا بكر – قالت: فأتى أبو بكر المطعم فقال: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ قالت: فأقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين يا هذه؟ قالت: فأقبلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليك تصيبه وتدخله في دينك الذي أنت عليه. قال: فأقبل عليه أبو بكر رضي الله عنه فقال: ماذا تقول؟ فقال: إنها تقول ما تسمع.

قالت: فقام أبو بكر رضي الله عنه وليس في نفسه من الموعد شيء, قالت: فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: قولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليأت.

قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فملكها.

قالت خولة: ثم انطلقت إلى سودة بنت زمعة, وأبوها شيخ كبير, قد جلس عن المواسم, قالت: فحييته بتحية أهل الجاهلية, وقلت: أنعم

 

#69#

صباحاً. قال: من أنت؟ قالت: قلت: خولة بنت حكيم, قالت: فرحب بي وقال ما شاء الله أن يقول, قالت: قلت: محمد صلى الله عليه وسلم [بن عبد الله] بن عبد المطلب يذكر سودة بنت زمعة, قال: كفؤ كريم, ماذا تقول صاحبتكم؟ قالت: قلت: تحب ذاك. قال: قولي له فليأت, قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فملكها.

قالت: وقدم عبد بن زمعة, فجعل يحثي على رأسه التراب, وقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي على رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة.

حديث حسن الإسناد.

وقد خرجه الإمام أحمد في "مسنده" فقال: حدثنا محمد بن بشر, حدثنا محمد بن عمرو, حدثنا أبو سلمة ويحيى, قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله, ألا تزوج؟ قال: «من؟» قالت: إن شئت بكراً, وإن شئت ثيباً .... وذكر الحديث بنحوه أطول سياقاً من هذا.

عرضها الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نكاحها في سرقة من حرير وقال: هذه زوجتك.

صح عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير,

 

#70#

فقال لي: هذه امرأتك, فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي, فقلت إن يك هذا من عند الله يمضه».

له طرق إلى هشام.

وقال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق, عن عبد الله بن عمرو بن علقمة, عن ابن أبي حُسَيْن, عن ابن أبي مليكة, عن عائشة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.

حدث به الترمذي عن عبد, وقال: هذا حديث حسن غريب.

وأعله برواية عبد الرحمن بن مهدي, عن عبد الله بن عمرو مرسلاً, لم يذكر عائشة.

وقال بكر بن سهل الدمياطي: حدثنا عبد الغني بن سعيد – يعني الثقفي – حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني, عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما توفيت خديجة رضي الله عنها بمكة نزل جبريل عليه السلام بصورة عائشة رضي الله عنها في سرقة حرير خضراء فقال: يا محمد هذه عائشة زوجتك في الدنيا وزوجتك في الآخرة عوضاً من خديجة بنت خويلد.

$[تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها]:$

كان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال: صح من حديث عبد الله بن عروة, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في

 

#71#

شوال, وبنى بي في شوال, فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني؟ قال: وكانت تستحب أن يدخل نساؤها في شوال.

كان تزويجها بمكة قبل الهجرة بسنتين, وقيل: سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين وهي يومئذ ابنة ست سنين, وقيل سبع, والأول أصح.

وأصدقها أربعمائة درهم, وقيل: اثنتي عشرة أوقية ونشا.

وحدث أبو الفضل عباس بن محمد الدوري, عن يحيى بن معين في "تاريخه" حدثنا وكيع, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية, عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيت قيمته خمسون درهماً.

قال يحيى بن معين: تعني متاع بيت.

قلت ليحيى: إن قوماً يقولون: على بت قيمته خمسون درهماً.

فقال يحيى: لا والله الذي لا إلا هو إلا على بيت.

فقلت ليحيى: انظر في كتابك.

فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو لا أنظر في كتابي, وما هو إلا على بيت. تعني متاع بيت.

البت: الكساء, وقيل: الكساء الغليظ, وقيل: النطع.

 

#72#

وبنى النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها وهي بنت تسع سنين بالمدينة في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره على الصحيح.

وقيل: [على] رأس سبعة أشهر.

وقيل: على رأس ثمانية عشر شهراً.

صح عن عبد الرزاق, عن معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين, وزفت إليه وهي بنت تسع سنين, ولعبها معها, ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة.

وحدث يونس بن بكير, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت أمي تعالجني تريد أن تسمنني بعض السمن؛ لتدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها حتى أكلت التمر بالقثاء, فسمنت عليه أحسن ما يكون من السمن.

خرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير, عن يونس بنحوه.

وخرجه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد, عن ابن إسحاق, عن هشام به.

وعن أبي بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة, عن هشام, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

#73#

لست سنين, قالت: فقدمنا المدينة, فوعكت شهراً فوفى شعري جميمة, فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة ومعي صواحبي فصرخت بي, فأتيتها وما أدري ما تريد بي, فأخذت بيدي, فأوقفتني على الباب, فقلت: هه هه حتى ذهب نفسي, فأدخلتني بيتاً فإذا نسوة من الأنصار, فقلت: على الخير والبركة وعلى خير طائر, فأسلمتني إليهن, فغسلن رأسي وأصلحن, فلم يريني إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى, فأسلمنني إليه.

وللحديث طرق إلى عائشة رضي الله عنها.

وحدث الزبير بن بكار, عن محمد بن حسن المخزومي, عن [ابن] أبي الزناد, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنا وخلف بناته ... وذكر الحديث بطوله.

 

#74#

وفيه قالت: ثم إنا قدمنا المدينة, فنزلت مع آل أبي بكر, ونزل آل النبي صلى الله عليه وسلم معه, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني مسجده وأبياتاً حول المسجد، فأنزل فيها أهله, فمكثنا أياماً, ثم قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال: «الصداق» فأعطاه أبو بكر رضي الله عنه اثنتي عشرة أوقية ونشاً, فبعث بها إلينا, وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي هذا الذي أنا فيه, وهو الذي توفي فيه ودفن فيه صلى الله عليه وسلم .... وذكر بقيته.

وقد تقدم مطولاً في الهجرة.

$[من فضائل عائشة]:$

ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها.

وكانت رضي الله عنها كثيرة الصدقة والمعروف والإحسان, صائمة الدهر فيما قاله القاسم وسعد بن إبراهيم.

قال [ابن] الزبير: ما رأيت أجود من عائشة وأسخى, كانت تجمع الشيء إلى الشيء, حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه, وأما أسماء رضي الله عنها فكانت لا تمسك شيئاً لغد.

وقال عروة بن الزبير: لقد رأيت عائشة رضي الله عنها تقسم سبعين ألفاً وهي ترقع درعها.

وجاء عن الزهري, عن قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة قال: كانت عائشة رضي الله عنها أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

#75#

وقال زياد بن الربيع أبو خداش اليحمدي البصري: حدثنا خالد بن سلمة, حدثنا أبو بردة بن أبي موسى, عن أبيه قال: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون في شيء إلا سألوا عنه عائشة رضي الله عنها فيجدون عندها من ذلك علماً.

وقال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي, أخبرني أبي, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه, ولا أعلم بآية فيم نزلت ولا فريضة, من عائشة رضي الله عنها.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في "كتاب العلل": وجدت في كتاب أبي: حدثنا إبراهيم بن خالد, حدثني رباح, حدثني معمر, عن الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو جمع علم نساء هذه الأمة فيهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان علم عائشة أكثر من علمهن».

ورواه بشر بن موسى, حدثنا الحميدي, حدثنا سفيان, عن الزهري, قال: لو جمع علم الناس كلهم, ثم علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكانت عائشة رضي الله عنها أوسعهم علماً.

 

#76#

وخرجه الحاكم في "مستدركه".

ووقفه على الزهري أشبه بالصواب, والله أعلم.

وكلا الإسنادين قوي, لكن ترجمة الحميدي عن سفيان عن الزهري متينة صحة وحفظاً.

ورواه عبد الله بن محمد بن سلم, عن عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار العطار, حدثنا سفيان عن الزهري .... فذكر نحوه.

وقال أحمد بن حنبل: حدثني أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق أنه قيل له: هل كانت عائشة رضي الله عنها تحسن الفرائض؟ قال: إي والذي نفسي بيده لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض.

تابعه ابن سعد وأحمد بن يونس وخلف بن الوليد, عن أبي معاوية.

وحدث به يعقوب بن سفيان في "تاريخه" عن عمرو بن حفص, عن أبيه, عن الأعمش.

ورواه القاضي يوسف بن يعقوب, عن عمرو بن مرزوق, حدثنا شعبة, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, وقال: ذكرت

 

#77#

عائشة رضي الله عنها عنده فقال رجل: إن كانت لفقيهة؟

قال: فكأن مسروقاً غضب وقال: لقد رأيت الأشياخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض.

وقال ابن أبي خيثمة في "التاريخ": حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا زياد بن الربيع, حدثنا خالد بن سلمة المخزومي, عن أبي بردة, عن أبيه قال: ما أشكل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة رضي الله عنها إلا وجدنا عندها منه علماً.

وقال أبو سعيد محمد بن شاذان: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا عيسى بن يونس, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: ما رأيت أحداً أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

خرجه وحديث أبي معاوية السابق الحاكم في "مستدركه".

وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد, عن هشام بن عروة, عن أبيه قال: ربما روت عائشة رضي الله عنها القصيدة ستين بيتاً وأكثر.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة في "التاريخ": حدثنا أحمد بن يونس, حدثنا المعافى بن عمران, حدثنا المغيرة بن زياد, عن عطاء قال: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة.

وخرجه الحاكم في "المستدرك".

 

#78#

وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص العمري, عن عبد الرحمن بن القاسم, عن أبيه قال: كانت عائشة رضي الله عنها قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان هلم جرا إلى أن ماتت, وكنت ملازماً لها مع برها بي. وذكر بقيته.

وقال الليث بن سعد: إن علياً ذكر عائشة رضي الله عنها قال: لو كانت امرأة خليفة لكانت عائشة خليفة.

خرجه اللالكائي في "شرح السنة" لليث.

ورويناه من طريق أحمد بن محمد بن بشير بن عيسى, حدثنا جدي بشير بن عيسى, حدثنا تميم بن البهلول, حدثنا محمد بن حميد, حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أم موسى قالت: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لو كانت المرأة خليفة, أو تصلح أن تكون خليفة لكان يصلح أن تكون عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما خليفة.

وخرج أبو نعيم في كتابه "الحلية" من حديث الوليد بن محمد الموقري, عن الزهري, عن أنس رضي الله عنه قال: أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها.

وخرجه الخطيب في "تاريخه" فقال: أخبرنا علي بن أحمد بن عمر

 

#79#

المقرئ, أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم, حدثنا أحمد بن إسحاق الملحمي, حدثنا محمد بن عمرو بن خالد المصري, وأخبرنا أبو نعيم الحافظ, حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني, حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني أبو علاثة, حدثنا أبي, حدثنا محمد بن الزبير – مؤذن حران – حدثنا الزهري قال: أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها.

واللفظ لحديث الملحمي.

وحدث به أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "اعتلال القلوب" فقال: حدثنا علي بن داود القنطري, حدثنا عمرو بن خالد الحراني, حدثنا محمد بن الزبير – إمام مسجد حران – عن الزهري قال: أول حب كان في الإسلام حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها. وقال أيضاً: حدثنا محمد بن جابر الضرير, حدثنا أبو عمر الحوضي, حدثنا مبارك بن فضالة, عن علي بن زيد, عن عمته أم محمد, عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة عليها السلام ذكرت عائشة رضي الله عنها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «يا بنية, إنها حبيبة أبيك».

 

#80#

وخرج النسائي من حديث يزيد [بن المقدام] بن شريح بن هانئ, عن أبيه, عن أبيه شريح, عن عائشة رضي الله عنها أنه سأل عائشة رضي الله عنها: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قال: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني فآكل معه وأنا عارك, وكان يأخذ العرق فيقسم علي فيه فأغترف منه, ثم أضعه فيأخذ فيغترف منه, ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق، ويدعو الشراب فيقسم علي فيه قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح.

ورواه أيضاً عن الأعمش, عن المقدام بن شريح, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع فاه على الموضع الذي أشرب منه ويشرب من فضل سؤري وأنا حائض.

ورواه أيضاً عن مسعر, عن المقدام بنحوه, ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني الإناء فأشرب منه وأنا حائض, ثم أعطيه, فيتحرى موضع في فيضعه على فيه.

 

#81#

وخرجه أبو داود لمسعر.

وهو في "صحيح مسلم" من حديث وكيع, عن مسعر وسفيان, كلاهما عن المقدام بنحوه.

وخرجه ابن ماجه من حديث شعبة عن المقدام.

وخرج ابن سعد في "الطبقات الكبرى" من حديث عبد الملك بن عمير, عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أعطيت خلالاً ما أعطيتها امرأة, ملكني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت سبع سنين, وأتاه الملك بصورتي في كفه, فنظر إلي, وبنى بي لتسع سنين, ورأيت جبريل ولم تره امرأة غيري, وكنت أحب نسائه إليه, وكان أبي أحب أصحابه إليه, ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي, فمرضته فقبض ولم يشهده غيري والملائكة.

وخرجه الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" من حديث أبي الخطاب زياد بن يحيى الحساني, حدثنا مالك بن سعير, حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, أخبرنا عبد الرحمن بن الضحاك: أن عبد الله بن صفوان أتى عائشة رضي الله عنها وآخر معه, فقالت عائشة لأحدهما: أسمعت حديث حفصة يا فلان؟ قال: نعم يا أم المؤمنين, فقال لها عبد الله بن صفوان: وما ذاك يا أم المؤمنين؟ قالت: خلال لي تسع لم

 

#82#

تكن لأحد من النساء قبلي إلا ما آتى الله عز وجل مريم بنت عمران عليها السلام والله ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي, فقال لها عبد الله بن صفوان: وما هن يا أم المؤمنين؟ قالت: جاء الملك بصورتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع سنين, وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين وتزوجني بكراً لم يشركه في أحد من الناس, وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد, وكنت من أحب الناس إليه, ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها, ورأيت جبريل عليه السلام ولم يره أحد من نسائه غيري, وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك إلا أنا.

وخرجه أبو جعفر بن جرير في "تاريخه" فقال: حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري, أخبرنا محمد بن يزيد, عن إسماعيل – يعني ابن أبي خالد – عن عبد الرحمن بن أبي الضحاك, عن رجل من قريش, عن عبد الرحمن بن محمد أن عبد الله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة رضي الله عنها ... وذكر الحديث بنحوه.

وقال بكر بن سهل الدمياطي: حدثنا عبد الغني بن سعيد الثقفي البرقي, حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني القرشي, عن ابن

 

#83#

جريج, عن عطاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت عائشة رضي الله عنها: أعطيت عشر خصال لم تعطهن ذات خمار قبلي: صورت لرسول الله قبل أن أصور في رحم أمي, وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً, لم يتزوج بكرا غيري, وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي وهو بين سحري ونحري, وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين سحري ونحري, ونزلت براءتي من السماء, وكنت أحب النساء إليه وكان أبي أحب الرجال إليه, وخير رسول الله صلى اللهعليه وسلم  وهو بين حاقنتي وذاقنتي, ودفن في بيتي.

وقال عبد الملك بن محمد: حدثنا الحكم بن مروان, حدثنا فرات بن السائب, عن ميمون بن مهران, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها قالت: إني لأفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بسبع: ابتكرني ولم يبتكر امرأة غيري, ولم ينزل عليه من القرآن منذ دخل علي إلا في بيتي, ونزل بعذري قرآن يتلا, وقال لي: أنت زوجتي في الدنيا والآخرة, وقبض بين سحري ونحري, ودفن في بيتي, وأتاه جبريل بصورتي مرتين قبل أن يملك عقدي.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث يحيى بن آدم, حدثنا قيس بن الربيع, عن مغيرة, عن الشعبي, عن عمرو بن الحارث بن المصطلق: بعث زياد إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمال وفضل عائشة, فجعل الرسول يعتذر إلى أم سلمة فقالت: يعتذر إلينا زياد, فقد كان يفضلها من كان علينا أعظم تفضيلاً من زياد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

#84#

لم يرو هذا الحديث عن مغيرة إلا قيس, ولا عن قيس إلا يحيى بن آدم, تفرد به الوكيعي, قاله الطبراني.

والوكيعي هو أحمد بن عمر راوي الحديث, عن يحيى بن آدم.

وقال الحاكم في "مستدركه": وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبيد القرشي بالكوفة, حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري, حدثنا أسباط بن محمد القرشي, حدثنا مطرف, عن أبي إسحاق, عن مصعب بن سعد قال: فرض عمر رضي الله عنه لأمهات المؤمنين عشرة آلاف, وزاد عائشة ألفين وقال: إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مطرف هو ابن طريف الحارثي الكوفي.

وخرجه من حديث عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن مصعب بن سعد عن سعد موقوفاً عليه.

ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لإرسال مطرف بن طريف إياه.

قلت: وحدث به أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي, عن أخيه أحمد بن جعفر, حدثنا أحمد بن بديل, حدثنا أسباط بن محمد, حدثنا مطرف بن عبد الله, عن أبي إسحاق ... فذكره.

وخرج من طريق يحيى بن أبي طالب: حدثنا زيد بن الحباب, أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن المكي, حدثني عبد الله بن أبي مليكة, حدثني

 

#85#

ذكوان أبو عمرو مولى عائشة أن درجاً قدم إلى عمر رضي الله عنه من العراق وفيه جوهر, فقال لأصحابه: تدرون ما ثمنه؟

فقالوا: لا, ولم يدورا كيف يقسمونه.

فقال: تأذنون أن أبعث به إلى عائشة لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها؟

فقالوا: نعم, فبعث به إليها ففتحته فقالت: ماذا فتح على ابن الخطاب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ اللهم لا تبقني لعطيته لقابل.

فيه إرسال, لم يصح سماع ذكوان من عمر رضي الله عنه.

وقال هناد بن السري في كتابه "الزهد": حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن عطاء قال: بعث معاوية رضي الله عنه إلى عائشة رضي الله عنها بطوق من ذهب فيه جوهر قوم مائة ألف, فقسمته بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضاً: حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن محمد بن المنكدر, عن أم ذرة – وكانت تغشى عائشة رضي الله عنها قالت بعث إليها ابن الزبير بمال في غرارتين, فقالت: أراه ثمانين ومائة ألف, فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة, فجعلت تقسمه بين الناس, فأمست وما عندها من ذلك درهم, فلما أمست, قالت: يا جارية, هلمي فطري, فجاءتها بخبز وزيت, فقالت لها أم ذرة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري

 

#86#

لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لا تعنفيني, لو كنت ذكرتيني لفعلت.

وقال: حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن تيم, عن عروة بن الزبير, قال: لقد رأيت عائشة رضي الله عنها تصدق بسبعين ألفاً, وإنها لترقع جانب درعها.

وقال الحارث بن أبي أسامة: حدثنا روح, حدثنا حاتم بن أبي صغيرة, حدثنا ابن أبي مليكة أن عائشة بنت طلحة حدثته أن عائشة رضي الله عنها قتلت جاناً فأريت في المنام: والله لقد قتلته مسلماً, فقالت: لو كان مسلماً ما دخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, فقيل لها: وهل دخل إلا وعليك ثيابك؟ فأصبحت فزعة, فأمرت باثنتي عشرة ألفاً فجعلتها في سبيل الله.

