9 مصاحف الكتاب الاسلامي/

الأربعاء، 24 مايو 2023

الجزء الخامس والسادس من كتاب جامع الاثار في السير

ج5

$[تكلمه صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم وصفة قراءته وصوته]$

*قال هند: "ويتكلم بجوامع الكلم فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير".

وفي رواية ابن عباس, عن هند رضي الله عنهم: «إذا تكلم تكلم بجوامع الكلام لا فضل ولا تقصير, وإذا حدث أعاد».

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأوتيت جوامع الكلم».

وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا محمد النبي الأمي, لا نبي بعدي, أوتيت جوامع الكلم وخواتمه, وعلمت خزنة النار, وحملة العرش».

وخرج الدارقطني في "سننه": من حديث زكريا بن عطية, حدثنا سعيد بن خالد, حدثني محمد بن عثمان, عن عمرو بن دينار, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع العلم, واختصر لي الحديث اختصاراً».

وخرج أبو عبد الله محمد بن أيوب بن الضريس في كتابه "فضائل القرآن العظيم" فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا جرير, عن

الحسن: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله, إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا وقد هممنا أن نكتبها, فقال: «يا ابن الخطاب, أتتهودون كما يتهود اليهود والنصارى, أما والذي نفس محمد بيده, لقد جئتكم بها بيضاء نقية, ولكن أعطيت جوامع الكلم, واختصر لي الحديث اختصاراً».

وجاء معناه عن أبي قلابة, عن عمر, خرجه أبو داود في "المراسيل".

وخرج أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله بحران, حدثنا النفيلي, حدثنا زهير بن معاوية, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله رضي الله عنه قال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلام وخواتمه, أو جوامع الخير وخواتمه, وإنا كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة حتى علمنا فقال: «قولوا: التحيات لله» .... وذكر الحديث.

أخبرنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأذرعي ثم المصري – قدم علينا دمشق بقراءتي عليه – أخبرك الخطيب

أبو الفتح محمد بن محمد البكري فأقر به, أخبرنا عبد اللطيف بن أبي محمد النميري, أخبرنا عبد المنعم بن عبد الوهاب التاجر, أخبرنا علي بن أحمد العمري, أخبرنا محمد بن محمد البزار, أخبرنا إسماعيل بن محمد الملحي, أخبرنا الحسن بن عرفة العبدي, حدثنا هشيم بن بشير, عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي, عن أبي بردة, عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه», فقلنا: يا رسول الله, علمنا مما علمك الله عز وجل فعلمنا التشهد في الصلاة.

وجاء قوله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم» في عدة أحاديث, وفسر جوامع الكلم في هذا بالقرآن لإيجازه.

وأما قول هند: "ويتكلم بجوامع الكلم" أي بالموجز الكثير المعاني, القليل الألفاظ, المفيد المحكم من القول, يبينه قوله: "فصلاً" وهو المحكم من القول الذي لا يعاب قائله, يقال: فصل القائل القول يفصله بالكسر فصلاً إذا أحكمه.

وقوله: "لا فضول فيه ولا تقصير" يقال: فضل الشيء بالفتح يفضل بالضم, وفضل بالكسر يفضل بالفتح فضولاً, أي: صار فضلة لا يحتاج إليه, فكان كلامه صلى الله عليه وسلم عارياً عن الفضول الذي يزيد على الحاجة, خالياً من التقصير الذي يحتاج إلى إتمامه لنقصه وعدم إحكامه.

وفي "مسند أحمد بن حنبل" من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسرد سردكم هذا, كان يتكلم بكلام يبينه فصلاً يحفظه من يسمعه.

وخرجه الترمذي في "الشمائل" بنحوه.

وأصله مخرج في "الصحيحين".

وفيهما عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه.

وأما قول هند في رواية ابن عباس: "وإذا حدث أعاد":

ففي "الصحيحين": عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان -يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم – إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه.

وهو في "الشمائل" للترمذي, عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه.

وقال أحمد بن منيع أبو جعفر البغوي في "مسنده": حدثنا أبو أحمد – يعني: الزبيري – حدثنا مسعر, سمعت شيخنا, قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيل وترتل.

ومعناهما واحد؛ أي يتمهل فيه مع البيان, وحسن التأليف.

وكذلك كانت قراءته صلى الله عليه وسلم القرآن:

روي عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: ما رأيت إنسياً أحسن صوتاً من النبي صلىوسلم عليه       بالقرآن.

رواه أبو بكر يعقوب بن يوسف المطوعي, حدثنا أبو معمر – يعني القطيعي – حدثنا سفيان, عن مسعر, عن عدي بن ثابت, عن البراء.

وقال الخرائطي في "اعتلال القلوب": حدثنا علي بن داود القنطري, حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن عبد الله بن يحيى, عن علي رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} قال: ما بعث الله عز وجل نبياً قط إلا صبيح الوجه, كريم الحسب, حسن الصوت, وإن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان كريم الحسب صبيح الوجه حسن الصوت ماداً ليس له ترجيع.

ورواه محمد بن إسحاق بن خزيمة, حدثنا العباس بن يزيد البحراني, حدثنا نوح بن قيس الحداني, حدثنا حسام بن المصك الأزدي, عن قتادة, عن أنس رضي الله عنه قال: ما بعث الله نبياً قط إلا حسن الوجه, حسن الصوت, إلا أنه كان لا يرجع.

ورواه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي, عن محمد بن أحمد الضبعي, عن العباس بن يزيد بن أبي حبيب ... فذكره.

تابعهما أبو بكر محمد بن إبراهيم الأنماطي, عن البحراني.

ورويناه في كتاب "الشمائل" تأليف الترمذي, عن قتادة من قوله نحوه. وذكره الدارقطني أنه الصواب.

$*وجاء أنه صلى الله عليه وسلم كان جهير الصوت:$

وفي حديث عاصم عن زر, عن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فبينا نحن عنده إذا ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد, فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو من صوته: «هاؤم» ... الحديث.

خرجه أحمد في "مسنده", والترمذي في "جامعه", والنسائي في

"سننه الكبرى".

قيل: إنما رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته رفقاً بالأعرابي حتى لا يكون صوته أرفع من صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

وخرج الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قراءة مفسرة [حرفاً] حرفاً.

وجاء عن مخرمة بن سليمان, عن كريب قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل, فقال: كان يقرأ في حجرته قراءة لو شاء حافظ أن يحفظها لفعل.

وحدث ابن لهيعة, عن الحارث بن يزيد, عن زياد بن نعيم, عن مسلم بن مخراق, عن عائشة رضي الله عنها قال: ذكر لها أن ناساً يقرءون القرآن في الليلة مرة أو مرتين فقالت: أولئك قرءوا ولم يقرءوا, كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة التمام, وكان يقرأ بسورة البقرة وآل عمران والنساء، ولا يمر بآية فيها تخوف إلا وعاذ الله عز وجل واستعاذه، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل ورغب إليه.

خرجه أحمد في "مسنده".

وقال عبد الله بن أبي قيس لعائشة رضي الله عنها: كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل يجهر أو يسر؟ قالت: كل ذلك كان يفعل, ربما جهر وربما أسر.

وله شاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال جرير بن حازم: حدثنا قتادة, سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن

قراءة النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: كان يمد مداً.

وقال همام: عن قتادة, سئل أنس رضي الله عنه كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كانت مداً, ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم, يمد ببسم الله, ويمد بالرحمة, ويمد بالرحيم.

وخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: {بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين}

وخرجه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل.

وتقدم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه.

$[تمثله صلى الله عليه وسلم بالشعر]$

*وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بالشعر في بعض كلامه:

خرج الإمام أحمد في "مسنده" والنسائي في "عمل اليوم والليلة" والترمذي في "جامعه" و"الشمائل", واللفظ له من حديث شريك, عن المقدام بن شريح, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قال: قيل لها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل شعر ابن رواحة, ويتمثل ويقول: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود».

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.

ورواه هارون بن معروف, عن سفيان بن عيينة, عن مسعر, عن المقدام.

وقال مسدد والإمام أحمد في "مسنديهما" حدثنا هشيم – زاد مسدد واللفظ له: وأبو عوانة, عن مغيرة, عن عامر, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث خبراً تعمل بعاقبة بيت طرفة: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود».

وخرجه النسائي في كتاب "عمل اليوم والليلة" من حديث عبد الله بن محمد بن نفيل, عن هشيم بنحوه, ومن حديث أبي عوانة عن إبراهيم بن مهاجر, عن الشعبي به.

وقال محمد بن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى": أخبرنا محمد بن الصباح, حدثنا الوليد بن أبي ثور, عن سماك, عن عكرمة قال: سئلت عائشة رضي الله عنها هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل شعراً قط؟ قالت: كان أحياناً إذا دخل بيته يقول: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود».

وهو عند سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس أيضاً؛ حدث به أبو محمد عبد بن حميد في "مسنده": حدثني ابن أبي شيبة, حدثنا أبو أسامة, عن زائدة, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود».

وصدر هذا: ستبدي لك الأيام ما كانت جاهلا.

وهذا البيت لطرفة بن العبد واسمه عمرو.

وذكر أبو زرعة أحمد بن الحسن الرازي في كتاب "الشعراء" له في ترجمة طرفة هذا: أنه كان آدم أزرق أزور الصدر أفرع وكان لسانه أسود, كأنه لسان الظبي.

وقال نحوه أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني في "معجم الشعراء" له فقال: وكان آدم أزرق أوقص أفرع أكشف أزور الصدر متساوك الخلق، ويقال: إنه أخرج لسانه فإذا هو أسود كأنه لسان ظبي, فأخذه بيده ثم أومأ بيده إلى رقبته فقال: ويل لهذا مما يجني عليه هذا, فكان هو الذي جنى عليه, فقتل, وذلك أنه هجا عمرو بن هند – وكان منادمه هو والمتلمس – والمتلمس – خال طرفة – فكتب لهما كتابين إلى المكعبر يأمره فيهما بقتلهما.

وقال المرزباني: قيل: وقتلهما المكعبر بالبحرين بكتاب عمرو بن هند وله بضع وعشرون سنة, وقد روي أنه لم يبلغ العشرين. انتهى.

وبيته هذا الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بعجزه من أحكم ما قالته العرب, وقد دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان فقال: يا شعبي أنشدني أحكم ما قالته العرب وأوجزه, فأنشده أبياتاً منها هذا البيت فقال: وقول طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود

رواه مطولاً أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد, حدثنا أبو عثمان, أخبرنا العتبي قال: دخل الشعبي على عبد الملك ... فذكره.

رويناه في "فوائد أبي مسلم الكاتب" محمد بن أحمد بن علي, حدث به عن أبي بكر بن دريد.

وذكر ابن عائشة أنه كان يقال: أشعر بيت قالته العرب هذا البيت.

رواه شهاب بن عطارد, عن الغلابي, عن ابن عائشة.

ولطرفة بيت آخر بمعناه وهو ما ذكره أبو عبيد في كتابه "غريب المصنف" عن الأصمعي قال: وكان جرير بن الخطفي ينشد لطرفة:

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد

يريد تشتري له. انتهى.

وبتاتاً: زاداً.

وقال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحوي بن النحاس في كتابه "شرح المعلقات السبع" ومنها قصيدة طرفة التي منها البيت الأول, قال: قال الأصمعي: وأنشد جرير بيتاً لطرفة بعد هذا لم يأت به غير جرير وهو:

ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد

انتهى.

والبيت الأول الذي كان يتمثل النبي صلى الله عليه وسلم بعجزه أحكم وأوجز من هذا.

وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": حدثنا إبراهيم بن عرعرة, حدثنا يوسف بن يزيد أبو معشر البراء, حدثني طيسلة بن صدقة – قال ابن

عرعرة: وإنما هو صدقة بن طيسلة – حدثني أبي والحي, عن أعشى بن مازن قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته:

يا مالك الناس وديان العرب

إني نكحت ذربة من الذرب

ذهبت أبغيها الطعام في رجب

فخلفتني بنزاع وحرب

أخلفت العهد ولطت بالذنب

وهن شر غالب لمن غلب

قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل ويقول: «وهن شر غالب لمن غلب, وهن شر غالب لمن غلب».

وحدث به البخاري في "تاريخه الكبير" على الصواب, فقال: قاله لي محمد بن أبي بكر, حدثنا أبو معشر يوسف البراء, حدثني صدقة بن طيسلة, حدتني معن بن ثعلبة المازني والحي بعد قال: حدثني

الأعشى المازني قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته, وذكر الأبيات بنحوها.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا عارم بن الفضل, حدثنا

حماد بن زيد, عن علي بن زيد, عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت:

كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً ...

فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله, إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً ... , ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً» فقال أبو بكر رضي الله عنه: نشهد أنك رسول الله ما علمك الشعر ولا ينبغي لك.

وقد صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».

وجاء من مراسيل الحسن البصري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمة نبي ألقيت على لسان شاعر: إن القرين بالمقارن يقتدي».

قلت: وصدره:

عن المرء لا تسل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي.

وهو من شعر عدي بن زيد العبادي الحيري يكنى أبا عمير نصراني, ذكره منسوباً إلى زيد مناة بن تميم: أبو عبيد الله المرزباني في "معجمه".