وروي عن علي بن الأقمر, عن مسروق أنه كان إذا حدث عن أم المؤمنين عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات.

تابعه الشعبي وغيره عن مسروق. وإسناده صحيح.

 

#87#

وحدث به الحُسَيْن بن الحسن المروزي في كتاب "الزهد" لابن المبارك من زياداته عليه, فقال: أخبرنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش, عن مسلم, عن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها قال: حدثتني المبرأة المصدقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقلت له: فكانت تحسن الفرائض؟ قال: لقد رأيت أكابر أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض.

وتقدم بنحوه مختصراً.

وخرج أحمد بن حنبل في "مسنده" وابن سعد في "الطبقات الكبرى" واللفظ له من حديث عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان حاجب عائشة رضي الله عنها أنه جاء – يعني ابن عباس – يستأذن على عائشة, فجئت وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن, فقلت: هذا عبد الله بن عباس يستأذن عليك – وهي تموت – فقالت: دعني من ابن عباس فإنه لا حاجة لي به ولا بتزكيته, فقال: يا أمتاه: إن ابن عباس من صالح بنيك يسلم عليك ويودعك, قالت: فأذن له إن شئت, فأدخلته, فلما أن جلس وسلم قال: أبشري, قالت: بم؟ قال: ما بينك وبين أن تلقي محمداً صلى الله عليه وسلم والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد, كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيباً, وسقطت قلادتك ليلة الأبواء, فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلبها حين يصبح في المنزل, فأصبح الناس

 

#88#

ليس معهم ماء فأنزل الله تعالى أن تيمموا صعيداً طيباً, فكان ذلك من سببك, وما أذن الله لهذه الأمة من الرخصة, وأنزل الله براءتك من السماء من فوق سبع سماوات جاء بها الروح الأمين, فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيها إلا هي تتلى فيها آناء الليل والنهار, فقالت: دعني منك يا ابن عباس, فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً.

وخرجه أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم, عن ابن أبي مليكة إن شاء الله بنحوه.

ورواه عثمان بن سعيد الدارمي, عن ابن أبي مليكة مختصراً.

وفي "صحيح البخاري" نحوه.

وقال الحُسَيْن بن الحسن المروزي في زياداته على "كتاب الزهد" لشيخه ابن المبارك: حدثنا أبو معاوية, حدثنا أبو حنيفة, عن حماد, عن إبراهيم, عن الأسود, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليهون علي الموت أن أريتك زوجتي في الجنة.

وقال أبو بكر محمد بن الحسن بن الأزهر: حدثنا عباس الدوري, حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان الثوري, عن الأعمش, عن أبي

 

#89#

صالح, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً من مكة أشعث أغبر, أكثر عليه اليهود المسائل, والنبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم جواباً مداركاً – بإذن الله - وكانت خديجة رضي الله عنها قد ماتت بمكة فلما أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واستوطنها, طلب التزويج, فقال لهم: «أنكحوني», فأتاه جبريل عليه السلام بخرقة من الجنة طولها ذراع في عرض شبر, فيها صورة لم ير الراءون أحسن منها, فنشرها جبريل له وقال له: يا محمد إن الله تعالى يقول لك أن تزوج هذه الصورة, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا من أين لي مثل هذه الصورة يا جبريل؟» فقال له جبريل: إن الله عز وجل يقول لك؛ تزوج ابنة أبي بكر الصديق, فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل أبي بكر فقرع الباب ثم قال: «يا أبا بكر, إن الله عز وجل أمرني أن أصاهرك», وكان له ثلاث بنات, فعرضهن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني أن أتزوج هذه الجارية» عائشة رضي الله عنها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث من مراسيل أبي هريرة رضي الله عنه لو ثبت, بل هو حديث موضوع مختلق من قبل محمد بن الحسن بن الأزهر بن جبير بن جعفر القطان الأصم الدعاء.

قال الخطيب أبو بكر الحافظ: رجاله كلهم ثقات غير محمد بن الحسن, ونراه مما صنعت يداه.

 

#90#

وقال ابن الجوزي: ما أبعد الذي وضعه عن العلم! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها وهو بمكة, ولم يكن حينئذ لأبي بكر ثلاث بنات, ما كان له غير أسماء وعائشة رضي الله عنها وإنما جاءته بعد وفاته ابنة يقال لها أم كلثوم. انتهى.

ومحمد بن الحسن الدعاء هذا هو راوي كتاب "الحيدة" منفرداً به، رواه عنه أبو عمرو عثمان بن السماك. قال الذهبي في كتاب "الميزان": ويغلب على ظني أنه هو الذي وضع كتاب "الحيدة" إني أستبعد وقوعها جداً, وإنما ذكرنا هذا الحديث الباطل لهتك حاله وللمعرفة به.

وحدث يونس بن بكير في "المغازي" عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت أمي تعالجني تريد أن تسمني بعض السمن لتدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما استقام لها بعض ذلك حتى أكلت التمر بالقثاء فسمنت عليه كأحسن ما يكون من السمنة.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب "العلل": حدثني أبي, حدثنا حسن بن موسى, حدثنا حماد بن سلمة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه إلى المدينة بثنتين أو ثلاث وأنا بنت سبع سنين أو ست سنين فلما قدمنا المدينة جاءتنا نسوة وأنا ألعب في أرجوحة, وأنا مجممة فذهبن بي, فهيأنني وصنعنني, ثم أتين بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت تسع سنين.

 

#91#

قال أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار: حدثنا عبيد الله بن النعمان, حدثنا سعيد بن سلام, حدثنا ابن أبي رواد, حدثني منصور بن عبد الرحمن, عن أمه صفية بنت شيبة, عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من نسائه فنثروا على رأسه تمر عجوة.

وحدث الكديمي, عن سهل بن حسان, وهو ابن أبي حدويه, حدثنا الوليد بن مسلم, عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, قال: أخبرني كلاب بن تلاد, حدثتني أسماء مقينة عائشة رضي الله عنها قالت: لما أقعدنا عائشة لنجليها برسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في نسوة, فقرب إلينا لبناً وتمراً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلن واشربن» فقلن: يا رسول الله, إنا صوام, قال: «كلن واشربن ولا تجمعن جوعاً وكذباً» قالت: فأكلنا وشربنا.

وقال أبو اليمان الحكم بن نافع: أخبرنا شعيب, عن عبد الله – يعني ابن أبي حُسَيْن – حدثني شهر أن أسماء بنت زيد بن سكن إحدى نساء بني عبد الأشهل دخل عليها يوماً فقربت له طعاماً, فقال: لا أشتهيه, قالت: إني قينت عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم

 

#92#

جئته بجلوتها فدعوته لجلوتها, فجاء فجلس إلى جنبها, فأتي بعس لبن فشرب منه, ثم ناولها, فخفضت رأسها واستحيت, قالت أسماء رضي الله عنها: فانتهرتها وقلت لها: خذي من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فأخذته فشربت شيئاً, ثم قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطي تربك» قالت أسماء،: فقلت: يا رسول الله, بل خذه فاشرب منه, ثم ناولنيه من يدك, فأخذه فشرب منه, ثم ناولنيه, قالت: فجلست ثم وضعته على ركبتي, ثم طفقت أديره وأتبعه بشفتي لأصيب منه مشرب النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قال لنسوة عندي: «ناوليهن», فقلن: لا نشتهي, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجمعن جوعاً وكذباً» فهل أنت منتهية أن تقولي: لا أشتهيه؟ فقلت: إي أمه لا أعود أبداً.

وقال ابن حبان في «صحيحه»: أخبرنا ابن قتيبة, أخبرنا ابن أبي السري, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن الزهري, [عن يحيى بن سعيد بن العاص]، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استعذر أبا بكر من عائشة رضي الله عنها ولم يظن النبي صلى الله عليه وسلم أن ينالها بالذي نالها, فرفع أبو بكر رضي الله عنه يده فلطمها وصك في صدرها, فوجد من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «يا أبا بكر, ما أنا بمستعذرك منها بعدها أبداً».

 

#93#

$[وفاتها رضي الله عنها]:$

ولدت عائشة رضي الله عنها سنة أربع من النبوة, ومات عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة سنة.

وتوفيت بالمدينة ليلة الثلاثاء بعد صلاة الوتر لسبع عشرة.

وقيل: لخمس عشرة مضت من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين, قاله الواقدي وغيره.

[وقيل: سبع وخمسين, قاله هشام بن عروة, في خلافة معاوية رضي الله عنه].

وقيل: سنة سبع وخمسين, وعاشت ستاً وستين سنة, قاله الواقدي.

وقيل: ماتت وهي ابنة تسع وستين.

وصلى عليها أبو هريرة بعد الوتر في شهر رمضان, وكان إذ ذاك أمير المدينة من قبل مروان بن الحكم؛ لأن مروان اعتمر تلك السنة واستخلف أبا هريرة, ومروان حينئذ كان عاملاً لمعاوية, استعمله على الحجاز ليس ذلك في ولايته.

ودفنت بالبقيع ليلاً, فاجتمع الخلق, فلم ير ليلة أكثر ناساً منها؟ قاله الواقدي.

وعن أبي عتيق قال: رأيت ليلة توفيت عائشة حمل معها جريد في الخرق والزيت فيه نار في الليل, ورأيت النساء بالبقيع كأنه عيد.

وحدث محمد بن الحسن بن زبالة, عن عبد الله بن وهب, عن ابن

 

#94#

جريج, عن نافع وغيره من أهل العلم قالوا: والإمام يوم صلينا على عائشة رضي الله عنها أبو هريرة, وحضر ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ودخل قبر عائشة عبد الله وعروة ابنا الزبير, والقاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر, وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر.

حدث به عن ابن زبالة الزبير بن بكار في كتابه "ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم".

وقال أيضاً: حدثني محمد بن حسن, عن معن بن عيسى, عن فائد, عن منقذ الحفار قال: كان من المقبرة قبران مطابقان بالحجارة ليس فيها غيرهما: قبر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, وقبر الحسن بن علي رضي الله عنهما.

$[كنيتها رضي الله عنها]:$

ويروى أن عائشة رضي الله عنها أسقطت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطاً سماه عبد الله.

وقال أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار: حدثنا عبد الله بن أيوب المخرمي أبو محمد, حدثنا داود بن المحبر, حدثنا محمد بن عروة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: أسقطت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطاً فسماه عبد الله, وكناني بأم

 

#95#

عبد الله, [وقال محمد:] فليس فينا امرأة اسمها عائشة إلا كنيت بأم عبد الله.

وقد خرج ابن سعد في "الطبقات" من حديث هشام بن عروة, عن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا نبي الله, ألا تكنيني؟ قال: «اكتني بابنك عبد الله بن الزبير» فكانت تكنى بأم عبد الله.

وخرجه الحاكم وصحح إسناده.

وخرجه أبو داود في "سننه", عن مسدد وسليمان بن حرب المعنى, قالا: حدثنا حماد, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله, كل صواحبي لهن كنى, قال: «فاكتني بابنك عبد الله» قال مسدد: عبد الله بن الزبير. قال: فكانت تكنى أم عبد الله.

قال أبو داود: وهكذا قال قران بن تمام ومعمر جميعاً, عن هشام نحوه, ورواه أبو أسامة عن عباد بن حمزة, وكذلك حماد بن سلمة ومسلمة بن قعنب, عن هشام كما قال أبو أسامة.

 

#96#

قلت: رواية هشام عن عباد حدث بها أبو بكر بن أبي خيثمة في "التاريخ" فقال: حدثنا موسى, حدثنا وهيب بن خالد, حدثنا هشام بن عروة, عن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله, ألا تكنيني, قال: «اكتني بابنك, عبد الله بن الزبير» قال: فكانت تكتني بأم عبد الله.

وحدث به أيضاً عن أبيه, حدثنا يحيى بن سعيد الأموي, عن هشام بن عروة, عن عباد بن حمزة, عن عائشة ... فذكره.

ورواه أيضاً عن يحيى بن عبد الحميد, حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه قال: قالت عائشة رضي الله عنها.. فذكره.

وحدث به ابن ماجه في "سننه" عن أبي بكر بن أبي شيبة, عن وكيع, عن هشام بن عروة, عن مولى الزبير, عن عائشة رضي الله عنها قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: لكل أزواجك كنية غيري, قال: «فأنت أم عبد الله».

وقال أبو سعيد الخليل بن أحمد السجزي في كتابه "الآداب": أخبرنا ابن صاعد, حدثنا محمد بن إسحاق, حدثنا داود بن رشيد, حدثنا عباد بن العوام, حدثنا عمر بن عامر عن أم كلثوم, عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كناها بأم عبد الله.

وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن الأعرابي في "معجمه": حدثنا

 

#97#

عبد الله بن أيوب, حدثنا داود بن المحبر, حدثنا محمد بن عروة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: أسقطت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سقطاً فسماه عبد الله وكناني بأم عبد الله. قال محمد: فليس فينا امرأة اسمها عائشة إلا كنيت بأم عبد الله.

وهذا حديث منكر من قبل داود بن المحبر, فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه؛ ولهذا لم نذكره عند أولاد النبي صلى الله عليه وسلم.

 

#98#

$ 3 - [أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها]:$

وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشية العدوية شقيقة عبد الله رضي الله عنهم.

وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح, من المهاجرات, وهي أخت عثمان بن مظعون.

ولدت حفصة رضي الله عنها وقريش تبني البيت قبل البعثة بخمس سنين, وكانت عند أبي حذافة خنيس بن حذافة بن قيس السهمي البدري رضي الله عنه ولم يشهد بدراً سهمي غيره, مات عنها بعد رجوعه من بدر على رأس خمسة عشر شهراً من الهجرة.

وذكر أبو عمر بن عبد البر أن خنيساً شهد أحداً, ونالته جراحات, مات بالمدينة. قال: فعلى هذا يكون تزوجه صلى الله عليه وسلم بها بعد أحد؛ لأنهم أجمعوا على أنها تأيمت من خنيس, والقول الأول هو الصحيح.

ولما حلت عرضها أبوها عمر بن الخطاب على عثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانت زوجته رقية بنت رسول الله صلى اللهعليه وسلم  قد ماتت ودفنت يوم أتى البشير بفتح الله ونصره ببدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمناه قبل, وكان عثمان شكا إلى عمر رضي الله عنهما انقطاع الصهر بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عمر: ألا أزوجك ابنتي؟ فلم يجبه, وشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «بل يزوجك الله خيراً من ابنة عمر, ويزوج ابنة عمر خيراً منك», فزوجه أم كلثوم, وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة.

 

#99#

ذكره بنحوه أبو عبيدة معمر بن المثنى.

قال: وزعم بعضهم أن عثمان خطب إلى عمر فرده, فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تلك المقالة.

وقال ابن سعد في كتاب "الطبقات الكبرى": حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, عن يونس عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت بعض بناته عند عثمان فتوفيت, فلقيه عمر رضي الله عنهما فرآه حزيناً ورأى من جزعه, فقال له وعرض عليه حفصة, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: لقيت عثمان, فرأيت من جزعه فعرضت عليه حفصة, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على ختن خير من عثمان, وأدل عثمان على ختن هو خير له منك؟» قال: بلى يا رسول الله, فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها وزوج ابنة له عثمان رضي الله عنه.

وخرج في "الطبقات" أيضاً من حديث علي بن زيد, عن سعيد بن

 

#100#

المسيب قال: تأيمت حفصة من زوجها, وتأيم عثمان من رقية, قال: فمر عمر بعثمان رضي الله عنهما وهو كئيب حزين, فقال: هل لك في حفصة فقد فرطت عدتها من فلان؟ فلم يحر إليه شيئاً, قال: فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر ذلك له, قال: «خيراً من ذاك, زوجني حفصة وأزوجه أم كلثوم [أختها», قال: فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها وزوج عثمان أم كلثوم رضي الله عنها] [وخرجه الحاكم. وكان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة رضي الله عنها] في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة قبل أحد بشهرين, وقيل: تزوجها في السنة الثانية من الهجرة.

وقال أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "التاريخ": حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد بن سلمة, أخبرنا أبو عمران الجوني, عن قيس بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ابنة عمر رضي الله عنهما فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون, فبكت وقالت: والله ما طلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شبع, وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فتجلببت, فقال صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل عليه السلام: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة, وإنها زوجتك في الجنة».

 

#101#

تابعه عفان وجماعة عن حماد وهو مرسل وإسناده جيد.

وخرجه ابن سعد في "الطبقات" وأبو نعيم في "الحلية" والحاكم في "مستدركه".

وروي عن أنس وقتادة وابن سيرين بنحوه.

ومن حديث أنس: رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا الحسن بن أبي جعفر, حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة, فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد, طلقت حفصة وهي صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة؟!

وخرجه بنحوه الطبراني في "معجمه الأوسط" وهو في "المستدرك" للحاكم.

وجاء من حديث هشيم, عن حميد, عن أنس.

ورواه قتادة عن أنس.

وخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث أحمد بن عبد الرحمن بن

 

#102#

وهب, حدثنا عمي عبد الله بن وهب, حدثني عمر بن صالح, عن موسى بن علي بن رباح, عن أبيه, عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لما طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر رضي الله عنهما فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فوضع التراب على رأسه, وجعل يقول: ما يعبأ الله بعمر بعد هذا؟ قال: فنزل جبريل عليه السلام من الغد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر رضي الله عنهما.

وخرجه الطبراني في "معجمه" فقال: حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى, حدثنا جدي حرملة, حدثنا ابن وهب, حدثني عمرو بن صالح [الحضرمي فذكره.

وحدث يونس بن بكير في "المغازي" عن سليمان الأعمش عن أبي صالح], عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: دخل عمر على أختي حفصة وهي تبكي, فقال لها: ما يبكيك؟ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك, إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي, فوالله لئن كان طلقك أخرى لا أكلمك كلمة أبداً.

وجاء عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه به.

 

#103#

خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم, والحاكم في "مستدركه", وصححه.

وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بطلاقها ولم يفعل.

قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثني مخرمة بن بكير, عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بطلاق حفصة حتى ذكر بعض ذلك, فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن حفصة صوامة قوامة وكانت امرأة صالحة.

وخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث المنذر بن الوليد الجارودي, حدثنا أبي, حدثنا الحسن بن أبي جعفر, عن عاصم, عن زر, عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق حفصة فجاء جبريل عليه السلام, فقال: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة.

وجاء عن عبد الله بن عمر, عن نافع, عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة رضي الله عنها.

 

#104#

*[وفاتها]:

توفيت حفصة رضي الله عنها في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة في خلافة معاوية رضي الله عنه وهي ابنة ستين سنة.

وقيل: توفيت سنة إحدى وأربعين حين بايع الحسن [بن علي] معاوية رضي الله عنهم.

وقيل: ماتت في خلافة عثمان رضي الله عنه بالمدينة سنة سبع وعشرين.

وقيل: سنة ثمان وعشرين عام أفريقية في خلافة عثمان رضي الله عنه وقيل غير ذلك.

وروي عن الزهري, عن سالم, عن أبيه قال: توفيت حفصة رضي الله عنها فصلى عليها مروان بن الحكم وهو يومئذ عامل المدينة.