$[علمه صلى الله عليه وسلم بألسنة العرب ومخاطبة كل قوم بلغتهم]$

وتمثله صلى الله عليه وسلم بالأشعار المحكمة والأمثال المعلمة دال على فصاحته السنية وبلاغته القوية, ولقد كان صلى الله عليه وسلم من الفصاحة بالمكان الذي لا يلحق والغاية التي لا تدرك والمحل الأرفع والمجال الأوسع, أدب أكمل أدب, وعلم ألسنة العرب, فكان يخاطب كلا بلغته وفصاحته, ويجاريه في غريبه وبلاغته.

جاء في حديث طهفة بن أبي زهير النهدي الذي روي عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: لما قدمت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم قام طهفة بن أبي زهير [النهدي] فقال: أتيناك يا رسول الله, من غوري تهامة على أكوار الميس ترتمي بنا العيس, نستحلب الصبير, ونستخلب الخبير, ونستعضد البرير .... الحديث بطوله, وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومزقها وفرقها, وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر, وافجر لهم الثمد, وبارك لهم في المال والولد .... » الحديث, وفي آخره فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله, نراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره, ونحن بنو أب واحد, فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي, وربيت في بني سعد».

رواه عبد الرحمن بن محمد بن منصور البصري الحارثي كربزان, حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العذري, حدثنا شريك, عن العوام بن حوشب, عن الحسن, عن عمران بطوله نحوه, وتفرد به العذري.

ورواه أبو الشيخ, عن عبد الغفار بن أحمد الحمصي, حدثنا محفوظ ابن بحر, حدثنا الوليد بن عبد الواحد التيمي, أخبرني زهير بن معاوية, عن ليث, عن حبة العرني, عن حذيفة, قال: لما اجتمعت وفود العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام لهم طهفة النهدي .... وذكره بمعناه.

وقال أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي: حدثني عمارة بن زيد الأنصاري – من الأوس من ساكني تيماء – حدثني إبراهيم بن سعد, عن محمد بن إسحاق, حدثني يحيى بن عروة بن الزبير, عن عروة بن الزبير, عن زبان ابن قسور الكلفي, قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو نازل بوادي الشوحط ومعه رجل دونه في هديه وسمته إذا كلم رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم) فأطال أومأ إليه أن اقتصد, وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم

رجلاً سمعه وفهمه قول النبي صلى الله عليه وسلم, فقلت لبعض أصحابه: من هذا؟ قالوا: هذا صاحبه الأخص, هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن لوباً – يعني: نحلاً – كان في عيلم له طرم وشرو فجاء رجل فضرب ميتين فأنتج حياً وكفنه بالثمام فنحس فطار اللوب هارباً, ودلي مشواره في العيلم فاشتار العسل فمضى به, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون ملعون من سرق شرو قوم فأضر بهم, أفلا تبعتم أثره وعرفتم خبره», قال: قلت: يا رسول الله, دخل في قوم لهم منعة وهم جيرتنا من هذيل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صبرك صبرك ترد نهر الجنة, وإن سعته كما بين اللقيقة والسحيقة يتسبسب جرياً بعسل صاف من قذاه ما تقيأه لوب, ولا مجه نوب».

فقوله العيلم: هو في أحد معانيه الركية الكثيرة الماء, والعيلم – أيضاً – البحر فيما قاله الخليل.

والطرم: في بعض اللغات: العسل, وفي بعضها: الشهد, ويطلق – أيضاً – على الزبد, وعلى الكافور, والطرم أيضاً فيما قيل: ضرب من الشجر.

والشرو: القطع من الشهد.

والثمام: نبت ضعيف معروف له خوص أو شبهه.

والمشوار: الآلة التي يشتار بها العسل, واشتاره: اجتناه, وكذلك شاره وأشاره لغة.

والميتان: الزندان, ويقال: الزندتان عودان في أحدهما فروض وهي الثقب تقدح بها النار, فالتي فيها الفروض هي الأنثى, يقال لها: الزندة, وهي السفلى, والذي يقدح بطرفه الذكر, ويقال: الزند وهو العود الأعلى, والحي الذي أنتجه منها النار.

ونحس: دخن, والنحاس في أحد معانيه الدخان.

واللقيقة والسحيقة: موضعان متباينان بعداً.

ويتسبسب: يجري متواصلاً كأنه من السبب الذي يتوصل به إلى غيره, ومعناه على هذا جريه.

والنوب: النحل؛ لأنها ترعى وتنوب إلى مكانها, وقيل: لأنها تضرب إلى السواد, ومنه قيل للأسود: نوبي, ولوبي باللام أيضاً, وكذلك النحل يقال لها: لوبي كما في الحديث, واللوب فسر في الحديث بالنحل, واللوب جمع لوبة, وهي الحرة, وأيضاً جمع لائب وهو العطشان, ونحل لوب: أي عطاش.

وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا ابن جابر,

حدثني عروة بن محمد بن عطية السعدي, حدثني أبي أن أباه أخبره, قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر وكنت أصغر القوم, فخلفوني في رحالهم ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقضى حوائجهم, قال: «هل بقي منكم أحد؟», قالوا: يا رسول الله غلام منا خلفناه في رحالنا, فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعثوني إليه, فأتوني فقالوا: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني, قال: «ما أغناك الله عز وجل فلا تسأل الناس شيئاً فإن اليد العليا هي المنطية واليد السفلى هي المنطاة وإن مال الله لمسئول ومنطى» قال: فكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا.

ورواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة, حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري, حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا ابن جابر ... فذكر نحوه.

ورواه العباس بن الوليد بن مزيد, عن أبيه, عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بنحوه.

وجاء عن يونس بن عبد الأعلى: حدثنا ابن وهب, حدثني عاصم بن عبيد الله بن نعيم, عن أبيه, عن عروة بن محمد بن عطية السعدي, عن أبيه, عن جده: أنه قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من قومه من

ثقيف .. وذكر الحديث بنحوه.

ورواه حماد بن سلمة, عن رجاء أبي المقدام, عن إسماعيل بن عبيد الله, عن عطية – رجل من بني جشم بن سعد – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس, لا تسألوا فإن مال الله مسئول ومنطى».

وقال الباغندي الكبير محمد بن سليمان محمد بن الحارث: حدثنا أبو نعيم – يعني: ضرار بن صرد – حدثنا سعيد بن عبد الجبار الزبيدي الحمصي, عن منصور بن رجاء, عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر, عن عطية بن عمرو السعدي, عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسأل الناس شيئاً ومال الله مسئول ومنطى» قال: فكلمني بلغة قومي وهمز.

وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن الزهري, عن صفوان بن عبد الله, عن أم الدرداء, عن

كعب بن عاصم الأشعري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من ام بر أم صيام في ام سفر».

وهو في "معجم الطبراني" عن عبد الله بن أحمد, عن أبيه كذلك.