وروى المقبري عن أبيه قال: رأيت مروان بين أبي هريرة وبين أبي سعيد أمام جنازة حفصة رضي الله عنها قال: ورأيت مروان حمل بين عمودي سريرها من عند دار آل حزم إلى دار المغيرة بن شعبة, وحمله أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها.

قال الواقدي: وحدثني عبيد الله بن نافع, عن أبيه قال: نزل في قبر حفصة رضي الله عنها عبد الله وعاصم ابنا عمر, وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبد الله بن عمر رضي الله عنهم.

 

#105#

$4 - [أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها]:$

وأم حبيبة رملة, وقيل: هند – والأول هو المشهور, وصححه ابن عبد البر – بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشية الأموية.

وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان بن أبي العاص, وهي أم حنظلة بن أبي سفيان الذي قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم بدر كافراً.

وقيل في أمها غير ذلك, فقيل: آمنة بنت عبد العزى من بني عدي بن كعب, والمشهور الأول.

قال الدارقطني في "سننه": حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد, حدثنا أحمد بن منصور, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة, عن أم حبيبة أنها كانت عند عبدان بن جحش, فهلك عنها وكانت ممن هاجر إلى أرض الحبشة فزوجها النجاشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عندهم بأرض الحبشة.

قال الرمادي: كذا قال عبد الرزاق وإنما هو عبيد الله بن جحش الذي مات على النصرانية. انتهى.

وهذا هو الذي لا يصح غيره: أن أم حبيبة كانت عند عبيد الله بن جحش بن رياب, وولدت له حبيبة فكنيت بها.

 

#106#

وذكر [في ترجمة أمها] موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى أرض الحبشة: حبيبة بنت عبيد الله بن جحش, وذكر في ترجمة أمها أنها ولدت لزوجها حبيبة بأرض الحبشة.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا عبد الله بن جعفر, عن عثمان بن محمد الأخنسي أن أم حبيبة بنت أبي سفيان ولدت حبيبة ابنتها بمكة قبل أن تهاجر إلى أرض الحبشة.

قال عبد الله بن جعفر: وسمعت إسماعيل بن محمد بن سعد يقول: ولدتها بأرض الحبشة.

قال محمد بن عمر: فأخبرني أبو بكر إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: خرجت من مكة وهي حامل فولدتها بأرض الحبشة.

هاجر عبيد الله بأم حبيبة إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية, ثم ارتد عن الإسلام وتنصر, ومات بالحبشة نصرانياً, وثبتت أم حبيبة رضي الله عنها على دينها وهجرتها, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطب عليه أم حبيبة في المحرم على الأصح, وقيل: في شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة, وزعم ابن حزم أنه لا خلاف فيه, وقيل: سنة ست, فزوجه إياها.

وكان الذي أنكحها وعقد عليها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية, وصححه ابن الجوزي وغيره.

 

#107#

وقال البيهقي: قال محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي": إن الذي ولي نكاحها ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن ابن عم أبيها فإنها أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية, والعاص هو ابن أمية.

وقد قيل: إن عثمان بن عفان هو الذي ولي نكاحها, وروي ذلك عن عروة وعن الزهري, وعثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية ابن ابن عم أبيها. انتهى.

وأصدقها عنه النجاشي صداقاً مختلفاً فيه, فقيل أربعة آلاف درهم.

خرج الدارقطني في "سننه" من حديث معلى بن منصور, حدثنا ابن المبارك, أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة, عن أم حبيبة رضي الله عنها أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة, فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة.

وحدث به أبو داود عن حجاج (بن أبي يعقوب الثقفي, حدثنا معلى بن منصور ... فذكره.

وقال أبو داود أيضاً: حدثنا محمد بن حاتم) بن بزيع, حدثنا علي بن الحسن بن شقيق, عن ابن المبارك, عن يونس, عن الزهري أن النجاشي رضي الله عنه زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم على

 

#108#

صداق أربعة آلاف درهم وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقبل).

وذكر أبو عبيدة أن بعضهم زعم أنه ساق عنه أربعين أوقية, وهذا من قول الزهري, فإنه قال: فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان, وكانت قبله تحت عبيد الله جحش الأسدي, وذكر قصة كفره, ثم قال: وأتم الله لها الإسلام والهجرة حتى قدمت المدينة فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه عثمان بن عفان رضي الله عنه.

[قال الزهري: وقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى النجاشي فزوجها إياه وساق عنه] أربعين أوقية.

خرجه الحاكم في "مستدركه" بطوله.

وقيل: أصدقها عنه أربعمائة دينار.

خرج ابن سعد من حديث جعفر بن محمد بن علي, عن أبيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة بنت أبي سفيان, وكانت تحت عبيد الله بن جحش, وزوجها إياه وأصدقها أربعمائة دينار, فقال أبو جعفر محمد بن علي أحد رواته: فما نرى عبد الملك بن مروان وقت صداق النساء أربعمائة دينار إلا لذلك.

 

#109#

وخرج الطبراني من حديث مروان بن محمد الطاطري, حدثنا سفيان بن عيينة, عن سعيد بن بشير, عن قتادة, عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النجاشي رضي الله عنه زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وأصدق عنه من ماله مائتي دينار.

تفرد به مروان.

قال عبد الواحد بن أبي عون: لما بلغ أبا سفيان بن حرب نكاح النبي صلى الله عليه وسلم ابنته قال: ذات الفحل لا يقدع أنفه.

وذكر نحوه مصعب بن عبد الله الزبيري قال: فقيل لأبي سفيان يومئذ وهو مشرك محارب رسول الله صلى الله عليهوسلمق: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نكح ابنتك, قال: ذاك الفحل لا يقدع أنفه.

حدث به ابن أبي خيثمة عن مصعب.

وقال ابن سعد في كتاب "الطبقات الكبير": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير, عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة رضي الله عنها: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش – زوجي – بأسوأ صورة وأشوهه, ففزعت فقلت: تغيرت والله

 

#110#

حاله, فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من [دين] النصرانية, وكنت قد دنت بها, ثم دخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم, ثم قد رجعت إلى النصرانية, فقلت: والله ما خير لك, وأخبرته بالرؤيا التي رأيت, فلم يحفل بها, وأكب على الخمر حتى مات, فأرى في النوم كأن آتياً يقول: يا أم المؤمنين, ففزعت فأولتها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني, فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن, فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه, فدخلت علي, فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجكه, فقلت: بشرك الله بخير, قالت: يقول لك الملك, وكلي من يزوجك, فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين, كانتا في رجليها, وخواتيم من فضة كانت في أصابع رجليها, سروراً بما بشرتها, فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن هناك من المسلمين, فحضروا فخطب النجاشي رضي الله عنه فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار, أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم: أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم, فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين

 

#111#

الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون, أما بعد, فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان, فبارك [لرسول] الله صلى الله عليه وسلم ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص, فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج, فدعا بطعام فأكلوا, ثم تفرقوا, قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي فهذه خمسون مثقالاً فخذيها فاستعيني بها, فأبت فأخرجت حقاً فيه كل ما كنت أعطيتها وقالت: عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئاً, وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت لله, وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر, قالت: فلما كان من الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير, فقدمت بذلك كله على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يراه علي وعندي فلا ينكره. ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام, وتعلميه أني قد اتبعت دينه قالت: ثم لطفت بي, وكانت التي جهزتني, وكانت كلما دخلت علي تقول: لا تنسي حاجتي إليك, قالت: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة, فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأقرأته منها السلام, فقال: «وعليها السلام ورحمة الله وبركاته».

وحدث به الزبير بن بكار, عن محمد بن حسن – هو ابن زبالة – عن عبد الله بن عمرو بن زهير بنحوه.

 

#112#

وقد قال النضر بن محمد بن يونس الجرشي اليمامي: حدثنا عكرمة بن عمار, حدثنا أبو زميل, حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث أعطينهن قال: «نعم» قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال: «نعم» قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك قال: «نعم» قال: وتأمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: «نعم».

خرجه الطبراني في "معجمه الكبير" من رواية العباس بن عبد العظيم العنبري, عن النضر هكذا.

وخرجه أيضاً في "المعجم" فقال: حدثنا علي بن سعيد الرازي, حدثنا عمرو بن خليف بن إسحاق بن مرسال الخثعمي, حدثني إسماعيل بن مرسال, عن أبي زميل الحنفي, حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يفاتحونه, فقال: يا رسول الله ثلاث أعطينهن ... وذكر الحديث, وهو في صحيحي مسلم وابن حبان من حديث النضر عن عكرمة بن عمار بنحوه.

حدث به مسلم, عن عباس بن عبد العظيم المذكور قبل, وأحمد بن جعفر المعقري, عن النضر.

تابعهما أحمد بن ثابت الرازي, عن النضر.

 

#113#

وهو حديث مشهور بالإشكال, معدود وهماً, وقع في صحيح مسلم, لا بل عد منكراً.

وتجاوز أبو محمد بن حزم كعادته في إطلاق لسانه فقال: وهذا حديث موضوع لا شك في وضعه, والآفة فيه من عكرمة بن عمار, يعني الراوي عن أبي زميل.

وعده ابن الجوزي وهماً من بعض الرواة من غير شك في ذلك.

ووجه الإشكال في الحديث قول أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: «نعم» مع أنه لا خلاف أن أبا سفيان وابنه معاوية من مسلمة فتح مكة سنة ثمان من الهجرة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج أم حبيبة رضي الله عنها قبل ذلك بزمان في سنة ست من الهجرة، فيما قاله معمر بن المثنى أبو عبيدة وخليفة بن خياط والجمهور.

وقيل: تزوجها في سنة سبع, قاله جماعة.

 

#114#

وادعى ابن حزم عدم الخلاف فيه.

والجمهور على أن زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم كان وهي بالحبشة كما تقدم, وهو الصحيح.

 

#115#

قال ابن عبد البر: وقد ذكر الزبير - يعني ابن بكار- في ذلك أخباراً كثيرة كلها تشهد بتزويج النجاشي رضي الله عنه إياها بأرض الحبشة.

وقد قال ابن سعد في "طبقاته الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا محمد بن عبد الله, عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزو مكة, فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته دونه, فقال: يا بنية أرغبتي بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنت نجس مشرك, فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر.

وقد أجيب عن هذا الإشكال بأجوبة فيها اختلال, رأيت ذكر الغالب منها مع تبيينه بما نقض به وتوهينه؛ ليعلم أن الإشكال مقيم ولربما يتضح معناه لأحد, وفوق كل ذي علم عليم.

فالأول من الأجوبة: أنه يحتمل أن أبا سفيان طلب من النبي صلى لموه عل        تجديد عقد ابنته أم حبيبة بقوله: أزوجكها. تطييباً لقلب أبي سفيان؛ لأنه كان ربما يرى عليه غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه, أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد, وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته.

 

#116#

ونقض هذا: بأن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وعده بقوله نعم, ولم ينقل أحد أنه جدد عقد أم حبيبة, ولو كان لنقل فكيف يعد ولم يف.

والثاني: أن معنى قوله: أزوجكها. يحتمل أن يكون أرضى بزواجك بها, فإنه كان أولاً على رغم مني وإن كان نكاحك إياها صحيحاً, فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بـ «نعم» تأنيساً له وتطييباً لقلبه, ثم يكون أخبره بعد بصحة العقد, وأنه لا يشترط رضاك, ولا ولاية لكافر على مسلمة.

ونقض بأن لفظ الحديث لا يفهم منه هذا الاحتمال وهو بعيد عنه, فإن قول أبي سفيان: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. لا يكون معناه أن زوجتك التي هي في عصمتك أرضى زواجك بها, ولا يطابق هذا الاحتمال أن يقال في جوابه نعم, فإن أبا سفيان سأل من النبي صلى اللعليه وسلم   أمراً تكون الإجابة إليه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم, وأما رضى أبي سفيان بزواج ابنته من النبي صلى الله عليه وسلم فأمر قائم بقلبه لا يحتاج إلى طلب, فكيف يطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم.

والثالث: يحتمل أن أبا سفيان سأل ذلك قبل إسلامه بمدة تقدمت على تاريخ نكاح النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وسؤاله ذلك كالمشترط, ويكون تقديره: ثلاث إن أسلمت تعطينهن: أم حبيبة أزوجك بها, ومعاوية يسلم ويكون كاتباً بين يديك, وتؤمرني إن أسلمت حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين.

ونقض من وجوه منها: قوله في الحديث: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان, ولا يقاعدونه. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله ثلاث أعطينهن, فكيف يصح الاحتمال المذكور مع هذا السياق؟! أم كيف يقول وهو

 

#117#

كافر: حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟! أم كيف ينكر جفوة المسلمين وأنهم لا يقاعدونه وهو جاهد في قتالهم وحربهم وإطفاء نور الله؟! مع أن قصة إسلام أبي سفيان لا يعرف فيها اشتراط لهذا ولا لغيره سوى ما سئل له: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن», ونحوه.

والرابع: يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خراجات أبي سفيان إلى المدينة وهو كافر حتى سمع نعي زوجها من أرض الحبشة, والمسألتان الباقيتان وقعتا بعد إسلامه, فجمع الراوي الثلاث جميعاً.

ونقض بأن أبا سفيان إنما قدم آمناً بعد الهجرة في زمن الهدنة كما تقدم عن الزهري, وقاله ابن إسحاق وغيرهما, وأم حبيبة حينئذ زوج النبي صلى الله عليه وسلم, ولو ورد هذا الاحتمال منقولاً لعد غلطاً؛ لأنه لا يمكن تزويج أبي سفيان في حال كفره أم حبيبة وهي مسلمة, إذ لا ولاية له عليها حينئذ, مع أن ظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاث وقعت منه جميعاً في وقت واحد في حال إسلامه.

والخامس: يحتمل أن أبا سفيان طلب من النبي صلى اللهعليه وسلم  أن يزوجه ابنته الأخرى أختاً لأم حبيبة واسمها درة وقيل: عزة, وخفي على أبي سفيان تحريم الجمع بين الأختين لحداثة عهده بالإسلام مع أنه قد خفي على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: انكح أختي ابنة أبي سفيان. فاشتبه على الراوي ابنة أبي سفيان بأختها أم حبيبة فسماها بها غلطاً منه, والله أعلم.

وتقض هذا الاحتمال بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جوابه: «نعم» فلو صح الاحتمال لأخبره بعدم الجواز, كما قال لأم حبيبة حين سألته نكاح أختها: «إن ذلك لا يحل لي».

 

#118#

والسادس: يحتمل أن زواج أم حبيبة بالنبي صلى الله عليه وسلم كان بعد سؤال أبيها كما في الحديث؛ لأن أهل النقل لم يتفقوا على أن زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم كان وهي بأرض الحبشة, كما قاله الجمهور, بل قيل: إن النبي صلىوسلم عليه       تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة.

وينقض بأن هذا القول أنه تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة يحتاج إلى نقل ويعز ذلك؛ لأنه ليس له راو يستند إليه, ولا سند يعتمد عليه, ولو كان لعد غلطاً لاستفاضة تزويجها بأرض الحبشة من النبي صلى الله عليه وسلم, نعم, قال أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" لما ذكر القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة بالمدينة قال: وهذا قول يروى عن قتادة, وكذلك روى الليث عن عقيل, عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة بالمدينة. انتهى.

وهذا مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بالمدينة لا بمكة كسودة وعائشة وميمونة, ولا بخيبر كصفية, بل تزوجها بالمدينة وصارت له زوجة وهي بأرض الحبشة وهو صلى الله عليه وسلم بالمدينة.

وما علقه أبو عمر عن قتادة والزهري, أخذه – والله أعلم – من «تاريخ أبي بكر بن أبي خيثمة» فإن ابن أبي خيثمة قال في "تاريخه": حدثنا يحيى بن يوسف, حدثنا عبيد الله بن عمرو, عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: ثم نكح.

وحدثنا الوليد بن شجاع, حدثنا شعيب بن الليث, عن الليث, عن عقيل, عن ابن شهاب أنه قال: فتزوج بالمدينة من بني أمية.

 

#119#

وحدثنا أحمد بن المقدام, حدثنا زهير بن العلاء, حدثنا سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة قال: ثم تزوج بالمدينة.

وحدثنا الوليد بن شجاع, حدثني ابن وهب, أخبرني يونس, عن ابن شهاب قال: ثم تزوج صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب, وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش الأسدي أسد خزيمة, وقال [قتادة: أحد بني أسد بن خزيمة, وقال عقيل في حديثه]: أخو بني أسد, وزاد عقيل وقتادة في حديثهما: فمات عنها بأرض الحبشة, وكان خرج بها من مكة مهاجراً في المهاجرين, قال عقيل: ثم افتتن وتنصر, فمات وهو نصراني, وأثبت الله لأم حبيبة الإسلام والهجرة, وقال قتادة: ثم تنصر ومات نصرانياً, وأبت أم حبيبة بنت أبي سفيان أن تتنصر فأتم الله لها الإسلام والهجرة, حتى قدمت المدينة فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فزوجها إياه عثمان بن عفان رضي الله عنه.

قال: وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى النجاشي فزوجها إياه, وساق عنه أربعين أوقية.

ومن هنا حصلت الشبهة لمن قال: تزوجها بعد قدومها إلى المدينة وليس في الحديث ما يعطي ذلك إلا قوله: حتى قدمت المدينة فخطبها. ومعنى هذا أن الله تعالى أتم لأم حبيبة الإسلام والهجرة لم يصبها شيء من أمور الكفر في دار الكفار حتى انقضت هجرتها وقدمت المدينة دار الإسلام, فأتم الله لها هجرتها وإسلامها.

 

#120#

وقوله: فخطبها. إنما هو متعلق بما قبل ذلك من قصة زوج أم حبيبة وهو ثم تنصر ومات نصرانياً, فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك الكلام جملة معترضة بين قوله: ومات نصرانياً. وبين قوله: فخطبها. والله أعلم.

ويعضده أن قتادة لما ذكر أن عثمان رضي الله عنه زوجها ذكر الخلاف في ذلك وهو أن النجاشي زوجها فلو كان عند قتادة أن تزويج أم حبيبة كان بعد قدومها إلى المدينة لما احتاج إلى ذكر النجاشي في ذلك, ويغني عن هذا كله ما أفصح به سفيان بن عيينة, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة بتزويجها من النبي صلى الله عليه وسلم بأرض الحبشة, وذلك فيما حدث به الزبير بن بكار, عن محمد بن حسن, عن سفيان بن عيينة, عن سعيد, عن قتادة قال: إن النجاشي رضي الله عنه زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بأرض الحبشة, وأصدق عنه مائتي دينار, والله أعلم.

والسابع: أن الحديث صحيح كما جزم به مسلم, وإسناده ثقات, والحديث الآخر في نكاحها وهي بأرض الحبشة جاء من رواية ابن إسحاق مرسلاً, والناس مختلفون في الاحتجاج بمسند ابن إسحاق فكيف بمرسله, ومع ذلك فقد خالف المسانيد الثابتة؟!.

ونقض بأن هذا إذا تساوى النقلان يرجح الحديث بما ذكر, وأما مع بطلان أحدهما فلا, ولا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسير والمغازي أن نكاح أم حبيبة رضي الله عنها لم يتأخر إلى بعد الفتح ولم ينقل قط خلاف في هذا.