وكعب بن عاصم الأشعري من أصحاب السفينة في هجرتهم إلى الحبشة ثم منها إلى المدينة مع أبي موسى وأصحابه, وشهد فتح مصر، وتوفي بالشام, وهو من المقلين, له من الأحاديث دون العشرة: منها هذا الحديث, وهو على لغة حمير فإنهم والأشعريين منهم يقلبون اللام من أداة التعريف ميماً يقولون: هذا امرجل أي هذا الرجل, وهي لغة مشهورة باليمن وتسمى طمطمة حمير, ويحتمل – والله أعلم – أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك على لغة كعب بن عاصم الأشعري؛ ليخاطب كل قوم بما يعرفون, كما تقدم من كلامه؟.

وقد رواه على اللغة المشهورة الطبراني – أيضاً – فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, عن عبد الرزاق ولفظه: «ليس من البر الصيام في السفر».

تابعه يزيد بن زريع, عن معمر كذلك.

وخالف أصحاب معمر بن عبد الواحد بن زياد, فرواه عن معمر, عن الزهري, عن صفوان, عن أم الدرداء, قال: ولا أعلمه إلا عن أبي الدرداء, عن كعب.

وحدث به أحمد بن حنبل في "المسند": عن سفيان بن عيينة, عن الزهري, عن صفوان, عن أم الدرداء, عن كعب.

تابعه علي بن حرب الطائي والحميدي, عن سفيان, زاد الحميدي في آخره, فقال: قال سفيان: وذكر لي أن الزهري كان يقول فيه – ولم أسمعه أنا: «ليس من ام بر ام صيام في ام سفر» وهي لغة.

تابعهما محمد بن الوليد الزبيدي, وأبو سلمة محمد بن أبي حفصة – واسمه ميسرة – وإبراهيم ابن أبي عبلة, وإسحاق بن راشد, وإسماعيل بن مسلم, وداود ابن أبي هند, وزياد بن سعد, وسليمان بن كثير, وابن جريج, وعقيل بن خالد, والليث بن سعد, ومالك بن أنس, ومكحول الأزدي، والنعمان بن راشد, ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري دون زيادة الحميدي التي ذكرناها.

خالفهم قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المعافري المصري فيما رواه عبد الله بن وهب المصري عنه, عن الزهري, عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة, عن أم الدرداء عن كعب.

وقرة فيه لين.

$[تكلمه صلى الله عليه وسلم بالفارسية وغيرها]$

وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بالفارسية وغيرها من اللغات الأمم:

قال بكار بن قتيبة: حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير, حدثنا ذواد بن علبة الحارثي, عن الليث بن أبي سليم, عن مجاهد, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة اشكنب درد» قال: قلت: نعم يا رسول الله, قال: «قم فصل فإن في الصلاة شفاء» قال بكار: اشكنب درد؟: أتشتكي بطنك؟

هذا الحديث حدث به أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في "سننه": عن جعفر بن مسافر, عن السري بن مسكين, عن ذواد بن علبة بنحوه.

وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا أسود بن عامر, حدثنا ذواد أبو المنذر, عن ليث, عن مجاهد, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما هجرت إلا وجدت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي, قال فصلى ثم قال: «اشكنب درد؟» قال: قلت: لا, قال: «قم فصل فإن في الصلاة شفاء».

كذا وقع "قلت: لا" والمعروف في الحديث "قلت: نعم".

ورواه باللفظ المعروف أيضاً أبو نعيم الأصبهاني في "الطب" من حديث جبارة بن المغلس عن ذواد.

وله طرق مدارها على ذواد, ولا يحتج به.

وقد حدث به الصلت بن الحجاج, عن ليث – وهو ابن أبي سليم – فاتهم بسرقته من ذواد.

وقال أبو أحمد ابن عدي: حديث الصلت منكر. انتهى.

والحديث بذواد معروف, فمن حدث به عن غيره فقد سرقه, والله أعلم.

ولذواد بهذا الإسناد حديث آخر بمعناه متنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم يبنون حائطاً فقال: «بند بند لكسد».

وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لأبي الدرداء رضي الله عنه ولا يصح كالذي قبله.

وفي الأحاديث الصحيحة غنية عن ذلك, فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم بالفارسية في قصة جابر رضي الله عنه يوم الخندق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما دعاه جابر إلى ذلك الطعام: «يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سوراً فحي هلا بكم». الحديث.

"سور" - بالضم غير مهموز -: الطعام أو الضيافة بالفارسية.

وبوب على ذلك البخاري في "صحيحه".

وتكلم أيضاً بلسان الحبشة في قوله صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد رضي الله عنها لما كساها تلك الخميصة وأراها علمها: «هذا سنه سنه» وفي رواية: «سناه سناه», وفي رواية: «سنا سنا».

قال القاضي عياض: كلها بالفتح والشد إلا عند أبي ذر فإنه خفف.

قال القاضي أبو الحسين عبد الباقي بن قانع: حدثنا إبراهيم بن

هاشم, حدثنا عبد الرحمن بن صالح, حدثنا خالد بن سعيد بن العاص, عن أبيه, عن خالد بن سعيد وكان من مهاجرة الحبشة هو وأخوه عمرو بن سعيد فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاهم حين دنوا منه – وذلك بعد بدر بعام وجزعوا أن لا يكونوا شهدوا بدراً – فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ترضون أن يكون للناس هجرة ولكم هجرتان» ودخل خالد ومعه ابنته أم خالد وعليها قميص أصفر فراطنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبشية, فقال: «سنه سنه» أي: حسن حسن, وقال: «أبلي وتبقي».

روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا أعرب العرب».

خرجه الطبراني في "معجمه الكبير".

$[فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم وبلاغته]$

وجاء عن علي بن الحسين بن واقد: حدثنا أبي, عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه, عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله, مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: «كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل فحفظنيها».

خرجه الحاكم في "مستدركه".

وقال عباد بن العوام: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي, عن أبيه قال رجل: يا رسول الله, ما أفصحك, ما رأيت الذي هو أعرب منك! قال: «حق لي, وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين».

وقد كان صلى الله عليه وسلم من فصاحته وبيانه وقوة بلاغته بين أنصاره وأعوانه يسألونه عن معنى بعض كلامه فيجيب ويوضح لهم ما أشكل من الغريب.

قال عبد الله بن روح المدائني: أخبرنا شبابة بن سوار,, حدثنا الحسام ابن مصك, عن عبد الله بن بريدة, عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفصح الناس, كان يتكلم بالكلام لا يدرون ما هو حتى يخبرهم.

وقال القاسم بن ثابت في "الدلائل": حدثنا علي بن عبدك, حدثنا العباس بن عيسى, حدثنا يعقوب بن عبد الوهاب الزبيري, حدثني محمد بن عبد الرحمن الزهري, عن أبيه, عن جده, قال: قال رجل من بني سليم للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله, الرجل يدالك أهله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم إذا كان ملفجاً» قال: فقال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله, ما قال لك, وما قلت له؟ قال: «قال لي: الرجل يماطل أهله»؟ قال: «فقلت: نعم إذا كان مفلساً» قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله, لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك, فمن أدبك؟ قال: «أدبني ربي, ونشأت في بني سعد».