 

#121#

ولذلك ذكر ابن الجوزي أن أهل التاريخ أجمعوا على قصة تزويجها بأرض الحبشة من النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً فالعمدة في ذلك ليست على رواية ابن إسحاق وحده, بل على ما نقل متواتراً أيضاً ونقله الأئمة حتى جعلوا القصة أصلاً يعتمد عليه في أن الكافر هل يكون ولياً لمسلمة أو لا؟ فقال الشافعي فيما رواه الربيع عنه: ولا يكون الكافر ولياً لمسلمة وإن كانت بنته, قد زوج ابن سعيد بن العاص النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان وأبو سفيان حي؛ لأنها كانت مسلمة وابن سعيد مسلم, ولا أعلم مسلماً أقرب بها منه, ولم يكن لأبي سفيان فيها ولاية؛ لأن الله تعالى قطع الولاية بين المسلمين والمشركين في المواريث والعقل وغير ذلك.

وابن سعيد الذي ذكره الشافعي هو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية, فهذا يبين غلط من قال: إن زواج أم حبيبة بالنبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة بعد إسلام أبيها, (والله أعلم.

والثامن: أن عكرمة بن عمار راوي الحديث ضعف, وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه ضعاف), قال أبو حاتم: صدوق, وربما وهم, وربما دلس, فإذا كان حاله ما ذكر فلعله دلس هذا الحديث تدليس التسوية, فإن مسلماً رواه بالعنعنة, فقال: عن عكرمة بن عمار, عن أبي زميل, عن ابن عباس به.

وينقض هذا من وجوه:

منها: أن قول الإمام أحمد في عكرمة بن عمار جاء مطلقاً بقوله:

 

#122#

ضعيف الحديث, ومقيداً يحمل هذا عليه بقوله: أحاديثه عن يحيى ضعاف, ويحيى هو ابن أبي كثير, وكذلك ذكره يحيى بن معين فقال: أحاديثه عن يحيى بن [أبي] كثير ضعيفة, وقال البخاري: لم يكن له كتاب, فاضطرب حديثه عن يحيى, فهؤلاء الأئمة إنما ضعفوا رواية عكرمة عن يحيى, والحديث ليس من روايته عن يحيى، ويفهم من قولهم أن روايته عن غير يحيى قوية, ويدل على ما قاله الحافظ يعقوب بن شيبة: حدثنا غير واحد سمعوا يحيى بن معين يقول عن عكرمة: ثقة ثبت, وقال علي بن المديني: عكرمة بن عمار كان عند أصحابنا ثقة ثبتاً.

ومنها ما قيل: فلعله دلس هذا الحديث تدليس التسوية. أي: كان في سنده ضعف, فسوى عكرمة بين رجاله في الصحة بإسقاطه الضعيف من بينهم, وحاشا أن يظن في هذا العبد الصالح الذي كان فيما قاله عاصم بن علي: (مستجاب الدعوة) أن يدلس هذا التدليس الفاحش.

ومنها ما قيل: فإن مسلماً رواه بالعنعنة. وليس كذلك, فإن في روايتنا أن مسلماً قال: حدثنا [عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري, قالا: حدثنا النضر – وهو ابن محمد اليمامي – حدثنا] عكرمة, حدثنا أبو زميل, حدثني ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال لنبي الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله،

 

#123#

ثلاثاً أعطينهن, قال: «نعم» قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها, قال: «نعم» قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك, قال: «نعم» قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين, قال: «نعم».

قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال: «نعم».

وعلي تقدير مجيئه من طريق مسلم معنعناً, فقد خرجه الطبراني في "المعجم الكبير" فقال: حدثنا محمد بن محمد الجدوعي, حدثنا العباس بن عبد العظيم, حدثنا النضر بن محمد, حدثنا عكرمة بن عمار, حدثنا أبو زميل, حدثنا ابن عباس ... فذكره كما قدمناه.

وكل هذه الأجوبة فاسدة كما تقدم وأقرب من ذلك كله إلى التوجيه وأحسنه عندي في الاحتمال أنه يحتمل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آلى من نسائه واعتزلهن في تلك المشربة, وكان ذلك في سنة تسع بعد إسلام أبي سفيان [ظن أبو سفيان أن ذلك طلاق كما توهمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فطلب أبو سفيان] رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم رجعتها إليه بقوله: أزوجكها. أي: أرجعها إليك, فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بـ «نعم» على تقدير امتداد الإيلاء أو وقوع طلاق؛ لأن في الغالب ما يعتزل الإنسان عن زوجته غضباً

 

#124#

إلا وفي نفسه من فراقها [شيء], لكنه لم يقع طلاق من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما وقع التخيير لأزواجه كما هو معروف, فبدأ بعائشة رضي الله عنها والله أعلم.

وقال ابن سعد في "طبقاته الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة, عن عبد المجيد بن سهيل, عن عوف بن الحارث: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما بين الضرائر, فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك, فقلت: يغفر الله لك ذلك كله وتجاوز, وحللك من ذلك, فقالت: سررتيني سرك الله, وأرسلت إلى أم سلمة رضي الله عنها فقالت لها مثل ذلك.

*[وفاتها]:

توفيت أم حبيبة رضي الله عنها سنة أربع وأربعين, قاله الواقدي والفسوي وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم, وذلك في أيام أخيها معاوية رضي الله عنهما.

وقال المفضل الغلابي: توفيت سنة اثنتين وأربعين.

وقيل: توفيت قبل معاوية بسنة, وهو وهم فيما ذكره الذهبي.

وتوفيت بالمدينة على الصحيح.

وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن حسن يعني ابن زبالة, عن حسن بن علي قال: هدمت منزلي من دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحفرنا من ناحية منه فأخرجنا حجراً فإذا فيه مكتوب: هذا قبر رملة بنت صخر. فأعدناه في مكانه.

وقيل: توفيت بدمشق في قدومها دمشق لزيارة أخيها, والله أعلم.

 

#125#

$5 - [أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها]:$

وأما سلمة واسمها هند, وقيل: رملة, سماها مصعب بن عبد الله الزبيري.

قال أبو بكر بن أبي خيثمة: وهذا خطأ, اسمها هند, ثم روى تسميتها بهند عن الزهري.

وهي بنت أبي أمية حذيفة. وقيل: سهيل.

ويقال له: زاد الراكب بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة.

وهي بنت عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم في قول ضعيف.

وذكر ابن سعد في "طبقاته الكبرى" وابن أبي خيثمة في "تاريخه" واللفظ لابن سعد أن أمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن جذيمة بن علقمة جذل العطان بن فراس بن غنم بن مالك بن كنانة.

وسيأتي إن شاء الله تعالى من طريق خرجها ابن سعد وغيره أن عمار بن ياسر كان أخاها لأمها, والله أعلم, اللهم إلا أن يكون قوله: لأمها. أي التي أرضعتها, وقد وردت رواية مصرحة بذلك من طريق صححها الحاكم في "مستدركه" سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.

كانت أم سلمة رضي الله عنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة, فيما رواه الحميدي عن سفيان من قوله, وذكره مصعب بن عبد الله الزبيري وغير واحد.

 

#126#

وقيل: بل أول مهاجرية قدمت المدينة ليلى ابنة أبي حثمة زوجة عامر بن ربيعة.

وكانت أم سلمة عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم بن برة عمة رسول اله  صلى الله عليه وسلم, هاجر بأم سلمة إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعاً وولدت له هناك برة التي غير النبي صلى الله عليه وسلم اسمها فسماها زينب, وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ودرة.

وكان استخلفه رسول الله صلىالله عليه وسلم  على المدينة حين خرج إلى غزوة العشيرة, ثم شهد معه بدراً وأحداً, ورمي يوم أحد بسهم في عضده, رماه أبو أسامة الجشمي, فمكث شهراً يداوي جرحه, ثم برئ الجرح, وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مهاجره, وعقد له لواء, وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار إلى قطن, وهو جبل بناحية فيدنة ماء لبني أسد بن خزيمة, وذلك حين بلغه أن طلحة وسلمة بن خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني جذيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسار أبو سلمة بمن معه فأصابوا إبلاً وشاء, ولم يلقوا كيداً, ثم رجع بمن معه إلى المدينة, وكانت غيبته تسعاً وعشرين ليلة, فانتقض جرحه فمات لثمان, وقيل: لثلاث خلت من جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة, فاعتدت أم سلمة وحلت لعشر بقين من شوال, وقيل غير ذلك سنة أربع, فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لليال بقين من شوال, وبنى بها فيه وأصدقها فيما ذكر على خلاف في ذلك

 

#127#

فراشاً من ليف وقدحاً وصحفة.

وروى أبو داود الطيالسي عن الحكم بن عطية, عن ثابت البناني, عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلىالله عليه وسلم  تزوج أم سلمة على متاع قيمته عشرة دراهم.

وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل بها قال أهل المدينة: دخلت أيم العرب على سيد الإسلام والمسلمين أول العشاء عروساً, وقامت من آخر الليل تطحن, وهي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها.

وخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" فقال: أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا كثير بن زيد, عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخلت أيم العرب على سيد المسلمين أول العشاء عروساً, وقامت من آخر الليل تطحن, يعني أم سلمة رضي الله عنها.

وقال الحارث بن أبي أسامة: حدثني محمد بن سهيل, عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل وقعة بدر في سنة اثنتين من التاريخ أم سلمة واسمها هند .... وذكر بقيته, وهذا وهم, والله أعلم.

وذكر ابن عبد البر نحوه, إلا أنه قال: سنة اثنتين من الهجرة بعد وقعة بدر, وكلاهما لا يصح, إلا أن يراد بذلك سنة اثنتين من بعد وقعة بدر, فيكون سنة أربع من التاريخ, والله أعلم.

 

#128#

قال أبو عبد الله محمد بن سعد في كتاب "الطبقات الكبير": أخبرنا أحمد بن إسحاق الحضرمي, حدثنا عبد الواحد بن زياد, حدثنا عاصم الأحول, عن زياد بن أبي مريم قال: قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة ولم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة, وكذلك إذا ماتت امرأة وبقي الرجل بعدها, فتعال أعاهدك ألا تزوج بعدي ولا أتزوج بعدك, قال: أتطيعيني؟ قالت: ما استأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك, قال: فإذا مت فتزوجي, ثم قال: اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يخزيها ولا يؤذيها, قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: من هذا الذي هو خير من أبي سلمة, فلبثت ما لبثت, ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على الباب, فذكر الخطبة إلى ابن أخيها وإلى ابنها وإلى وليها, فقالت أم سلمة: أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أتقدم بعيالي؟ قالت: ثم جاء الغد فذكر الخطبة فقلت مثل ذلك, ثم قالت لوليها إن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوج, فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في زياداته في كتاب "الزهد" لأبيه: حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي, حدثني عجلان بن عبد الله من بني عدي, عن مالك بن دينار, عن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل أبو سلمة رضي الله عنه قالت أم سلمة: إلى من تكلني؟ قال: إلى الله, اللهم أبدل أم سلمة بخير من أبي سلمة, فلما انقضت عدتها خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كبيرة [السن كثيرة] العيال غيور قال: «أنا أكبر منك سناً

 

#129#

والعيال على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم, وأما الغيرة فإني سأدعو الله عز وجل أن يذهب بها عنك» فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأرسل إليها برحى وجرة من ماء.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وذكر عن حماد بن سلمة, عن ثابت البناني, عن ابن عمر بن [أبي] سلمة, عن أبيه, عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم عندك احتبست مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني منها خيراً» فلما احتضر أبو سلمة بن عبد الأسد قال: اللهم اخلفني في أهلي بخير مني, فلما قبض قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها, وكنت إذا أردت أن أقول وأبدلني بها خيراً منها قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ قالت: فلم أزل حتى قلتها, فلما انقضت عدتها خطبها أبو بكر رضي الله عنه فردته, وخطبها عمر فردته, ثم بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقالت: رحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم) وبرسوله, أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وأخبره أني امرأة غيرى, وإني مصبية, وإنه ليس أحد من أوليائي شاهداً فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما قولك إنك غيرى, فإني سأدعو الله فيذهب غيرتك, وأما قولك: إنك

 

#130#

مصيبة, فإن الله سيكفيك صبيانك, وأما أولياؤك فإنه ليس أحد منهم شاهد ولا غائب إلا سيرضاني» فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إني لا أنقصك ما أعطيت أختك فلانة شيئاً جرتين ورحائين ووسادة من أدم حشوها ليف».

وخرجه ابن سعد في "طبقاته الكبرى" فقال: حدثنا عفان بن مسلم, حدثنا حماد بن سلمة .... فذكره بنحوه, وفي آخره قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها, فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها, وكان رسول الله حيياً كريماً يستحيي فيرجع, فعل ذلك مراراً, ففطن عمار بن ياسر رضي الله عنهما لما تصنع, فأقبل ذات يوم وجاء عمار وكان أخاها لأمها فدخل عليها فانتشطها من حجرها وقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي أذيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخل فجعل يقلب بصره في البيت يقول: «أين زناب, ما فعلت زناب؟» قالت: جاء عمار فذهب بها قالت: فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهله, فقال: «إن شئت أسبع لك سبعت وسبعت للنساء».

ورواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" فقال: حدثنا أبو سلمة [حدثنا حماد بن سلمة] ... فذكره بطوله, إلا أن في روايته: ففطن لها عمار بن ياسر, وكان أخاها من الرضاعة, وبهذا اللفظ خرجه الحاكم

 

#131#

في "مستدركه" من طريق موسى بن إسماعيل, عن حماد, ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد, فإن ابن عمر بن أبي سلمة الذي أسماه حماد بن سلمة في هذا الحديث سماه غيره سعيد بن عمر بن أبي سلمة ولم يخرجاه.

وحدث به النسائي فقال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية, حدثنا يزيد, عن حماد بن سلمة, عن ثابت البناني قال: أخبرني ابن عمر بن أبي سلمة, عن أبيه, عن أم سلمة لما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر رضي الله عنه فخطبها فلم تزوجه, (ثم بعث إليها عمر رضي الله عنه فخطبها فلم تزوجه), فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطبها عليه فقالت: أخبر رسول الله صلى اللهوسلم       أني امرأة غيرى, وأني امرأة مصبية, وليس أحد من أوليائي شاهداً. وذكر الحديث بنحوه مختصرا وفيه فقالت لابنها: قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه [فزوجه].

وخرجه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق ثابت البناني, حدثني ابن عمر بن أبي سلمة, عن أم سلمة بنحوه مختصراً, فلم يذكر أباه, وفيه فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فزوجه.

وهذه اللفظة ذكرها ابن أبي خيثمة والحاكم في روايتهما.

 

#132#

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثني مجمع بن يعقوب, عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة, عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ غلام صغير.

وحدث يونس بن بكير, عن ابن إسحاق, حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وعبد الرحمن بن الحارث ومن لا أتهم, عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: كان الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ابنها سلمة, فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة وهما صبيان صغيران, فلم يجتمعا حتى ماتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل جزيت سلمة بتزويجه إياي أمه».

وذكر ابن سعد أيضاً في "الطبقات" في ترجمة سلمة بن أبي سلمة أنه ولي تزويج أم سلمة من النبي صلى الله عليه وسلم [ابنها سلمة بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها.

وذكر أيضاً أن سن عمر بن أبي سلمة] لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين, وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين, ومثل هذا لا يزوج.

 

#133#

وذكر ذلك غير ابن سعد.

وقد قيل معنى ذلك للإمام أحمد فقال: من يقول أن عمر كان صغيراً؟!

قال ابن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنه, فقد ذكر مقدار سنه جماعة من المؤرخين, ابن سعد وغيره.

وقد روى الحديث بعضهم فوهم فيه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا غلام فزوج أمك».

قال ابن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث, قال: وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير إن كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في سنة أربع ومات ولعمر تسع سنين, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر نكاحه إلى ولي, قال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشترط في نكاحه الولي, وأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

وقد قيل في توجيه ذلك ما هو أقوى وأجود من الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي آنفاً وهو: أن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمها عمر بن الخطاب, ونسبه ونسبها يلتقيان في كعب, وتقدم حديث حماد بن سلمة وفيه فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها ... الحديث, فذكرت: قم يا عمر. مطلقاً, فظن بعض الرواة أنه ابنها فرواه بالمعنى, فقال: قالت لابنها عمر, وكل هذا بناء على أن ابنها عمر كان حينئذ صغيراً, وهو قول مرجوح أنكره الإمام أحمد كما تقدم وغيره.

 

#134#

وقال البيهقي رحمه الله: وقول من زعم أنه زوجها بالبنوة, معلل بقول من قال: بل زوجها بأنه كان من بني أعمامها ولم يكن لها ولي هو أقرب منه إليها وذلك لأن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن عبد الله بن عمر [بن مخزوم فتزويجها كان بولي. انتهى.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر], حدثنا عبد الله بن جعفر, عن عثمان بن محمد الأخنسي, عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع, عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن في خلالاً لا ينبغي لي أن أتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني امرأة مسنة, وإني أم أيتام, وإني شديدة الغيرة قالت: فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما قولك إني مسنة فأنا أسن منك ولا يعاب على المرأة أن تتزوج أسن منها, وأما قولك إني أم أيتام فإن كلهم على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم, وأما قولك إني شديدة الغيرة فإني أدعو الله أن يذهب ذاك عنك» قالت: فتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقلني فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة أم المساكين بعد أن ماتت رضي الله عنها فإذا

 

#135#

جرة فاطلعت فيها فإذا فيها شيء من شعير وإذا رحى وبرمة وقدر فنظرت فإذا فيها كعب من إهالة قالت: فأخذت ذلك الشعير فطحنته, ثم عصدته في البرمة وأخذت الكعب من الإهالة فأدمته به, قالت: فكان ذلك طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أهله ليلة عرسه.

وحدث بنحوه يونس بن بكير, عن أبي معشر المدني, عن سعيد المقبري من قوله.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث شريك, عن حميد, عن أنس رضي الله عنه قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة بتمر وسمن.

تفرد به شريك عن حميد, قاله الطبراني.

وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت عليها حزناً شديداً لما ذكروا لنا من جمالها قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها, فرأيتها والله أضعاف ما وصف لي في الحسن والجمال قالت: فذكرت ذلك لحفصة – وكانتا يداً واحدة – فقالت: لا والله إن هذه إلا الغيرة ما هي كما يقولون, فتلطفت لها حفصة حتى رأتها, فقالت: قد رأيتها ولا والله ما هي كما تقولين ولا قريبة إنها لجميلة قالت: فرأيتها بعد فكانت لعمري كما قالت حفصة, ولكني كنت غيرى.

خرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى".

 

#136#

وخرج الحاكم في "مستدركه" من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري, أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن الزهري, عن هند بنت الحارث الفراسية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لعائشة مني شعبة ما نزلها أحد» قالت: فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله, ما فعلت الشعبة؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعلم أن أم سلمة نزلت عنده صلى الله عليه وسلم.

وحدث به الواقدي عن معمر.

وحدث موسى بن عقبة, عن أمه, عن أم كلثوم بنت أبي سلمة رضي الله عنها قالت: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها قال لها: «إني قد أهديت النجاشي أواقي من مسك وحلة, وإني لا أراه إلا قد مات ولا أرى الهدية إلا سترد إلي, فإذا ردت إلي فهي لك», فكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم, مات النجاشي وردت إلى النبي صلى الله عليه وسلم هديته, وأعطى لكل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك, وأعطى سائره أم سلمة, وأعطاها الحلة رضي الله عنها.

رويناه من طريق المخلص قال: حدثنا عبد الله – يعني البغوي – حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري, حدثنا مسلم بن خالد, حدثني موسى بن عقبة .... فذكره.

 

#137#

$[وفاتها رضي الله عنها]:$

توفيت أم سلمة رضي الله تعالى عنها في سنة تسع وخمسين في ذي القعدة في أيام معاوية رضي الله عنهما وقيل: في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين في اليوم الذي قتل فيه الحُسَيْن رضي الله عنه. وقيل: في شوال سنة اثنتين وستين في ولاية يزيد بن معاوية.

قال ابن الجوزي: والأول أصح.

وصحح سبطه يوسف بن قزاغلي والحافظ أبو محمد الدمياطي وغيرهما القول الأخير, وحجتهم في ذلك الحديث الذي في "صحيح مسلم" من طريق جرير عن عبد العزيز بن رفيع, عن عبد الله بن القبطية أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة رضي الله عنها فسألاها عن الجيش الذي يخسف به, وكان ذلك في أيام ابن الزبير .... الحديث, وفي أيام يزيد بن معاوية.

وكانت ولاية يزيد يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين, وهو اليوم الذي مات فيه معاوية ومات يزيد في رجب سنة أربع وستين.

وذكر ابن الجوزي أن معاوية توفي يوم الخميس للنصف من رجب سنة ستين, وأن يزيد توفي لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين.

خرج الحاكم في "مستدركه" من حديث يحيى بن عبد الحميد,

 

#138#

حدثنا خالد وجرير, عن عطاء بن السائب قال: كنا قعوداً مع محارب بن دثار فقال: حدثني ابن لسعيد بن زيد: أن أم سلمة رضي الله عنها أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد, خشية أن يصلي عليها مروان بن الحكم.

تابعه أحمد بن حنبل عن جرير.

وقال أبو نعيم أحمد بن عبد الله: وصلى عليها سعيد بن زيد رضي الله عنهما.

قال ابن الجوزي: وهو غلط, والصحيح أبو هريرة رضي الله عنه.

وقبرت بالبقيع وهي بنت أربع وثمانين سنة.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثني عبد الله بن نافع, عن أبيه قال: ماتت أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع وخمسين فصلى عليها أبو هريرة بالبقيع.

تابعه ابن جريج عن نافع نحوه.

وقال الواقدي في رواية ابن سعد عنه أيضاً: وحدثني عبد الله بن نافع, عن أبيه قال: أوصت أم سلمة ألا يصلي عليها والي المدينة وهو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان, فماتت حين دخلت سنة تسع وخمسين وصلى عليها ابن أخيها عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية.

وقال محمد بن الحسن بن زبالة, عن محمد بن جعفر بن أبي كثير,

 

#139#

عن يونس, عن ابن شهاب قال: كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها آخر نسائه صلى الله عليه وسلم وفاة.

هذا على قول من قال إن وفاتها كانت سنة اثنتين وستين, وإليه ذهب البيهقي وغيره: أنها آخر الزوجات موتاً، وقيل: ميمونة آخرهن موتا.

وقال أبو محمد بن حزم: آخرهن موتا صفية رضي الله عنهن.

عاشت أم سلمة رضي الله عنها تسعين سنة فيما قيل.

وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن حسن, عن إبراهيم بن علي قال: حفر لسالم البانكي مولى محمد بن علي بالبقيع فأخرجوا حجراً طويلاً, فإذا فيه مكتوب: هذا قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقابل خوخة آل نبيه, فأهيل عليه التراب, وحفر لسالم موضع آخر.

$6 - [أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها]:$

وأما اللاتي من نساء القبائل: فأم الحكم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبيرة بن غنم بن دودان بن راشد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر الأسدية أسد مضر كما سقناه لا أسد قريش الذي هو أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.

وأما زينب: أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

#140#

وكان اسم زينب برة, فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب.

وكان اسم أبيها برة فقالت: يا رسول الله بدل اسم أبي فإن البرة حقيرة فقال لها: «لو كان أبوك مؤمناً لسميته باسم رجل منا أهل البيت, ولكني قد سميته جحشاً والجحش أكبر من البرة».

ذكره الدارقطني.

وحدث أبو سعيد الخليل بن أحمد السجزي في كتابه "الآداب": عن أبي العباس السراج, حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو أسامة, عن الوليد بن كثير, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن زينب بنت أم سلمة قالت: كان اسمي برة فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب, وأدخلت عليه زينب بنت جحش وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب.

ورويناه من طريق عيسى بن يونس عن الوليد بن كثيرة بنحوه.

وكانت زينب عند زيد بن حارثة فطلقها, فزوجه الله إياها من السماء, ولم يعقد عليها، وذلك في سنة خمس من الهجرة لهلال ذي القعدة، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة, وأصدقها أربعمائة درهم.

وخرج الحافظ أبو نعيم في كتابه "الحلية" من حديث الحُسَيْن بن أبي السري العسقلاني, حدثنا الحسن بن محمد بن أعين الحراني,

 

#141#

حدثنا حفص بن سليمان, عن الكميت بن زيد الأسدي, حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش, عن زينب بنت جحش قالت: خطبني عدة من قريش فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أستشيره فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم): «أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم؟» قالت ومن هو يا رسول الله؟ قال: «زيد بن حارثة» فغضبت حمنة غضباً شديداً فقالت: يا رسول الله أتزوج ابنة عمتك مولاك؟ قالت: وجاءتني فغضبت أشد من غضبها, فقلت أشد من قولها, فأنزل الله عز وجل: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً} الآية, قالت: فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أستغفر الله وأطيع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم, افعل يا رسول الله ما رأيت, فزوجني زيداً, فكنت أذري عليه، فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاتبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عدت فأخذته بلساني فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمسك عليك زوجك واتق الله» فقال: يا رسول الله, أنا أطلقها, قالت: فطلقني فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل علي بيتي وأنا مكشوفة الشعر, فعلمت أنه أمر من السماء, فقلت: يا رسول الله بلا خطبة ولا إشهاد؟! فقال: «الله المزوج وجبريل الشاهد».

وروى من حديث عيسى بن طهمان وثابت, عن أنس رضي الله عنه أنها

 

#142#

كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات.

ولفظ عيسى: إن الله عز وجل أنكحني في السماء.

وفي لفظ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: زوجنيك الرحمن من فوق عرشه.

وقال الشعبي: قالت زينب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أدل عليك بثلاث ما من أزواجك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد, وإني أنكحنيك الله من السماء, وأن السفير جبريل عليه السلام.

علقه ابن العربي في كتابه "أحكام القرآن" هكذا.

ورواه الحارث بن أبي أسامة فقال: حدثنا علي بن عاصم, عن داود بن أبي هند, عن عامر قال: كانت زينب بنت جحش تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعظم نسائك عليك حقاً, أنا خيرهن منكحاً, وأكرمهن سفيراً, وأقربهن رحماً, ثم تقول: زوجنيك الرحمن من فوق عرشه, وكان جبريل عليه السلام هو السفير بذلك, وأنا ابنة عمتك, وليس لك من نسائك قريبة غيري.

خرجه الحاكم في "المستدرك" للحارث وهو مرسل.

 

#143#

وذكر بعض المفسرين والإخباريين في صفة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها أحاديث فيها ألفاظ باطلة وكلمات واهية لا يلتفت إليها, ولا يعتمد بكل حال عليها ومنها:

ما قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وكان حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على زيد مولاه أبت, فأنزل الله عز وجل: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} حتى انتهى إلى آخر الآية فقالت: يا رسول الله, أمري إليك فاصنع ما أحببت, فأنكحها زيداً فكان زيد لا يزال يشكوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لشيء يكون بينهما, وقد كانت نفس النبي صلى الله عليه وسلم تتبعها وكان يخفي ذلك, فإذا شكاها يقول له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك», فطلقها زيد, فلما انقضت عدتها أتاه جبريل عليه السلام بأن الله عز وجل قد زوجه إياها, فكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, وأنزل الله عز وجل في تتبع نفسه إياها: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} فقالت عائشة: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الوحي كتم هذه الآية ثم قال: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} إلى آخر الآية.

قال الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي في كتابه "أحكام القرآن": إن أحداً لا ينبغي أن يذكر نبياً إلا بما ذكره الله به لا يزيد عليه, وإن أخبارهم مروية وأحاديثهم منقولة بزيادات تولاها أحد رجلين إما: غبي بمقدارهم, وإما: بدعي لا أرى له نصيباً في برهم

 

#144#

ووقارهم, فيدس به تحت المقال المطلق الدواهي, ولا يراعي الأدلة ولا النواهي.

ثم قال: فهذا محمد صلى الله عليه وسلم ما عصى قط ربه عز وجل لا حال الجاهلية ولا بعدها, تكرمة من الله وتفضيلاً وجلالاً أحله به المحل الرفيع؛ ليصلح أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق.

ثم قال: فلم يقع قط لا في ذنب صغير - حاشا لله - ولا كبير, ولا وقع في أمر يتعلق به لأجله نقص ولا تعيير, وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول, وهذه الروايات كلها ساقطة الأسانيد, إنما الصحيح منها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً من الوحي شيئاً لكتم هذه الآية: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} يعني بالعتق فأعتقه {أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} إلى قوله: {وكان أمر الله مفعولاً} وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه, فأنزل الله عز وجل: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير, فلبث حتى صار رجلاً يقال له زيد بن محمد, فأنزل الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} الآية.

 

#145#

ثم قال: فأما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه, فباطل؛ فإنه كان معها في كل وقت وموضع ولم يكن حينئذ حجاب فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج.

ثم قال: فكيف يتجدد له هوى لم يكن, حاشا لذلك القلب المطهر من تلك العلاقة الفاسدة.

ثم قال: وإنما كان الحديث أنها لما استقرت عند زيد جاءه جبريل عليه السلام فقال له: إن زينب زوجك, ولم يكن بأسرع من أن جاءه زيد يعني شاكياً منها فقال له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» فأبى زيد إلا الفراق, فطلقها وانقضت عدتها وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدي مولاه زيد, وأنزل الله عز وجل القرآن المذكور فيه خبرها: هذه الآيات التي نتلوها وفسرناها فقال: يا محمد {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله} في فراقها {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} يعني: من نكاحك لها وهو الذي أبداه, لا سواه, وقد علم النبي صلى ه وسلمل        أن الله أوحى إليه أنها زوجه لا بد من وجود هذا الخبر وظهوره؛ لأن الذي يخبر الله عز وجل أنه كائن لابد أن يكون؛ لوجوب صدقه في خبره وهذا يدلك على براءته صلى الله عليه وسلم من كل ما ذكره متسور من المفسرين, متصور على علوم الدين.

 

# 146#

و[قال]: روى يحيى بن سلام وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا زيداً فقال: «ائت زينب فاذكرني لها» كما تقدم.

وقال يحيى: «فأخبرها أن الله عز وجل قد زوجنيها», فاستفتح زيد الباب فقالت: من؟ قال: زيد, قالت: وما حاجة زيد؟ فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم, ففتحت له, فدخل عليها وهي تبكي فقال زيد: لا يبكي الله عينك, قد كنت نعمت المرأة تبرين قسمي وتطيعين أمري وتتبعين مسرتي وقد بدلك الله خيراً مني قالت: من؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرت ساجدة.

وفي رواية كما تقدم فقالت: حتى أآمر ربي, وقامت إلى مصلاها, ونزل القرآن فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن, فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .... الحديث.

قال: وفي رواية أن زيداً لما جاءها برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجدتها تخمر عجيناً فما استطعت أنظر إليها من عظمها في صدري قال: فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب, أبشري, أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم, يذكرك ... الحديث.

 

#147#

وخرج مسلم في "صحيحه" من حديث هاشم بن القاسم وبهز وهذا لفظه قال: حدثنا سليمان بن المغيرة, عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه: «فاذكرها علي» قال: فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها, فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب, أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أآمر ربي. فقامت إلى مسجدها, ونزل القرآن, وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن .... وذكر الحديث.

وحدث به عبد الله بن المبارك في كتابه "الزهد" عن سليمان بن المغيرة.

تابعهم حبان بن هلال فيما رواه محمد يونس الكديمي عنه.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير, سمعت إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش يقول: قالت زينب بنت جحش: لما جاءني الرسول بتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم إياي جعلت لله علي صوم شهرين, فلما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت لا أقدر أصومها في حضر ولا سفر تصيبني

 

#148#

فيه القرعة, فلما أصابتني القرعة في المقام صمتها.

وقالت عائشة رضي الله عنها عن زينب رضي الله عنها: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

ووهم الذهبي لما ذكر قول عائشة هذا في ترجمة حفصة أم المؤمنين من "تاريخ الإسلام" في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها نزلت آية الحجاب وكانت زينب رضي الله عنها كثيرة الخير والصدقة والمعروف.

حدث عمر بن عثمان بن عبد الله الجحشي عن أبيه قال: ما تركت زينب بنت جحش رضي الله عنها ديناراً ولا درهماً, وكانت تصدق بكل ما قدرت عليه وكانت تؤوي المساكين وتركت منزلها فباعوه من الوليد بن عبد الملك حين هدم المسجد بخمسين ألف درهم.

وقال يعقوب بن إبراهيم: حدثنا أبي, عن صالح, عن ابن شهاب الزهري قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت زينب بنت جحش رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تساميني من بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيراً في الدين وأتقى لله عز وجل وأصدق حديثاً وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به [وتتقرب به] لله عز وجل ما عدا سورة من حدة كانت فيها [تسرع منها] الفينة.

 

#149#

خرجه أبو نعيم في "الحلية" ليعقوب.

وخرجه أيضاً من طريق عبد الرزاق, عن معمر, عن الزهري بنحوه.

ورواه أبو قرة موسى بن طارق الزبيدي, عن [زمعة بن صالح, عن يعقوب بن عطاء, عن الزهري.

وخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث علي] بن المديني, حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى, حدثنا محمد بن عمرو, حدثني يزيد بن خصيفة, عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة, عن أخته برة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها بعطائها, فأتيت به ونحن عندها قالت: ما هذا؟ قال: أرسل به إليك عمر, قالت: غفر الله له, والله لغيري من أخواتي كانت أقوى على قسم هذا مني, قالوا: (إن هذا لك كله, قالت): سبحان الله! فجعلت تستر بينها وبينه بجلبابها أو بثوبها وقالت: ضعوه, اطرحوا عليه ثوباً, ثم قالت: اقبض, اذهب إلى فلان ابن فلان, من أهل رحمها وأيتامها, حتى بقيت بقية تحت الثوب

 

#150#

قالت: فأخذنا ما تحت الثوب فوجدناه بضعة وثمانين درهماً, ثم رفعت يديها, ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا أبداً. فكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقاً به.

*[وفاتها رضي الله عنها]:

ماتت زينب رضي الله عنها بالمدينة سنة عشرين وهي بنت ثلاث وخمسين ودفنت بالبقيع.

وقال أبو محمد بن حزم: في أول خلافة عمر بن الخطاب ... انتهى.

وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكبر أربعاً. ودخل قبرها أسامة بن زيد ومحمد بن عبد الله بن جحش وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش ومحمد بن طلحة بن عبيد الله.

قاله أبو حسان الحسن بن عثمان.

وقال: أخبرني محمد بن يزيد الواسطي, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عامر, عن عبد الله ابن فلان رجل سماه محمد بن يزيد قال: صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه على جنازة زينب ابنة جحش رضي الله عنها وكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم وفاة فكبر عليها أربعاً.

وقال البخاري في "تاريخه الأوسط": حدثنا أحمد بن يونس,

 

#151#

حدثنا زهير, حدثنا إسماعيل, أن عامراً أخبره, أن عبد الرحمن بن أبزى أخبره أنه صلى مع عمر رضي الله عنه على زينب بنت جحش رضي الله عنها وكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم موتاً بعده.

وخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث إسماعيل بن أبي أويس.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس, عن يحيى بن سعيد, عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه: «يتبعني أطولكن يداً» قالت عائشة رضي الله عنها: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد النبي صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول, فلم نزل نفعل حتى توفيت زينب بنت جحش, وكانت امرأة قصيرة يرحمها الله, ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة. قالت: وكانت زينب امرأة صناع اليد, فكانت تدبغ وتخرز وتصدق به في سبيل الله.

وخرجه الحاكم في "المستدرك" من حديث إبراهيم بن الهيثم البلدي, حدثني إسماعيل بن أبي أويس المدني ... فذكره بنحوه وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

قلت: خرجه مسلم في "صحيحه" لكن من طريق طلحة بن

 

#152#

يحيي, عن عمته عائشة, عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بنحوه.

وقد قدمناه في ترجمة أم المؤمنين سودة رضي الله عنها.

وزينب بنت جحش رضي الله عنها أول امرأة ضرب على قبرها فسطاط.

حدث الواقدي, عن أبي معشر, عن محمد بن المنكدر قال: مر عمر رضي الله عنه على حفارين يحفرون قبر زينب رضي الله عنها في يوم صائف فقال: لو أني ضربت عليهم فسطاطاً. فكان أول فسطاط, ضرب على قبر.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة, عن يزيد بن عبد الله بن الهاد, عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: أوصت زينب بنت جحش رضي الله عنها أن تحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعل عليه نعش, وقبل ذلك حمل عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكانت المرأة إذا ماتت حملت عليه, حتى كان مروان بن الحكم, فمنع أن يحمل عليه إلا الرجل الشريف, وفرق سرراً في المدينة تحمل عليها الموتى. قيل: إن زينب رضي الله عنها أول امرأة جعل عليها نعش جعلته لها أسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله عنها لما رأت أهل الحبشة يصنعونه, إذ كانت مهاجرة, لكن جاء في بعض الطرق أن أسماء إنما فعلت ذلك بفاطمة عليها السلام.

 

#153#

خرج أبو نعيم في كتاب "الحلية" من حديث قتيبة بن سعيد, حدثنا محمد بن موسى المخزومي, عن عون بن محمد بن علي بن أبي طالب, عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر, وعن عمارة بن المهاجر, عن أم جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء, إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها, فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها, ثم طرحت عليها ثوباً فقالت فاطمة عليها السلام: ما أحسن هذا وأجمله! تعرف به المرأة من الرجل, فإذا مت فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحد. فلما توفيت غسلها علي وأسماء رضي الله عنهم.

وقال الطبراني في "معجمه الأوسط": حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة, حدثنا أبو الربيع الأعرج جار التميمي, حدثنا خلف بن راشد أبو عثمان, حدثنا داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن ابنة رسول الله صلى الله عليهما وسلم توفيت, وكانوا يحملون الرجال والنساء على الأسرة سواء, فقلت: يا رسول الله, إني كنت بالحبشة وهم نصارى أهل الكتاب, وإنهم يجعلون للمرأة نعشاً فوقه أضلاع يكرهون أن يوصف شيء من خلقها, أفلا أجعل لابنتك نعشاً مثله؟ فقال: «اجعليه» فهي أول من جعل لها النعش في الإسلام لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

#154#

لم يرو هذا الحديث عن داود بن أبي هند إلا خلف بن راشد, تفرد به أبو الربيع الأعرج, قاله الطبراني.