وقال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتابه

 

#37#

"الحكم والأمثال" في ترجمة قوله صلى الله عليه وسلم: «مات حتف أنفه» قال: وقد روي عن علي رضي الله عنه نحو هذا, أخبرنا به ابن دريد, حدثنا عبد الأول بن مريد – بإسناد له – قال: قال علي رضي الله عنه ما سمعت كلمة غريبة من العرب إلا وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعته يقول: «مات حتف أنفه» وما سمعتها من عربي قبله.

وحدث محمد بن إسحاق, عن محمد بن إبراهيم التيمي, عن محمد بن عبد الله بن عتيك, عن أبيه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جاهد في سبيل الله, وأين المجاهدون؟» وأشار بيده يقللهم «فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله, أو لدغته حية, أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله» والله ما سمعت هذه الكلمة من أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو قتل بعصا فقد استوجب المآب».

رواه جرير, عن ابن إسحاق.

ورواه أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني, والمعافى بن سليمان الجزري الرسعني, عن محمد بن سلمة, عن ابن إسحاق بنحوه.

ورواه أبو بكر ابن أبي خيثمة في "تاريخه" فقال: حدثنا أبي, حدثنا

 

#38#

يزيد بن هارون, أخبرنا محمد بن إسحاق, عن محمد بن إبراهيم, عن محمد بن عبد الله بن عتيك, عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات حتف أنفه» والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقد وقع أجره على الله».

وروي عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير, عن أبيه, عن جبير بن نفير, عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله» قالوا: يا رسول الله, وما عسله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه».

خرجه أبو محمد دعلج في "مسند المقلين": من حديث عبد الله بن يحيى.

وخرجه أيضاً من حديث موسى بن عبد الرحمن المسروقي, حدثنا زيد بن الحباب, عن معاوية بن صالح, حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي, عن أبيه أنه سمع عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه (أنه) سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله» قيل: وما عسله, قال: «يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله وجيرانه».

 

#39#

تابعه عبد بن حميد فحدث به في "مسنده": عن زيد بن حباب العكلي وهو في "مكارم الأخلاق" للخرائطي: حدث به عن حميد بن الربيع الخزاز, حدثنا زيد بن الحباب .... فذكره, ولفظه: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله» قيل وما عسله؟ قال: «يحببه إلى جيرانه».

وحدث بنحوه عباس بن محمد الدوري، وقال عباس الدوري في "تاريخ يحيى بن معين" الذي ألفه: سمعت يحيى بن معين يقول: قال ابن مهدي، وقال أهل مصر في حديث معاوية بن صالح: «إذا أراد الله بعبد خيرا غسله»، لم يقولوا: «عسله».

قلت: الرواية بالمهملة وما سواه تصحيف, والله أعلم.

وخرج الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث أبي تقي هشام بن عبد الملك الحمصي, حدثنا بقية بن الوليد, حدثني محمد بن زياد الألهاني, عن أبي أمامة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله» قيل: يا رسول الله وما عسله؟ قال: «يفتح الله له عملاً صالحاً ثم يقبضه عليه».

وقال أحمد بن عمير بن جوصا: حدثنا عمرو بن عثمان, وكتب ابن عبيد وابن حنان – يعني: محمد بن عمرو – وقالوا: حدثنا بقية بن الوليد, عن محمد بن زياد, عن أبي عنبة الخولاني, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا

 

#40#

أراد الله بعبد خيراً عسله» الحديث بنحوه.

أبو عنبة مختلف في صحبته, أدرك الجاهلية والإسلام, قيل: اسمه عبد الله.

 

#41#

$[عود إلى شرح حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه]$

*قال هند: "دمثاً ليس بالجافي ولا المهين":

فقوله: "دمثاً" أي لين الخلق سهله حسنه, وفسره بقوله: "ليس بالجافي ولا المهين".

و"الجافي": المعرض المتباعد عن الناس, وأصله من الجفاء وهو ترك الصلة والبر, وقيل: الجافي: الغليظ الخلقة والطبع. وقد جفا أصحابه يجفوهم إذا قاطعهم, أو خشن عليهم.

و"المهين" يروى بفتح الميم وهو المشهور وبضمها, وبالفتح: من المهانة وهي الحقارة والصغر, وبالضم: من الإهانة والإذلال والإطراح, أي لا يهين أحداً من أصحابه, أو من الناس.

وقال أبو بكر محمد بن هارون الروياني في تفسير: "ليس بالجافي ولا المهين" قال: لا يجفو الناس, ولا يهينهم.

 

#42#

وفي حديث علي رضي الله عنه قال: كان أجود الناس صدراً, وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وثبت أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً.

وحسن الخلق لفظ جامع للخصال الحميدة والآداب الشريفة, وكلها بكمالها كانت خلق نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

وروي من طرق عن عائشة رضي الله عنها قالت عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان خلقه القرآن, يرضى برضاه ويسخط بسخطه.

وخرج مسلم في "صحيحه": عن سعد بن هشام بن عامر الأنصاري, عن عائشة رضي الله عنها أنه قال لها: يا أمير المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى, قالت: فإن خلف نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن ... الحديث.

وخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: "لم يخرجاه" فوهم.

 

#43#

وخرجه أبو داود والنسائي في "سننهما".

وعن جبير بن نفير قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: القرآن.

خرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم".

وهو في "سنن النسائي" لجبير بن نفير مطول.

وقال أبو الشيخ في الكتاب: حدثنا عمرو بن نصير بن ثابت, حدثنا حميد بن مسعدة, حدثنا جعفر بن سليمان, حدثنا أبو عمران الجوني, عن يزيد بن بابنوس قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين, ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن, ثم قالت أتقرءون سورة المؤمنين؟ قلنا: نعم, قالت: أقرأه, فقرأت: {قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هم للزكاة فاعلون . والذين هم لفروجهم حافظون} حتى بلغ {والذين هم على صلواتهم يحافظون} فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

#44#

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» رواه سعيد بن منصور, حدثنا عبد العزيز بن محمد, عن محمد بن عجلان, عن القعقاع بن حكيم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».

ورواه مصعب, عن عبد العزيز.

قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي: حديث غريب من حديث أبي عبد الله محمد بن عجلان المدني, لا نحفظه إلا من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عنه.

قلت: تابعه يحيى بن أيوب, فقال: حدثني محمد بن عجلان, وذكر مثله, وهو في "مسند أحمد" وفي "مستدرك الحاكم", وقال: صحيح على شرط مسلم, وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بعض أخلاقه الشريفة في هذا الحديث – حديث هند رضي الله عنه وما يندرج فيه من ذلك في شواهده.

 

#45#

*قال هند: "يعظم النعمة وإن دقت":

أي: لا يستصغر ما أوتيه وإن كان صغيراً.