$7 - [أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها]:$

وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة – وهو المصطلق – بن سعد بن كعب بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء الأسدية الخزاعية المصطلقية رضي الله عنها.

كان اسمها برة, فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها فسماها جويرية, كره أن يقال: خرج من عند برة. قاله كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما.

حدث به الحسن بن الصباح البزار, حدثنا سفيان, عن محمد بن عبد الرحمن – هو مولى آل طلحة – عن كريب.

تابعه شعبة ومسعر فروياه عن محمد بن عبد الرحمن.

وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا أبو نعيم, حدثنا المسعودي, عن محمد بن عبد الرحمن, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

 

#155#

كان اسم جويرية [بنت الحارث] برة فحول النبي صلى الله عليه وسلم اسمها, كذا قال.

سبيت جويرية رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق يوم المريسيع.

قال الواقدي: وحدثني حزام بن هشام, عن أبيه قال: قالت جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال كأن القمر أقبل يسير من يثرب حتى وقع في حجري, فكرهت أن أخبر بها أحداً من الناس, حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما سبينا رجوت الرؤيا فلما أعتقني وتزوجني, والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم, وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر, فحمدت الله عز وجل.

كانت جويرية رضي الله عنها عند صفوان بن مالك بن جذيمة ذي الشفر.

وقيل: عند مسافع بن صفوان ذي الشفر بن أبي سرح بن مالك بن جذيمة الخزاعي, وهو الذي قال يوم المريسيع وهو يقاتل:

أنا ابن ذي الشفر وحدي مبذول ... رمحي ذو الطول وسيفي مسلول

قد علمت نفسي بأني مقتول ...

فقتل يومئذ, فوقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس, فكاتبها على تسع أواق, فجاءت إلى عائشة رضي الله عنها لتكلم لها رسول الله

 

#156#

صلى الله عليه وسلم ليعينها في فدائها, وكانت حلوة حسانة عتيقة فكلمته فقال لها: «ألا خير من ذلك؟! أعتقك فأتزوجك وأجعل صدقتك عتقك» فقالت: بلي. ففعل صلى الله عليه وسلم, فلما رأى ذلك المسلمون أعتقوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر بنحوه أبو عبيدة.

وجاء عن جويرية رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت عشرين سنة.

وقال ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط, عن أبيه, عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان, عن عائشة رضي الله عنها قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء بني المصطلق فأخرج الخمس منه, ثم قسمه بين الناس فأعطى الفرس سهمين والرجل سهماً, فوقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكانت تحت ابن عم لها يقال له صفوان بن مالك بن جذيمة ذو الشفر فقتل عنها, فكاتبها ثابت بن قيس على نفسها على تسع أواق وكانت امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه, فبينا النبي صلى الله عليه وسلم [عندي] إذ

 

#157#

دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها, فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت, فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه, وقد أصابني من الأمر ما قد علمت فوقعت في سهم ثابت بن قيس, فكاتبني على تسع أواق, فأعني في فكاكي. فقال: «أو خير من ذلك؟», فقالت: ما هو؟ فقال: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك» قالت: نعم يا رسول الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد فعلت» وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترقون! فأعتقوا ما كان في أيديهم من نساء بني مصطلق فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه صلى الله عليه وسلم, فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها وذلك منصرفة صلى الله عليهوسلم  من غزوة المريسيع.

وخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده" وأبو داود في "سننه" وأبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" والخرائطي في كتاب "اعتلال القلوب" من حديث ابن إسحاق, عن محمد بن جعفر بن الزبير, عن عروة بن الزبير, عن عائشة رضي الله عنها بنحوه.

وقيل: أعتق بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية رضي الله عنها مائتا أهل بيت.

وقيل: وقعت جويرية رضي الله عنها في سهم ثابت وابن عم له فكاتباها.

وقال زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي: كانت جويرية من ملك اليمين فأعتقها صلى الله عليه وسلم وتزوجها. رواه سفيان بن عيينة ومنصور بن

 

#158#

أبي الأسود, عن زكريا.

وحدث به يونس بن بكير في "المغازي" عن زكريا بن أبي زائدة, عن عامر الشعبي قال: كانت جويرية من ملك يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها واستنكحها, وجعل مهرها عتق كل مملوك من بني المصطلق.

وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وعبد الله بن نمير ووكيع, عن زكريا, عن عامر قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث رضي الله عنها واستنكحها, وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق, وكانت من ملك يمين النبي صلى الله عليه وسلم.

وخرج الحاكم في "المستدرك" من حديث سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: قالت جويرية بنت الحارث رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أزواجك يفخرن علي, يقلن: لم يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت ملك يمين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أعظم صداقك, ألم أعتق أربعين من قومك».

وقد قيل: إن أباها جاء بافتدائها, ثم أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.

خرج ابن سعد في "الطبقات الكبرى" من حديث أيوب, عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم سبى جويرية بنت الحارث رضي الله عنها فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها, فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها, قال:

 

#159#

«أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا؟» قال: بلي, وأديت ما عليك قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا. فقالت: إني قد اخترت رسول الله صلىالله عليه وسلم  قال: قد والله فضحتينا.

وقيل: إن أباها قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بفداء ابنته فأسلم وأسلم معه ابنان له وأناس من قومه, والله أعلم.

روينا من طريق زياد بن عبد الله بن الطفيل الكوفي قال: قال ابن إسحاق: ويقال لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث, فكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة وأمره بالاحتفاظ بها, وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, وأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته, فلما كان بالعقيق نظر في الإبل حين جاء بها للفداء, فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق, ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد, أتيت بفداء ابنتي وهذا فداؤها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟» فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله, فأسلم وأسلم معه ابنان له وناس من قومه, وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما, فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ودفع إليه ابنته جويرية, فأسلمت رضي الله عنها, وحسن إسلامها وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها, فزوجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم.

 

#160#

*[وفاتها رضي الله عنها]:

توفيت جويرية رضي الله عنها في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه وصلى عليها مروان بن الحكم, وهو يومئذ والي المدينة.

وقيل: سنة خمسين, وهي ابنة خمس وستين رضي الله عنها.

رواه الواقدي عن محمد بن يزيد, عن جدته, وكانت مولاة جويرية بنت الحارث رضي الله عنهم.

$8 - [أم المؤمنين صفية رضي الله عنها]:$

وصفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن عامر, وقيل: ابن ثعلبة بن عبيد ابن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضر بن النحام بن ينحوم النضرية من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام.

وأمها برة بنت سموأل أخت رفاعة بن سموأل القرظي الصحابي, ذكره في الصحابة أبو نعيم الأصبهاني وغيره.

واسم صفية: حبيبة كما قال الزبير بن بكار في كتابه "ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم": حدثني محمد بن حسن, عن محمد بن إسماعيل, عن ابن أبي مليكة, أن اسم صفية حبيبة, ولكنها سميت صفية؛ لأنها كانت صفية للنبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر.

 

#161#

وقال إسحاق بن إبراهيم الدبري: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه قال: بلغ صفية أن حفصة رضي الله عنها قالت لها: بنت يهودي, فبكت, فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: «ما شأنك؟» قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لبنت نبي, وإن عمك لنبي, وإنك لتحت نبي, فبم تفخر عليك؟!» ثم قال: «اتقي الله يا حفصة».

خرجه أبو نعيم في "الحلية" للدبري, وخرجه الترمذي, عن إسحاق بن منصور وعبد بن حميد, كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه.

وقال أبو الربيع الزهراني: حدثنا جعفر بن سليمان, حدثنا ثابت قال: كان بين حفصة بنت عمر وصفية بنت حيي كلام, فقالت حفصة: أنا حفصة بنت عمر وزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقالت صفية: أنا بنت هارون وعمي موسي, قال: فعظمت ذلك حفصة وظنت أنها قالت قولاً عظيماً قال: فدخل رسول الله صلى عليه وسلم      على حفصة, فقالت حفصة: يا رسول الله, كان بيني وبين صفية كلام, فقلت: أنا بنت عمر وزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت صفية: أنا بنت هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت».

 

#162#

وجاء عن هاشم بن سعيد الكوفي, عن كنانة – وهو مولى صفية – عن صفية قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي, فقال: «يا بنت حيي ما يبكيك؟» قلت: بلغني أن حفصة وعائشة تنالان مني وتقولان نحن خير منها, نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه, قال: «ألا قلت لهم كيف تكونون خيراً مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلوات الله وسلامه عليهم».

خرجه الحاكم في "المستدرك" لشاذ بن فياض, عن هاشم.

تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث, عن هاشم فيما خرجه الترمذي في "جامعه" وقال: لا نعرفه إلا من حديث هاشم, وليس إسناده بذلك.

كانت صفية رضي الله عنها عند سلام بن مشكم القرظي الشاعر, ثم فارقها, فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري الشاعر, فقتل عنها يوم خيبر, ولم تلد لأحد منهما شيئاً.

قال ابن سعد في "طبقاته الكبرى": أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي, حدثنا سليمان بن المغيرة, عن حميد بن هلال قال: قالت صفية بنت حيي رضي الله عنها: رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله أرسله وملك

 

#163#

يسترنا بجناحيه, قال: فردوا عليها رؤياها, وقالوا لها في ذلك قولاً شديداً.

سبيت صفية يوم خيبر من القموص فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه, فأعتقها وتزوجها, وجعل عتقها صداقها, ولم تبلغ يومئذ سبع عشرة سنة.

وفي "المستدرك" للحاكم عن آمنة بنت أبي قيس الغفارية قالت: أنا إحدى النساء اللاتي زففن صفية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعتها تقول: ما بلغت سبع عشرة سنة أو جهدي إن بلغت سبع عشرة سنة ليلة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاء عن مقسم, عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان عرض عليها أن يتخذها سرية أو يعتقها وينكحها فقالت: لا, بل أعتقني وانكحني, ففعل صلى الله عليه وسلم.

خرجه الطبراني في "معجمه الكبير" لمحمد بن عمران بن أبي ليلى [عن أبيه, عن ابن أبي ليلى] عن الحكم, عن مقسم به, وفي الحديث قصة.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي أهل الكوفة, حدثنا عيسى بن المختار, عن محمد بن

 

#164#

عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج من خيبر, قال القوم: الآن نعلم أسرية صفية أم امرأة, فإن كانت امرأة فإنه سيحجبها, وإلا فهي سرية, فلما خرج صلى الله عليه وسلم أمر بستر فستر دونها, فعرف الناس أنها امرأة, فلما أرادت أن تركب أدنى صلى الله عليه وسلم فخذه منها لتركب عليها, فأتت ووضعت ركبتها على فخذه ثم حملها, فلما كان الليل نزل فدخل الفسطاط ودخلت معه, وجاء أبو أيوب رضي الله عنه فبات عند الفسطاط معه السيف واضعا رأسه على الفسطاط, فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع الحركة فقال: «من هذا؟» قال: أنا أبو أيوب, فقال: «ما شأنك؟» فقال: يا رسول الله جارية شابة حديثة عهد بعرس, وقد صنعت بزوجها ما صنعت, فلم آمنها, فقلت: إن تحركت كنت قريباً منك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحمك الله يا أبا أيوب, رحمك الله يا أبا أيوب».

وقال أيضاً: أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم, عن هلال بن أسامة, عن عطاء بن يسار, عن أبي هريرة.

وقال: قال: وحدثنا عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة العدوي, عن أبي غطفان بن طريف المري.

 

#165#

وقال: قال: وحدثنا محمد بن موسى, عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, عن أنس بن مالك.

وقال: قال: وحدثنا عبد الله بن يحيى, عن ثبيتة بنت حنظلة, عن أمها أم سنان الأسلمية – دخل حديث بعضهم في حديث بعض – قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغنمه الله أموالهم سبى صفية بنت حيي وابنة عم لها من القموص, فأمر بلالاً يذهب بها إلى رحله, وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفي من كل غنيمة, فكانت صفية مما اصطفى يوم خيبر, وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتقها إن اختارت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم, [وأسلمت] فأعتقها وتزوجها, وجعل [عتقها مهرها, ورأى بوجهها] أثر خضرة قريباً من عينها فقال: «ما هذا؟» قالت: يا رسول الله رأيت في المنام قمراً أقبل من يثرب حتى وقع في حجري, فذكرت ذلك لزوجي كنانة, فقال: تحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة فضرب وجهي, واعتدت حيضة, ولم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر حتى طهرت من حيضها, فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ولم يعرس بها, فلما قرب البعير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله لتضع قدمها على فخذه, فأتت ووضعت ركبتها على فخذه, وسترها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملها وراءه, وجعل رداءه على ظهرها ووجهها, ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه, فلما صار إلى منزل يقال له تبار على ستة أميال من خيبر, مال

 

#166#

يريد أن يعرس بها, فأبت عليه, فوجد النبي صلىالله عليه وسلم  في نفسه من ذلك, فلما كان بالصهباء – وهي على بريد من خيبر – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لأم سليم]: «عليكن صاحبتكن فأمشطنها» وأراد أن يعرس بها هناك, قالت أم سليم: وليس معنا فسطاط ولا سرادقات, فأخذت كساءين أو عباءتين فسرت بينهما إلى شجرة فمشطتها وعطرتها, قالت أم سنان الأسلمية: وكنت فيمن حضر عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية, مشطناها وعطرناها, وكانت جارية تأخذ الزينة من أوضأ ما يكون من النساء, وما وجدت رائحة طيب كانت أطيب من ليلتئذ, وما شعرنا حتى قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله وقد نمصناها ونحن تحت دومة, وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي [إليها, فقامت إليه], وبذلك أمرناها فخرجنا من عندهما, وأعرس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك, وبات عندها, وغدونا عليها وهي تريد أن تغتسل, فذهبنا بها حتى توارينا من العسكر, فقضت حاجتها واغتسلت, فسألتها عما رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكرت أنه سر بها ولم ينم تلك الليلة, لم يزل يتحدث معها وقال لها: «ما حملك على الذي صنعت حين أردت أن أنزل المنزل الأول فأدخل بك؟!» فقالت: خشيت عليك قرب يهود, فزادها ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأولم عليها هناك, وما كانت وليمته إلا الحيس, وما كانت قصاعهم [إلا] الأنطاع, فتغدى القوم يومئذ, ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنزل بالقصيبة وهي على ستة عشر ميلاً.

 

#167#

في هذا الحديث: وجعل عتقها مهرها. وكذا ثبت من حديث أنس بن مالك وغيره.

وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمهرها جارية.

قال علي بن الحُسَيْن السكري: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري, حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية, عن أمها أميمة, عن أمة الله بنت رزينة, عن أمها في قصة صفية أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وخطبها وتزوجها, وأمهرها رزينة.

وصح عن سليمان بن المغيرة, عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه قال: صارت صفية لدحية في مقسمه, فجعلوا يمدحونها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها, قال: فبعث إلى دحية الكلبي فأعطاه بها ما أراد, ثم دفعها إلى أمي فقال: «أصلحيها» قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر, حتى إذا جعلها في ظهره نزل, ثم ضرب عليها القبة, فلما أصبح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده فضل زاد فليأتنا به» قال: فجعل الرجل يجئ بفضل التمر وفضل السويق, حتى جعلوا من ذلك حيساً, فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس, ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها.

 

#168#

قال: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هشينا إليها فرفعنا مطينا ورفع رسول الله صلىوسلم عليه       مطيته, قال: وصفية خلفه [قد] أردفها قال: فعثرت مطية رسول الله صلى الله عليه وسلم, فصرع وصرعت, قال: فليس أحد من الناس ينظر إليه [ولا إليها] حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترها, قال: فأتيناه, فقال: «لم نضر» قال: فدخلنا المدينة فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها.

وخرج أبو داود من حديث وائل بن داود, عن ابنه بكر بن وائل, عن الزهري, عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر.

وروي عن يحيى بن أبي طالب, أخبرنا عمرو بن عون, أخبرنا عبد الحميد بن سليمان, عن أبي حازم, عن سهل بن سعد قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه صفية رضي الله عنها. فقلت له: ما كانت وليمته؟ قال: التمر والسويق.

وهو في "الصحيح".

 

#169#

وفي "المستدرك" للحاكم عن عيسى بن طهمان سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: أطعم النبي صلى الله عليه وسلم على صفية بنت حيي خبزاً ولحماً.

قال ابن سعد في "طبقاته الكبرى": أخبرنا يزيد بن هارون وهشام أبو الوليد الطيالسي, قالا: حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت البناني, عن أنس بن مالك: أن صفية بنت حيي وقعت في سهم دحية الكلبي, فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد وقعت في سهم دحية الكلبي جارية جميلة, فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها.

وحدث به أبو داود في "سننه" عن محمد بن خلاد الباهلي, حدثنا بهز بن أسد, [حدثنا حماد فذكره.

تابعه سليمان بن المغيرة, عن ثابت نحوه.

وقال الواقدي]: حدثنا كثير بن زيد, عن الوليد بن رباح, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بات أبو أيوب رضي الله عنه على باب النبي صلى الله عليه وسلم, فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر ومع أبي أيوب السيف, فقال: يا رسول كانت جارية حديثه عهد بعرس, وكنت

 

#170#

قتلت أباها وأخاها وزوجها فلم آمنها عليك, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له خيراً.

حدث به ابن سعد, عن الواقدي في "الطبقات الكبرى".

وخرج في "الطبقات" أيضاً من حديث عطاء بن يسار قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ومعه صفية أنزلها في بيت من بيوت حارثة بن النعمان, فسمع بها نساء الأنصاري وبجمالها فجئن ينظرن إليها, وجاءت عائشة متنقبة حتى دخلت عليها فعرفتها, فلما خرجت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرها, فقال: «كيف رأيتيها يا عائشة؟» قالت: رأيت يهودية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقولي هذا يا عائشة, فإنها قد أسلمت فحسن إسلامها».

وخرج أيضاً عن الواقدي: حدثني عبد الله بن أبي نجيح, عن ثبيتة بنت حنظلة, عن أمها أم سنان الأسلمية قالت: لما نزلنا المدينة لم ندخل منازلنا حتى دخلنا مع صفية منزلها, وسمع بها نساء المهاجرين والأنصار, فدخلن عليها متنكرات, فرأيت أربعاً من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم متنقبات: زينب بنت جحش وحفصة وعائشة وجويرية, فأسمع زينب تقول لجويرية بنت الحارث: ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت جويرية: كلا إنها من نساء قل ما يحظين عند الأزواج.

وقال الطبراني في "معجمه الأوسط": حدثنا أبو مسلم, حدثنا أبو عمر الضرير, حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت البناني, عن سمية,

 

#171#

عن عائشة رضي الله عنها قالت: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية في شيء, فقالت لي صفية: هل لك أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي؟ فلبست خماراً لي كان مصبوغاً بزعفران ونضحته بماء, ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «إليك عني فإنه ليس بيومك» فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, وأخبرته الخبر فرضي عنها.

وقال أبو عمر بن عبد البر: روينا أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود, فبعث إليها عمر فسألها, فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به يوم الجمعة, وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً, فأنا أصلها, قال: ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان, قالت: اذهبي فأنت حرة.