وحدث الشعبي عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أعندك شيء»؟ فقلت: لا, إلا خبز يابس وخل, فقال: «يا أم هانئ ما أفقر بيت من أدم فيه خل».

وفي معناه ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أهدي إلي ذراع لقبلت, ولو دعيت إلى كراع لأجبت».

 

#46#

*قال هند: "لا يذم شيئاً غير أنه لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه":

وفي حديث علي رضي الله عنه: "كان لا يذم ذواقاً ولا يمدحه".

"الذواق" – بالفتح – من قولهم: ما ذقت ذواقاً – بالفتح – أي شيئاً, والذواق: الذوق, يقال: ذاق الشيء ذوقاً: تعرف طعمه.

وقول هند هذا موافق لما في "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط, إن اشتهاه أكله وإلا تركه.

وفيه أيضاً من حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب أحرام هو؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لا, ولكنه طعام ليس في قومي فأجدني أعافه».

وفي "مسند أحمد بن حنبل" من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً بعث فضله إلى أبي أيوب, فأتي يوماً بقصعة فيها ثوم فبعث بها, فقال: يا رسول الله, أحرام هو؟ قال: «لا ولكن أكره ريحه» قال: فإني أكره ما تكره.

وقول هند: "لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه" فسره أبو بكر محمد بن هارون الروياني فقال: يريد أنه كان لا يصف الطعام بطيب ولا فساد إن كان فيه.

 

#47#

قلت: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ولا يمدحه" إذا قربه إلى ضيف ونحوه, وإلا فقد سأل صلى الله عليه وسلم أهله الأدم, فقالوا: ما عندنا إلا خل, فجعل يأكل منه ويقول: «نعم الأدم الخل» قاله جبراً لقلب أهله حين قربوا الخل إليه.

وقد صح من رواية أبي موسى الأشعري, وأنس بن مالك رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».

وورد مدحه صلى الله عليه وسلم للأشياء مما تذاق كاللبن والعسل والتمر واللحم تنبيهاً على فضل ذلك, والله أعلم.

*قال هند: "لا تغضبه الدنيا وما كان لها, فإذا تعدي الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له, لا يغضب لنفسه, ولا ينتصر لها":

شواهد هذا كثيرة, منها: ما صح عن مالك, عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة, نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته, ثم قال: يا محمد, مر لي من مال الله

 

#48#

الذي عندك, فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء.

وفي رواية ثابتة أيضاً عن همام, عن إسحاق بن عبد الله, عن أنس قال: فجاذبه حتى انشق البرد وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عكرمة بن عمار, عن إسحاق بنحوه, وعنده قال: ثم جبذه إليه – يعني: الأعرابي – جبذة, رجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي.

وفي بعض طرقه عن أنس رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا محمد, احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك, فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك, فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده», ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي؟» قال: لا, قال: «لم؟» قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر.

 

#49#

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله, وما ضرب بيده شيء قط إلا أن يجاهد في سبيل الله, وما ضرب خادماً ولا امرأة.

وخرج أبو الشيخ الأصبهاني في "أخلاق النبي صلىالله عليه وسلم ": من حديث علي بن زيد بن جدعان, عن سعيد بن المسيب, عن أنس رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين فما سبني سبة قط, ولا ضربني ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي, ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه, فإن عاتبني أحد من أهله قال: «دعوه, فلو قدر شيء كان»,

وقال كثير بن هشام: حدثنا جعفر, حدثنا عمران القصير, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين .... الحديث بنحوه.

ذكره أبو الفداء إسماعيل بن كثير – رحمه الله وإيانا – في كتابه "جامع المسانيد والسنن" في ترجمة عمران, عن أنس ثم قال: تفرد به.

وليس كذلك بل تابعه عليه سعيد بن المسيب كما قدمناه وغيره.

 

#50#

وقال أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "مكارم الأخلاق": حدثنا نصر بن داود, حدثنا محمد بن بكار, حدثني أبو المليح الرقي, حدثني فرات بن سلمان, عن أنس رضي الله عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثماني سنين فما لامني على شيء يوماً يتوي على يدي, فإن لامني لائم, قال: «دعوه فإنه لو قضي شيء لكان».

وخرج – أيضاً – من حديث بدل بن المحبر: حدثنا عبد السلام – وهو ابن عجلان – سمعت ثابتاً البناني, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط: ألا فعلت هذا, ولم فعلت هذا؟

قال ثابت: فقلت: يا أبا حمزة, إنه كما قال الله عز وجل: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

وقال: حدثنا علي بن حرب, حدثنا أبو مسعود, عن معمر, عن ثابت, عن أنس قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما سبني سبة قط, ولا قال لي أف, ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته, ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته.

ورواه يونس بن محمد المؤدب, حدثنا سلام بن مسكين, سمعت ثابتاً, سمعت أنساً ... فذكره بنحوه.

 

#51#

وهو عند يزيد بن هارون, عن حميد, عن أنس بنحوه, وفي أوله قصة.

وله طرق غير ما ذكرنا: منها ما قال مسلم في "صحيحه": حدثني أبو معن الرقاشي – زيد بن يزيد – حدثنا عمر بن يونس, حدثنا عكرمة – وهو ابن عمار – قال: قال إسحاق: قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً فأرسلني يوماً لحاجة, فقلت: والله لا أذهب, وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت حتى أمر على صبيان [هم] يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك, فقال: «يا أنيس, ذهبت حيث أمرتك», قال: قلت: نعم, أنا أذهب يا رسول الله, قال [أنس]: والله لقد خدمته صلى الله عليه وسلم تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا, أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا.

وخرج أبو العباس الدغولي في كتاب "الآداب": عن أنس رضي الله عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين, وليس كل أمري ما يشتهي صاحبي ما قال لي: أف ولا تف, ولا قال: ما لك فعلت وما لك لم تفعل هذا.

وخرج أبو بكر ابن أبي عاصم في كتاب "السنة" عن أنس رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعلمه عاب علي شيئاً قط.

 

#52#

وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة, سمعت أبا إسرائيل, سمعت جعدة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئ إلى بطنه بيده ويقول: «لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك».

قال: وأتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقالوا: هذا أراد أن يقتلك, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لم ترع, ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي».

جعدة هو ابن خالد بن الصمة الجشمي مولى أبي إسرائيل.

وروى هذا الحديث عبيد الله بن معاذ: حدثني أبي, عن شعبة بنحوه.

وخرج الإمام أحمد أيضاً من حديث الأعمش, عن يزيد بن حيان, عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود, قال: فاشتكي لذلك أياماً فجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا, فأرسل إليها من يجيء بها, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فاستخرجها فجاء بها فحللها, قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال, قال: فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى مات.