وقال أبو بكر الخرائطي في كتابه "اعتلال القلوب": حدثنا علي بن داود القنطري, حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا سليمان بن المغيرة, عن ثابت البناني, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت صفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان ذلك يومها، فأبطأت في المسير، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي وتقول: حملتني على جمل بطئ, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيها ويسكنها رضي الله عنها.

 

#172#

وقال عبد العزيز بن أبي عمران: حدثنا موسى بن عبيدة الربذي, عن عبد الله بن عبيدة أن نفراً اجتمعوا في حجرة صفية, فذكروا الله تعالى وتلوا القرآن وسجدوا فنادتهم صفية رضي الله عنها: هذا السجود وتلاوة القرآن, فأين البكاء؟

*[وفاتها رضي الله عنها]:

توفيت صفية رضي الله عنها بالمدينة في شهر رمضان سنة خمسين في أيام معاوية. وقيل: سنة ست وثلاثين. وقيل: في خلافة عمر رضي الله عنه سنة خمس عشرة, ودفنت بالبقيع رضي الله عنها.

خرج الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث إسحاق بن راهويه حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان, حدثني أبي, عن عكرمة قال: ماتت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, قال إسحاق: أظنه سماها صفية بنت حيي بالمدينة, فأتيت ابن عباس, فأخبرته, فسجد, فقلت له: أتسجد ولما تطلع الشمس؟ فقال ابن عباس: لا أم لك, أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الآية فاسجدوا» وأية آية أعظم من أمهات المؤمنين يخرجن من بين أظهرنا ونحن أحياء.

 

#173#

$9 - [أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها]:$

وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العامرية.

وأمها هند بنت عوف بن زهير بن حماطة بن جرش, ويقال: جريش, وهو لقب, واسمه منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة, وهو حمير الأصغر [بن سبأ] بن كعب كهف الظلم بن سهل بن زيد الجمهور.

ولميمونة [أم المؤمنين] رضي الله عنها أخوات سبع, فمن أبيها وأمها هند المذكورين أربع: أم الفضل لبابة الكبرى زوج العباس, وأم بنيه عبد الله والفضل وغيرهما رضي الله عنهم, ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد أثبت إسلامها ابن سعد وغيره, وذكر ابن عبد البر أن فيه نظراً, وعزة أم يزيد الأصم ذكرها في الصحابيات ابن عبد البر منفرداً بذلك, وأم حفيد هزيلة صاحبة الضباب والأقط.

وثلاث من أمها هند وهن بنات عميس بن معد بن الحارث الخثعمي, إحداهن: أسماء أم عبد الله وعون ابني جعفر بن أبي طالب, ثم أم محمد بن أبي بكر الصديق, ثم أم يحيى بن علي بن أبي طالب.

 

#174#

والثانية: سلمى أم أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب, ثم أم عبد الله وعبد الرحمن ابني شداد بن الهاد.

والثالثة: سلامة بنت عميس, ولم أر لها ذكراً في الصحابيات, والله أعلم.

كان اسم ميمونة برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة, رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن عمرو بن مرزوق, أخبرنا شعبة, عن عطاء بن أبي ميمونة, عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه من قوله.

ورواه أيضاً عن أبي نعيم, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد من قوله.

وعن عاصم بن يوسف اليربوعي, حدثنا إسرائيل, عن محمد بن عبد الرحمن يعني مولى آل طلحة سمعت كريباً أبا رشدين, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان اسم ميمونة برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة.

وكانت ميمونة في الجاهلية عند مسعود [بن عمرو] بن عمير الثقفي, ثم فارقها وخلفه عليها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي فتوفي عنها وهو أخو حويطب بن عبد العزى.

 

#175#

وقيل: كانت عند أبي رهم بن عبد العزى. قاله الزهري.

وقيل: كانت عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غنم بن دودان. قاله قتادة.

وقيل: كانت عند سبرة بن أبي رهم. حكاه أبو عبيدة.

وقيل: عند حويطب بن عبد العزى أخي أبي رهم, قاله عبد الله بن محمد بن عقيل.

ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبت له نفسها فيما ذكره أبو عبد الله بن منده, قيل: لما أتاها الخاطب – وهو أبو رافع – وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه إياها عمه العباس بن عبد المطلب, فيما خرجه الطبراني في "معجمه الأوسط" فقال: أحمد بن داود المكي, حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب, حدثنا سلمة بن عبد الله الأموي, عن عبد الله بن أبي لبيد, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس للنساء في عقد النكاح شيء, جعلت ميمونة أمرها إلى أم الفضل فجعلته إلى العباس رضي الله عنه فأنكحها للنبي صلى الله عليه وسلم.

لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما إلا بهذا الإسناد, تفرد به يعقوب بن حميد, قاله الطبراني.

وحدث به الواقدي, عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة, عن

 

#176#

داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وقال عبد الله بن يوسف: أخبرنا ابن لهيعة, عن أبي الأسود, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمية بن جزء ورجلين آخرين إلى ميمونة يخطبها وهي بمكة, فردت أمرها إلى أختها أم الفضل, فردت أم الفضل إلى العباس رضي الله عنه فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو الرحمن [عبد الله] بن الإمام أحمد في كتاب "العلل": سألت أبي عن حديث ميمونة بنت الحارث أنها جعلت أمرها بيد العباس فزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم. صحيح هذا الحديث؟ قال أبي: هذا الحديث ليس له أصل.

وقال محمد بن أحمد بن البراء العبدي: أخبرنا المعافى – يعني: ابن سليمان – حدثنا موسى – هو ابن أعين – عن يحيى بن أيوب, عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن العباس رضي الله عنه قال: زوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم ونحن بسرف.

كان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة في شوال سنة سبع من الهجرة بسرف في عمرة القضية.

 

#177#

جاء عن علي بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى مكة عام القضية بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلى العباس ليزوجه ميمونة, فأضلا بعيريهما, فأقاما أياماً ببطن رابغ حتى أدركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد وقد ضما بعيريهما, فسارا معه حتى قدم مكة فأرسل إلى العباس, فذكر ذلك له, وجعلت ميمونة أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .... الحديث.

وكان بعد أن حل من عمرته على الصحيح.

وقيل: قبل إحلاله منها وهو محرم وهو أحد قولي ابن عباس رضي الله عنهما, رواه عنه أبو الشعثاء جابر وسعيد بن جبير وعكرمة ومقسم وميمون بن مهران وأبو الزبير.

وخالفهم يزيد بن الأصم فيما رواه الواقدي, عن معمر, عن الزهري, عن يزيد بن الأصم, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال.

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد, حدثنا أبي, عن سلام أبي المنذر, عن مطر الوراق, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال.

خرجه الدارقطني في "سننه" من طريق البزار, وقال: كذا قال. تفرد به محمد بن عثمان, عن أبيه, عن سلام, وهو غريب عن مطر.

 

#178#

وعند مطر عن ربيعة, عن سليمان بن يسار, عن أبي رافع هذا القول أيضاً.

ورواه أبو الأسود يتيم عروة, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل رواية مطر عنه.

وهذا موافق للصحيح من القولين, وهو قول أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفية بنت شيبة ويزيد بن الأصم وسعيد بن المسيب ومحمد بن إبراهيم التيمي والجمهور.

وأبو رافع هو كان السفير في القضية وباشرها, وعلى يديه جرت, فوجب المصير إلى قوله دون غيره ممن خالفه.

قال أبو حاتم محمد بن حبان في "صحيحه": أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى, حدثنا أبو الربيع الزهراني وخلف بن هشام البزار, قالا: حدثنا حماد بن زيد, حدثنا مطر الوراق, عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن, عن سليمان بن يسار, عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالاً وبنى بها حلالاً, وكنت الرسول بينهما.

تابعه داود بن عمرو, عن مطر.

وحدث به أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" عن الفضل بن دكين, عن حماد.

 

#179#

وخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده" والترمذي في "جامعه" والدارقطني في "سننه".

وخرج أحمد والترمذي أيضاً من حديث يزيد بن الأصم, عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً وماتت بسرف, فدفناها بالظلة التي بنى بها فيها.

وقال عباس بن محمد الدوري: حدثنا كثير بن هشام, حدثنا جعفر بن برقان, حدثنا ميمون بن مهران قال: كنت عند عطاء بن أبي رباح فسئل أيتزوج المحرم؟ قال: ما حرم الله النكاح منذ أحله, فنظرت إليه فقال: مه أيريبك شيء؟ فقال: فقال ميمون: كتب إلي عمر بن عبد العزيز وأنا يومئذ على أرض الجزيرة: أن سل يزيد بن الأصم, أتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال أو هو حرام؟ قال يزيد: لا, بل تزوجها وهو حلال.

تابعه أبو نعيم الفضل بن دكين عن جعفر يبن برقان.

وقال الطبراني في "معجمه الأوسط": حدثنا أحمد بن عبد الرحمن – يعني: ابن عفان – الحراني, حدثنا أبو جعفر النفيلي, حدثنا خطاب بن القاسم, عن عبد الكريم بن مالك الجزري, عن ميمون بن مهران قال: أتيت صفية بنت شيبة فسألتها أتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم؟

 

#180#

فقالت: لا, إنما تزوجها وهما حلالان.

لم يرو هذا الحديث عن عبد الكريم إلا خطاب بن القاسم, قاله الطبراني.

وقد خرج أبو داود في "سننه" فقال: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان, عن إسماعيل بن أمية, عن رجل, عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.

وقال الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم عن إسماعيل بن أمية, عن سعيد بن المسيب قال: أوهم الذي روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم, ما نكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو حلال.

وقال أبو حاتم بن حبان في "صحيحه": قول ابن عباس رضي الله عنهما: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم, يريد به داخل الحرم؛ لا أنه كان محرماً في ذلك الوقت, كما تستعمل العرب ذلك في لغتها تقول لمن دخل نجداً: أنجد, ولمن دخل الظلمة: أظلم, ولمن دخل تهامة: أتهم, أراد أنه داخل الحرم, لا أنه كان محرماً بنفسه في ذلك الوقت. انتهى.

وقيل في ذلك قول ثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل أن يخرج من المدينة.

 

#181#

حدث به أنس بن عياض, عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن, عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار فأنكحاه ميمونة وهو بالمدينة قبل أن يخرج.

وحدث به الشافعي, عن مالك, عن ربيعة.

ولما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة رضي الله عنها أراد أن يبني بها قبل أن يخرج من مكة, فأتاه في اليوم الرابع من إقامته سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى عند الظهر, وسعد بن عبادة رضي الله عنه يتحدث معه, فأمراه بالخروج ولم يمهلاه أن يبني بميمونة, وذلك فيما رواه الإخباريون ومنهم الواقدي في "السير", فروى عن عبد الله بن محدو قال: فقال – يعني حويطباً -: قد انقضي أجلك, فاخرج. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم, فصنعت لكم طعاماً» فقالا: ننشدك الله يا محمد, والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا, فهذه الثلاث قد مضت, وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل بيتاً ضربنا له قبة من أدم بالأبطح, فكان هناك حتى خرج منها, لم يدخل تحت سقف من بيوتها, فغضب سعد بن عبادة رضي الله عنه لما رأى من غلطة كلامهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لسهيل: كذبت, لا أم لك, ليست بأرضك ولا أرض أبيك, والله لا يخرج منها إلا طائعاً راضياً, فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: «يا سعد لا ترد قوماً زارونا في رحالنا», قال: أسكت الرجلان

 

#182#

عن سعد, قال: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع بالرحيل وقال: «لا يمسين بها أحد من المسلمين» وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل سرف وتتام الناس وخلف أبا رافع؛ ليحمل إليه زوجته حين يمسي وأقام أبو رافع حتى أمسى فخرج بميمونة ومن معها فلقوا عيناً من سفهاء المشركين من أذى ألسنتهم للنبي صلى الله عليه وسلم, وقال أبو رافع: أنتظر أن يبطش أحد منهم فنستحل منه, فلم يفعلوا, إلا أني قد قلت لهم: ما شئتم هذه والله الخيل والسلاح ببطن يأجج والخيل قد قربت ... وذكر الحديث, وفيه: فلم يأت سرف حتى ذهب عامة الليل, فأتينا سرف فبنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم, [ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.

وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم] تزوجها على مهر خمسمائة درهم, قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن عمرة قال: قيل لها: إن ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مهر خمسمائة درهم وولي نكاحها العباس رضي الله عنه.

خرج أبو نعيم في كتابه "حلية الأولياء" من حديث أبي اليمان, حدثنا إسماعيل بن عياش, عن صفوان بن عمرو, عن عبد الرحمن بن

 

#183#

جبير بن نفير, عن أبيه قال: أهدى ابن السائب ابن أخي ميمونة لميمونة رضي الله عنها فراش ريش, فلما أفطرت وأرادت أن ترقد – وقد كانت نحلت من العبادة – قالت: افرشوا فراش ابن أخي, فرقدت عليه, فما تحركت حتى أصبحت, فقالت: أخرجوها عني, هذا مغفل, هذا منيم, لا أفترشها.

*[وفاتها رضي الله عنها]:

ماتت ميمونة رضي الله عنها بسرف في مثل الليلة التي بنى بها رسول صلى الله عليه وسلم فيها. ودفنت في الظلة التي بنى بها فيها, وقبرها ظاهر هناك, مقصود بالزيارة في المكان المعروف اليوم بمسجد ميمونة.

وجاء من حديث جرير: سمعت أبا فزارة, عن يزيد بن الأصم, عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً, وماتت بسرف في الليلة التي بنى بها فيها. قال: وكانت خالتي فنزلت في قبرها أنا وابن عباس, فلما وضعناها في اللحد مال رأسها فأخذت ردائي فجمعته فوضعته تحت رأسها فأخذه ابن عباس فرمى به ووضع تحت رأسها كذانة.

وكانت وفاة ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين, وقد بلغت ثمانين سنة.

 

#184#

وقيل: ماتت سنة ثلاث وستين في أيام معاوية, وقيل: سنة ست وستين. وصحح القول الأول الحافظ أبو محمد الدمياطي فيما أنبئونا عنه, وضعف القولين بعده. وقال: لأن الصحيح أنها توفيت في حياة عائشة رضي الله عنها. انتهى.

ومما يشهد لذلك ما روي من حديث جعفر بن برقان, حدثنا يزيد بن الأصم قال: تلقيت عائشة رضي الله عنها وهي مقبلة من مكة أنا وابن طلحة بن عبيد الله – وهو ابن أختها أم كلثوم – وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك قال: فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله, ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة, ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه صلى الله عليه وسلم, ذهبت والله ميمونة ورمى بحبلك على غاربك, أما إنها كانت من أتقانا وأوصلنا للرحم.

وذكر ابن الجوزي في كتابه "التلقيح" وغيره أنها توفيت سنة إحدى وستين.

وقيل: سنة ثمان وثلاثين.

وقيل: سنة أربعين في خلافة علي رضي الله عنه.

وسرف: ما بين التنعيم وبطن مرو, وهو إلى التنعيم أقرب, وهو على ثلاثة فراسخ من مكة.

 

#185#

*[آخر أمهات المؤمنين]:

وميمونة رضي الله عنها آخر من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمهات المؤمنين, وهي آخرهن موتاً في قول عطاء بن أبي رباح وغير واحد.

فهؤلاء اللواتي توفي عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

#186#

&[نساؤه اللاتي توفين في حياته صلى الله عليه وسلم]&

ومات في حياته صلى الله عليه وسلم من زوجاته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كما قدمناه.

وكذلك مات في حياته صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية أخي سعد رضعاء النبي صلى الله عليه وسلم ابني بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان الهلالية القيسية أم المساكين. سميت بذلك في الجاهلية لإطعامها المساكين ورأفتها بهم ورحمتها عليهم وإحسانها إليهم.

كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي رضي الله عنه [فطلقها] فتزوجها أخوه عبيدة بن الحارث, فقتل عنها يوم بدر شهيداً رضي الله عنه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم, هكذا ذكر غير واحد: منهم ابن الجوزي, وبه جزم الحافظ أبو محمد الدمياطي فيما أنبئونا عنه.

وقال الزهري: وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد.

 

#187#

خرجه أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" من طريق الليث, عن عقيل, عن ابن شهاب, والحاكم في "مستدركه", وحكاه أبو عمر بن عبد البر وابن الجوزي عن الزهري.

وذكره البيهقي وعبد الغني المقدسي, ثم قال: وقيل: عند الطفيل بن الحارث, والأول أصح. انتهى, وعزا أبو عمر بن عبد البر القول الثاني لقتادة, وهو صحيح, فإن ابن أبي خيثمة حدث به في "التاريخ" عن أحمد – هو ابن المقدام – عن زهير – هو ابن العلاء – عن سعيد – هو ابن أبي عروبة – عن قتادة قال: وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث.

وفي "الطبقات الكبرى" لابن سعد, عن الزهري خلاف ما ذكر.

قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا محمد بن عبد الله, عن الزهري قال: كانت زينب بنت خزيمة الهلالية تدعى أم المساكين, وكانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فطلقها.

وقال: أخبرنا محمد بن عمر, فحدثني عبد الواحد بن جعفر, عن عبد الواحد بن أبي عون قال: فتزوجها عبيدة بن الحارث فقتل عنها يوم بدر شهيداً رضي الله عنه.

وقال علي بن الجنيد الرازي في "تاريخه": كانت قبله – يعني: قبل النبي صلى الله عليه وسلم – عند الحصين بن الحارث أو عند أخيه الطفيل بن الحارث. انتهى.

 

#188#

وعبيدة والطفيل والحصين لهم صحبة وهم إخوة بني الحارث بن المطلب بن عبد مناف رضي الله عنهم.

وذكر أبو عبيدة أنها: كانت قبله عند طفيل بن عباد بن الحارث بن المطلب.

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا كثير بن زيد, عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال: وحدثنا محمد بن قدامة, عن أبيه قالا: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين فجعلت أمرها إليه, فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأشهد وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا, وكان تزويجه إياها في شهر رمضان على رأس إحدى وثلاثين شهراً من الهجرة, فمكثت عنده ثمانية أشهر, وتوفيت في آخر شهر ربيع الآخر على رأس تسعة وثلاثين شهراً وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنها بالبقيع.

وحدث به الزبير بن بكار في كتابه "ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" عن محمد بن حسن – يعني ابن زبالة – عن غير واحد منهم: إبراهيم بن محمد بن عبد المجيد بن سهيل, وكثير بن زيد, عن المطلب بنحوه.

 

#189#

وفي هذا الحديث أن مكثها عند النبي صلى الله عليه وسلم كان ثمانية أشهر, هذا هو المشهور, وقيل: مكثت عنده صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر, وقيل: شهرين.

وفاتها مختلف في وقتها أيضاً, فقيل: توفيت في السنة الخامسة من الهجرة.

وقال أبو عبد الله بن منده: وتوفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي لم يلبث بعدها إلا يسيراً انتهى.

وكان سنها لما توفيت ثلاثين سنة أو نحوها.

قال الواقدي: سألت عبد الله بن جعفر: من نزل في حفرتها؟ فقال: إخوة لها ثلاثة, قلت: كم كان سنها؟ قال: ثلاثين أو نحوها.

فهاتان زوجتان ماتتا في حياته صلى الله عليه وسلم, وفي ريحانة خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى.

وحكى أبو عمر بن عبد البر فقال: قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة قال: وكانت زينب بنت خزيمة أخت ميمونة رضي الله عنها لأمها.

قال أبو عمر: ولم أر ذلك لغيره, والله أعلم.

قلت: أم ميمونة هند بنت عمرو الحميرية التي ذكرناها قبل, المعروف من بناتها: ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, ولبابة الكبرى أم بني العباس, ولبابة

 

#190#

الصغرى أم خالد بن الوليد, والعصماء, كانت تحت أبي بن خلف الجمحي وولدت له, وقيل: هي أم خالد لبابة, لقبها العصماء, وهزيلة أم حفيد وعزة بنات الحارث بن حزن, وأسماء وسلمى وسلامة بنات عميس الخثعمي.

وهذه الثلاثة أخوات المذكورات قبلهن لأمهن وهن صحابيات إلا سلامة, وعزة, والله أعلم.

قال أبو عمر ابن عبد البر عن عزة: وأظنها لم تدرك الإسلام.

 

#191#

&[ترتيب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم]&

وأول من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة, ثم سودة, ثم عائشة, ثم حفصة, ثم أم المساكين زينب, ثم أم حبيبة, ثم أم سلمة, ثم زينب بنت جحش, ثم جويرية, ثم صفية, ثم ميمونة رضي الله عنهن.

وذكرهن على هذا الترتيب أبو الحسن علي بن الجنيد الرازي في "تاريخه" غير صفية فلم يذكرها.

وذكرهن أبو محمد بن حزم على الترتيب المذكور إلا أنه أخر أم حبيبة إلى بعد جويرية, واختاره الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري وغيره, وهو المشهور, وبه جزم الحافظ أبو محمد الدمياطي فيما أنبئونا عنه.

وذكرهن أبو الفرج ابن الجوزي فيما وجدته بخطه في كتابه "منتخل المنتخب" على الترتيب الذي قدمناه إلى حفصة. ثم قال بعدها:

 

#192#

[ثم] أم سلمة, ثم أم حبيبة, ثم زينب بنت جحش, ثم زينب بنت خزيمة, ثم جويرية, ثم صفية, ثم ميمونة.

وذكرهن أبو بكر ابن أبي خيثمة في "تاريخه" علي هذا الترتيب: خديجة, سودة, عائشة, أم حبيبة, حفصة, زينب بنت جحش, صفية, أم سلمة, ميمونة, جويرية, زينب العامرية رضي الله عنهن.

ثم قال: وهذا آخر ما ذكر عبد الله بن محمد بن عقيل من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, كتبته على نسق ما كان في حديث ابن عقيل إلا سودة بنت زمعة فإن ابن عقيل جعل عائشة قبلها والباقي على تأليف ابن عقيل, ثم قال: والعامرية لم يذكرها ابن عقيل أيضاً, فأما قتادة فجعل أولهن خديجة وسودة وعائشة وأم حبيبة وأم سلمة وحفصة, فهؤلاء ست من قريش، ومن حلفاء قريش: زينب بنت جحش, ثم من سائر العرب: جويرية بنت الحارث وميمونة بنت الحارث, ومن بنات هارون: صفية بنت حيي, وزينب بنت خزيمة رضي الله عنهن.

وذكر ابن سعد في "الطبقات الكبرى" عن الزهري والمطلب بن عبد الله بن حنطب ترتيبهن ما ملخصه: خديجة, ثم سودة, ثم عائشة, ثم حفصة, ثم أم سلمة, ثم جويرية, ثم زينب بنت جحش, ثم زينب بنت خزيمة, ثم ريحانة النضرية, ثم أم حبيبة, ثم صفية, ثم ميمونة رضي الله عنهن.

 

#193#

هكذا ذكر فيهن ريحانة, وهي مختلف فيها, هل كان صلى الله عليه وسلم يطؤها بملك اليمين أو كانت زوجة؟ سيأتي الخلاف في ذلك قريباً إن شاء الله تعالى, [و] في ترتيبهن غير ما ذكر فيما جاء عن الزهري وغيره.

 

#194#

&[قسمه صلى الله عليه وسلم بين نسائه رضي الله عنهن]&

وأما قسمه صلى الله عليه وسلم بين نسائه رضي الله عنهن فكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها, غير سودة, فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة رضي الله عنها كما قدمناه.

وقد خرج مسلم في "صحيحه" من حديث ابن جريج, أخبرني عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة رضي الله عنهم زوج النبي صلى الله عليه وسلم [بسرف] فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوا وارفقوا, فإنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم تسع فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة, قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب.

وخرجه البخاري, لكن لم يذكر قول عطاء في آخره وتركه – والله أعلم – لما فيه من الوهم, وإنما التي كان لا يقسم لها سودة؛ لأنها وهبت يومها لعائشة رضي الله عنهما, وصفية إنما وهبت لعائشة رضي الله عنها يوماً واحداً من أيامها لترضي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ففعلت، فقسم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة يومها ويوم صفية رضي الله عنهما كما قدمناه من رواية الطبراني في "معجمه الأوسط" ولعل الوهم من هنا حصل, والله أعلم.

 

#195#

وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى": أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم, عن أيوب, [عن أبي] قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل, ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني: الحب بالقلب.

وهذا منقطع سقط منه عبد الله بن يزيد رضيع عائشة رضي الله عنها.

خرجه موصولاً أبو داود فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد, عن أيوب, عن أبي قلابة, عن عبد الله بن يزيد الخطمي, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».

 

#196#

قال أبو داود: يعني القلب.

تابعه أبو بكر بن أبي خيثمة فرواه في "التاريخ" عن أبي سلمة, حدثنا حماد. فذكره متصلاً.

وقال ابن أبي مليكة: سألت عنها عائشة رضي الله عنها عن قسمة النبي صلى الله عليه وسلم لأمي ولده فقالت: كان يقسم لهما مرة ويدعهما مرة, فإذا قسم أضعف قسمنا, فلإحداهن يوم ولنا يومان.

أما ولده اللتان لم يسميا في هذا الأثر هما: ريحانة ومارية رضي الله عنهما.

أما الأولى فهي ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة.

هكذا نسبها يزيد بن الهاد, عن ثعلب بن أبي مالك, وكذلك نسبها الزهري وعمر بن الحكم وابن سعد وزاد بعد خنافة: ابن شمعون بن زيد. وقال أبو عبيدة: ريحانة بنت زيد بن شمعون من بني النضير. وجاء عن قتادة عكسه: ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بني عمرو بن قريظة. ذكر غير واحد أن أباها هو شمعون, وكان أحد موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل في أبيها: شمغون بالغين المعجمة.

وهي من بني النضير, كما قاله أبو عبيدة وغيره.

 

#197#

وكانت متزوجة رجلاً من بني قريظة, يقال له عبد الحكم, فنسبها بعض الرواة إلى بني قريظة لذلك. قاله ابن سعد وطائفة.

لكن ذكر قتادة أن زوجها عبد الحكم ابن عم لها فيما بلغه.

وممن قال هي قرظية: الزهري.

قال أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا الوليد بن شجاع, حدثني ابن وهب, أخبرني يونس بن يزيد, عن ابن شهاب قال: واستسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة من بني قريظة, ثم أعتقها فلحقت بأهلها.

وعلى هذا القول بأن ريحانة من بني قريظة جماعة من المتأخرين.

وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": ريحانة بنت شمعون من أهل الكتاب من بني خنافة, وهم بطن من بني قريظة.

وقال أبو عمر بن عبد البر: الأكثر أنها من بني قريظة.

وقال أبو عبيدة: وقال بعضهم: ربيحة القرظية إحدى نساء بني خنافة وكانت تكون في نخله بالعالية, وكان يقيل عندها أحيانا إذا

 

#198#

ما جاء النخل, وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأه وجعه الذي توفي فيه عندها, سباها في شوال سنة أربع.

والذي أبهمه أبو عبيدة بقوله: (وقال بعضهم) هو قتادة, والله أعلم.

قال ابن أبي خيثمة في "التاريخ": حدثنا أحمد بن المقدام, حدثنا زهير بن العلاء, حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: وكانت ربيحة القرظية, وقال بعضهم: ريحانة وكانت تكون في نخل بالعالية, وكان يقيل عندها أحياناً إذا أتي النخل.

وزعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأه وجعه الذي توفي فيه عندهم.

وقد اختلفت الرواية هل كانت زوجة كأمهات المؤمنين أو ملك يمين كمارية؟ فروي عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي المدني إمام بني قريظة وأبي حفص عمر بن الحكم بن رافع الأنصاري ومحمد بن كعب القرظي والمطلب بن عبد الله بن حنطب والزهري والواقدي وكاتبه محمد بن سعد وطائفة من المتأخرين أن ريحانة كانت زوجة.

قال الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا, وهو الأمر عند أهل العلم, وقد سمعت من يروي أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتقها, وكان يطؤها بملك اليمين حتى ماتت رحمها الله تعالى. انتهى.

وقيل فيها قول ثالث, وقد تقدم عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم تسرى بها, ثم أعتقها فلحقت بأهلها والقائلون بزوجيتها مختلفون؛ منهم من قال:

 

#199#

إنها لم تزل عنده صلى الله عليه وسلم حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع, ومنهم من قال: طلقها ثم راجعها, ومنهم من قال: طلقها ولم يراجعها, فكانت في أهلها, وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الواقدي فيما رواه عنه كاتبه في "الطبقات": حدثنا عاصم بن عبد [الله بن] الحكم, عن عمر بن الحكم قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة, فكانت عند زوج لها محباً لها مكرماً فقالت: لا أستخلف بعده أبداً, وكانت ذات جمال, فلما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت فيمن عرض عليه، فأمر بي فعزلت, وكان يكون له صفي من كل غنيمة, فلما عزلت خار الله لي, فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياماً حتى قتل الأسرى وفرق السبي, ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه وقال: «إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه» فقلت: فإني أختار الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا, كما كان يصدق نساءه، وأعرس بي في بيت أم المنذر، وكان يقسم لي كما كان يقسم لنسائه, وضرب علي الحجاب, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجباً بها, وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها ذلك, ولقد قيل لها: لو كنت سألت رسول صلى الله عليه وسلم بني قريظة لأعتقهم, وكانت تقول: لم يخل بي حتى فرق السبي. ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها, فلم

 

#200#

تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع, فدفنها بالبقيع, وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة.

وقال أيضاً: حدثني صالح بن جعفر, عن محمد بن كعب قال: كانت ريحانة مما أفاء الله عليه, وكانت امرأة جميلة وسيمة، فلما قتل زوجها وقعت في السبي، وكانت صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإسلام وبين دينها, فاختارت الإسلام, فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتزوجها وضرب عليها الحجاب, فغارت عليه غيرة شديدة, فطلقها تطليقة وهي في موضعها لم تبرح, فشق عليها، فأكثرت البكاء, فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على تلك الحال فراجعها, وكانت عنده حتى ماتت عنده قبل أن يتوفى صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضاً: حدثني ابن أبي ذئب, عن الزهري قال: كانت ريحانة بنت زيد [بن] عمرو بن خنافة قرظية, وكانت من ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه فأعتقها ثم تزوجها ثم طلقها وكانت في أهلها, وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في هذا الحديث وهل من وجهين: هي نضرية, وتوفيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, قاله الواقدي.

وقال أبو معشر: ريحانة بنت عبد الله بن خندف القرظية, سباها

 

#201#

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة فأعتقها وتزوجها, وكانت قبل عند رجل من قومها, فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبحت قالت: يا رسول الله, إن بي بياضاً قدر درهم تحت مئزري, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أخبرتيني قبل؟» قالت: أحببت مسك وبركتك وقد أخبرتك. فدعا لها بخير وطلقها, فلبثت أربعة أشهر, فماتت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليها ودفنها رضي الله عنها.

وقال كاتبه في "الطبقات": أخبرنا عبد الملك بن سليمان, عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة, عن أيوب بن بشير المعاوي قال: لما سبيت قريظة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بريحانة إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر, فكانت عندها حتى حاضت, ثم طهرت من حيضها, فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم المنذر, وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحببت أعتقتك وتزوجتك فعلت, وإن أحببت أن تكوني في ملكي» فقالت: يا رسول الله أكون في ملكك أخف علي وعليك, فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت.

وقال أيضاً: أخبرنا محمد بن عمر, حدثني عمر بن سلمة, عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: لما سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة, عرض عليها الإسلام فأبت, وقالت: أنا على دين قومي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أسلمت اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه» فأبت, فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبينا رسول الله صلىالله عليه وسلم  جالس في أصحابه إذ سمع خفق نعلين فقال:

 

#202#

«هذا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة» فجاءه فأخبره أنها قد أسلمت, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها بالملك حتى توفي عنها صلى الله عليه وسلم.

قيل: ماتت ريحانة رضي الله عنها سنة ست عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وأما الثانية فهي مارية بنت شمعون القبطية أم إبراهيم من أهل حفن من كورة أنصنا, وهي بضم الألف وسكون النون وكسر المهملة, ثم نون ثانية وألف, هكذا قيدها الملك المؤيد إسماعيل الملك الأفضل الأيوبي صاحب حماة في كتابه "نزهة الزمان" وضبطها غيره بفتح الهمزة أولها وبعضهم بكسرها والباقي سواء.

وهي بلدة قديمة من صعيد مصر الأوسط على شط النيل من البر الشرقي, ومنها جلب فرعون السحرة فيما ذكره الشريف الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق".

وبلغنا أن بحفن مسجداً بني بعد فتح مصر, بني على اسم مارية, ومارية أهداها إلى النبي صلى الله عليه وسلم عظيم القبط جريج بن مينا المقوقس صاحب الإسكندرية في جملة ما أهدى إليه مع حاطب بن أبي بلتعة ورجل آخر اسمه جبر بن عبد الله القبطي مولى أبي رهم الغفاري, وكان النبي

 

#203#

صلى الله عليه وسلم أرسل إليه حاطباً في ذي القعدة سنة ست, ومعه كتاب يدعوه إلى الإسلام.

حدث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب, عن أبيه, عن جده حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزلة وأقمت عنده ليالي, ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته فقال: إني سأكلمك بكلام أحب أن تفهم مني, قال: قلت: هلم, قال: أخبرني عن صاحبك, أليس هو نبي؟ قال: قلت: بلى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى بن مريم أتشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. فقلت: فما له حيث أخذه قومه فأرادوا صلبه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟! قال: أحسنت, إنه حكيم جاء من عند حكيم, هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد صلى الله عليه وسلم, وأرسل معك من يبلغك إلى مأمنك قال: فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار منهن أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأخرى وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة العدوي, وأخرى وهبها لحسان بن ثابت, وأرسل إليه بثياب مع طرف من طرفهم.

 

#204#

وقال إبراهيم الحربي في كتاب "الهدايا": حدثنا محمد بن سهل, حدثنا أصبغ, عن ابن وهب, أخبرني يونس, عن ابن شهاب, أخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري أن المقوقس أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع حاطب كسوة وحلة سيراء وجاريتين, فاتخذ إحداهما – أم إبراهيم – وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس.

وقال الواقدي: حدثني يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة, عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: بعث المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع من الهجرة بمارية وبأختها سيرين, وألف مثقال ذهباً وعشرين ثوباً ليناً وبغلته الدلدل, وحماره عفير ويقال: يعفور, ومعهم خصي يقال له مأبور. شيخ كبير, فعرض حاطب بن أبي بلتعة على مارية الإسلام, ورغبها فيه, فأسلمت وأسلمت أختها, وأقام الخصي على دينه حتى أسلم بالمدينة بعد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجباً بأم إبراهيم, وكانت بيضاء جميلة, فأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العالية الذي يقال لها اليوم: مشربة أم إبراهيم, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلف إليها هناك, وضرب عليها الحجاب, وكان يطؤها بملك اليمين, فلما حملت وضعت هناك وقبلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاء أبو رافع زوج سلمى فبشر

 

#205#

رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم, فوهب له عبداً, وذلك في ذي الحجة سنة ثمان, وتنافست الأنصار في إبراهيم وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبي صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من هواه فيها.

وقال أيضاً: حدثني موسى بن محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان, عن أبيه, [عن عمرة], عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية, وذلك أنها كانت جميلة من النساء جعدة وأعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان, فكانت جارتنا, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة الليل والنهار عندها حتى قذعنا لها فجزعت فحولها إلى العالية, فكان ذلك أشد علينا, ثم رزق الله منها الولد وحرمنا منه.

توفيت مارية رضي الله عنها في المحرم سنة ست عشرة, وصلى عليها عمر رضي الله عنه ودفنت بالبقيع.

 

#206#

&[ولادة سيدنا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم]&

وروى عمرو بن محمد العنقزي, حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة, عن حُسَيْن بن عبد الله, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما ولدت أم إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعتقها ولدها».

خرجه الدارقطني في "سننه" للعنقزي.

تابعه أبو عاصم الضحاك بن مخلد وعبد الحميد بن أبي أويس عن ابن أبي سبرة.

ورواه عبد الله بن سلمة بن أسلم, عن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بنحوه. ورواه سعيد بن زكريا المدائني, عن ابن أبي سارة, عن ابن أبي حُسَيْن, عن عكرمة.

وذكر الزبير بن بكار عن أشياخه: أن أم إبراهيم ولدته بالعالية, وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش يوم سابعه, وحلق رأسه, حلقه أبو هند, فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين, وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسماه يومئذ.

 

#207#

أبو هند هذا هو البياضي الحجام واسمه يسار, وقيل: سالم بن أبي سالم, وقيل: عبد الله بن هند.

وقول الزبير: "وسماه يومئذ" يعني يوم سابعه, فالحديث المشهور يرده من أنه سماه غداة, ولقد جاء من حديث أنس رضي الله عنه.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد بن عمر, حدثني محمد بن عبد الله, عن الزهري, عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي فقال: «انظري إلى شبهه بي» فقلت: ما أرى شبهاً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟» فقلت: إنه من قصر عليه اللقاح ابيض وسمن.

قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم, عن أبيه قال: كان أبو بكر ينفق على مارية حتى توفي, ثم كان عمر ينفق عليها حتى توفيت في خلافته رضي الله عنهم.

وقال الواقدي أيضاً: توفيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة ست عشرة من الهجرة, فرؤي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجمع الناس لشهودها, وصلى عليها, وقبرها بالبقيع. انتهى.

 

#208#

$[وفاة سيدنا إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم]:$

وتوفي إبراهيم في السنة العاشرة من الهجرة وهو ابن ستة عشر شهراً.

قال محمد بن محمد بن سليمان الباغندي: حدثنا عبد الله بن عمر – يعني: ابن أبان بن صالح الجعفي – حدثنا معاوية بن هشام, حدثنا سفيان, عن فراس, عن الشعبي, عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهراً, فقال رسول الله صلى الله عله وسلم: «ادفنوه في البقيع, فإن له مرضعاً يتم رضاعه في الجنة».

وحدث به الباغندي أيضاً, عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة, عن معاوية بن هشام كذلك, وعن شيخه المذكور أولاً عن معاوية بن هشام, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء بنحوه.

وقال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده": حدثنا ابن نمير, أخبرنا الأعمش, عن مسلم بن صبيح, قال الأعمش: أراه عن البراء رضي الله عنه, قال: مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهراً, فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفن في البقيع وقال: «إن له مرضعاً يرضعه في الجنة».

ورواه لابنه عبد الله في "كتاب العلل" أيضاً بها الإسناد.