وهو في "مسند أبي محمد عبد بن حميد", قال: حدثني أحمد بن

 

#53#

يونس, حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن يزيد بن حيان, عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود, قال: فاشتكى فأتاه جبريل عليه السلام فنزل عليه بالمعوذتين, وقال: إن رجلاً من اليهود سحرك, والسحر في بئر فلان, قال: فأرسل علياً رضي الله عنه فجاء به قال: فأمره أن يحل العقد, ويقرأ آية, قال: فجعل يقرأ ويحل حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أنشط من عقال, قال: فما ذكر رسول الله صلىالله عليه وسلم  لذلك اليهودي شيئاً مما صنع به, ولا رآه في وجهه.

وجاء عن زيد بن أرقم بلفظ آخر:

قال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا موسى بن مسعود, حدثنا سفيان الثوري, عن الأعمش, عن ثمامة المحلمي, عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: عقد رجل من الأنصار – يعني: للنبي صلىالله عليه وسلم  – عقداً, وكان يأمنه ورمى به في بئر كذا وكذا, فجاء الملكان يعودانه فقال أحدهما لصاحبه: تدري ما عقد له فلان الأنصاري, ورمى به في بئر كذا وكذا, ولو أخرجه لعوفي, فبعثوا إلى البئر فوجدوا الماء قد اخضر (فأخرجوه فرموا به) فعوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما حدث به ولا رؤي في وجهه.

وقال أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه "الأخلاق الشريفة النبوية": حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن, حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب, حدثنا أبو عوانة, عن أبي بشر, عن سليمان بن قيس,

 

#54#

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة, قال: فرأوا من المسلمين غرة, فجاء رجل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف, فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله» قال: فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف, فقال: «من يمنعك مني؟», فقال: كن خير آخذ قدر, قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟), قال: لا, غير أني لا أقاتلك, ولا أكون معك, ولا أكون مع قوم يقاتلونك, فخلى سبيله فجاء أصحابه, فقال: جئتكم من عند خير الناس.

أصل هذا مخرج في "الصحيحين", ولهذا علة قال البخاري في

 

#55#

"التاريخ": وروى أبو بشر, وقتادة, والجعد أبو عثمان, عن كتاب سليمان, ومات سليمان قبل جابر بن عبد الله.

 

#56#

*قال هند: "إذا أشار أشار بكفه كلها, وإذا تعجب قلبها, وإذا تحدث اتصل بها, وضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى":

هكذا في روايتنا من طريق أبي عيسى الترمذي.

وكذلك رواه أبو عبد الله محمد بن محمد بن جعفر الماليني, عن أبي علي أحمد بن محمد بن رزين, عن سفيان بن وكيع شيخ أبي عيسى.

وساقه القاضي عياض: من حديث موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين, عن آبائه, فقال في هذه اللفظة: "وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى".

ومعنى قوله "وإذا تحدث اتصل بها": أنه صلى الله عليه وسلم كان يشير بكفه إلى حديثه وما بعده يفسره.

*قال هند: "وإذا غضب أعرض وأشاح":

وفي رواية ابن عباس عن هند: وإذا خولف أعرض وأشاح: أي صرف وجهه صيانة له عما غصب منه, وقيل: مال وانقبض, وقيل: أشاح بالغ في الإعراض وجد فيه, والمشيح المبالغ في كل أمر, وأشاح لها معان: جد وبالغ, وعزم، وحاد وصدي, وإعراض النبي

 

#57#

صلى الله عليه وسلم حين غضبه وكراهيته للأمر أحد حالاته في الغضب.

وخرج أبو الشيخ ابن حيان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته. وقد قدمناه.

 

#58#

وقال الزاهد أبو بكر محمد بن أبي إسحاق الكلاباذي في كتابه "المعاني": حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الفقيه, حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن علي, حدثنا أبو سفيان الغنوي, حدثنا أحمد بن الحارث, حدثتني أمي أم الأزهر, عن سدرة مولاة ابن عامر قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: إن النبي صلىلمله عليه و     كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته وتنفس صعداء, وقال: «حسبي الله ونعم الوكيل» فيعرف بذلك شدة غمه.

وخرجه القاسم بن ثابت في "الدلائل", فقال: وحدثونا عن أبي سفيان الغنوي .... فذكره بنحوه.

وجاء من طريق (سهل) مولى المغيرة بن أبي الغيث, عن ابن شهاب, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اهتم

 

#59#

أدخل يده في لحيته.

وخرجه أبو نعيم في كتاب "الطب": من حديث سعيد بن أبي مريم: حدثنا رشدين بن سعد, حدثني عقيل, عن ابن شهاب, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى اللهعليه وسلم  كان إذا اهتم أكثر من مس لحيته ما أدري يقبض عليها أو يخللها.

وقال القاسم بن ثابت في "الدلائل": حدثنا عبد الله بن علي, حدثنا محمد بن يحيى, حدثنا سعيد بن أبي مريم, أخبرنا رشدين, أخبرنا عقيل بن خالد, عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير, عن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبر سعد بن معاذ وإن الدموع تجري على وجنته وهو قابض على لحيته.

وتقدم قول هند: "بينهما عرق يدره الغضب", وحديث أم سلمة رضي الله عنها كان إذا غضب احمر وجهه.

وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد بن عمر, حدثنا الثوري, عن جابر, عن عامر, عن عبد الله بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه جوامع من التوراة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: مررت على حبر بني قريظة فكتبت جوامع من التوراة أعرضها عليك يا رسول الله, فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قبح الله

 

#60#

عملك أما ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عمر: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً, فسري [عن] النبي صلى الله عليه وسلم, وقال: «والذي نفس محمد بيده, لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم لأنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من الأنبياء».

*قال هند: "وإذا فرح غض طرفه":

وهذه علامة لرضاه؟, وغض الطرف عند الفرح دليل على نفي البطر والأشر.

وقد صح عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر.

وفي بعض ألفاظه: إذا سره الأمر استنار وجهه كأنه دارة القمر.

 

#61#

وفي "الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه.

الأسارير: خطوط الجبهة, وهو جمع الجمع الذي هو أسرار، واحدها سر وسرر.

وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم: حدثنا أبو الحكم يزيد بن عياش [بن الحكم بن يزيد بن عياض] حدثني جدي, عن أبيه، عن الزهري, عن سالم [عن أ] بن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف رضاه وغضبه بوجهه, كان إذا رضي فكأنما تلاحك الجدر وجهه .... وذكر الحديث.

قال ابن أبي عاصم: سمعت أبا الحكم الليثي يقول: هي – يعني: "تلاحك الجدر" – المرأة توضع في الشمس فيرى ضوؤها على الجدار.

*وقال هند: "جل ضحكه التبسم":

التبسم: ضحك ليس بالشديد, وقيل هو أقل الضحك وأدناه.

خرج الترمذي في "جامعه" من حديث الليث بن سعد, عن يزيد بن أبي حبيب, عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه قال: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسماً.

وقال: هذا حديث صحيح غريب.

وخرجه أيضاً في "جامعه" و "الشمائل", والإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث جابر بن سمرة قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: وكان لا يضحك إلا تبسماً.

وصح عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم.

وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مستجمعاً ضحكاً حتى أرى لهواته, إنما كان يتبسم.

قولها: "لهواته" جمع لهاة بفتح اللام, ولم يذكر ابن فارس في "مجمله" في جمع لهاة سوى لهى.

و"اللهاة" اللحمة المشرفة على الحلق, وذكر الأصمعي أنها لحمة حمراء معلقة في أعلى الحنك على عكرة اللسان, وقيل اللهاة أقصى الفم.

وقول عائشة: "حتى أرى لهواته" وإنما هي لهاة واحدة هو من مجاز المجاورة, كأنها أطلقت اللهوات على اللهاة وما حولها كقولهم: مذاكير لما يلي الذكر, والله أعلم.

وقد قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "الوفا": ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على التبسم.

قلت: قد صح ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المجامع أهله في نهار رمضان, قال في آخره: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.

وفي لفظ في "الصحيح" أيضاً: قد بدت أنيابه.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض خبزة واحدة يتكفؤها الجبار عز وجل بيده كما تكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة» فأتاه رجل من اليهود, فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: «بلى» قال: تكون

الأرض خبزة واحدة, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه .... الحديث.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً: رجل يخرج من النار حبواً) ... وذكر الحديث, وفيه قال: «إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا, فيقول: أتسخر بي, أو أتضحك مني وأنت الملك» قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.

والأحاديث في ذلك كثيرة, والجمهور على أن المراد بالنواجذ هنا: الأنياب, وقيل: الضواحك, وقيل: الأضراس, وهذا على الخلاف في النواجذ لغة, فالناجذ السن بين الضرس, والناب أواخر الأضراس وهو ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل وللإنسان أربعة نواجذ, وقيل: الأضراس كلها نواجذ, واستدلوا بقول الشماخ:

نواجذهن كالحداء الوقيع

وقال أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتابه "المجالسة": حدثنا أحمد بن داود, عن أبي زيد قال: للإنسان أربع ثنايا وأربع رباعيات, الواحدة رباعية مخففة, وأربعة أنياب وأربع ضواحك, واثنا عشر رحى ثلاث في كل شق, وأربعة نواجذ وهي أقصاها.

وقد قيل: التبسم هو أول الضحك, وآخره بدو النواجذ, وقيل: يكون معه القهقهة, وعلى كل حال من الأقوال إن بدو النواجذ في

الضحك زيادة على التبسم, وكان هذا نهاية ضحكه صلى الله عليه وسلم ولم يكن بقهقهة.

وحدث حارثة بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري – وتكلم فيه – عن جدته عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة, سألت عائشة رضي الله عنها كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا بنسائه؟ قالت: كان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان أكرم الناس, وأحسن الناس خلقاً, وكان ضاحكاً بساماً.

رواه أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي, فقال: حدثنا محمد بن خليل المخرمي, حدثنا أبو بدر, عن حارثة بن محمد ... فذكره بنحوه.

تابعة يعلى بن عبيد, عن حارثة, وأبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني.

قال الخطيب البغدادي: هذا حديث غريب من حديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية, عن عائشة أم المؤمنين, لا أعلم رواه عنها إلا ابن ابنها حارثة بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن.

وخرج الطبراني في "معجمه الكبير": من حديث يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر, عن علي بن يزيد, عن القاسم, عن أبي أمامة

رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أضحك الناس وأطيبه نفساً.

وحدث به ابن أبي الدنيا في كتابه "مداراة الناس": عن محمد بن سهل التميمي, عن سعيد بن أبي مريم, عن يحيى بن أيوب به, وفي لفظه: من أضحك الناس وأطيبهم نفساً.

وقال في الكتاب المذكور أيضاً: حدثنا علي بن حرب الطائي, حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن ابن لهيعة, عن عمارة بن غزية, عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس.

$[مطلب فيما يفعله نساء الزمان إذا اجتمعن بلطخ وجوههن بالعدس المطحون، له أصل كما تراه مروياً عن عائشة رضي الله عنها  ]$

وقال أيضاً: حدثنا المؤمل بن هشام, حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, عن محمد بن عمرو, عن يحيى بن عبد الرحمن, قال: قالت عائشة رضي الله عنها دخلت على سودة بنت زمعة فجلست ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها وقد صنعت خزيرة فجئت بها فقلت: كلي, فقالت: ما أنا بذائقتها, قالت: قلت: والله لتأكلين منها أو لألطخن منها بوجهك, قالت: ما أنا بذائقتها, فتناولت منها شيئاً فمسحت بوجهها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك وهو بيني وبينها, فتناولت منها شيئاً لتمسح بها وجهي, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفض عنها ركبته – وهو يضحك – لتستقيد مني فأخذت شيئاً فمسحت به وجهي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.

وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة, حدثنا وكيع, عن زمعة بن صالح, عن الزهري, عن وهب بن عبد بن زمعة, عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: خرج أبو بكر رضي الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام, وخرج معه نعيمان وسويبط بن حرملة وكانا شهدا بدراً وكان نعيمان على الزاد فقال له سويبط – وكان رجلاً مزاحاً -: أطعمني. قال: حتى يجيء أبو بكر. قال: أما إني لأغيظنك.

قال: فمروا بقوم فقال لهم سويبط: تشترون مني عبداً لي؟ قالوا: نعم, قال: فإنه عبد وله كلام, وهو قائل لكم: إني حر, فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي. قالوا: بل نشتريه منك. قال: فاشتروه بعشرة قلائص. قال: فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة (وحبلاً), فقال نعيمان: [إن هذا] يستهزئ بكم وإني حر لست بعبد. قالوا: قد أخبرنا بخبرك. قال: فانطلقوا به فجاء أبو بكر فأخبروه فاتبعهم فرد عليهم القلائص وأخذه, فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه فضحك النبي صلى الله عليه وسلم منهما هو وأصحابه حولاً.

وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذه الضحك

 

#68#

وضع يده على فيه.

وأما ما قال أبو الشيخ ابن حيان: أخبرنا أحمد بن موسى الأنصاري, أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي, أخبرنا عبد الله بن صالح, أخبرنا الليث, حدثني جرير بن حازم, عن الحسن – يعني: ابن عمارة – عن سلمة بن كهيل, عن عبد الرحمن هو ابن شبابة, سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أتاني ثلاثة نفر يختصمون في غلام من امرأة وقعوا عليها جميعاً في طهر واحد كلهم يدعي أنه ابنه, فأقرعت بينهم فألحقته بالذي أصابته القرعة, ونصيبه لصاحبيه ثلثاً دية الحر فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فضحك حتى ضرب برجليه الأرض, ثم قال: «حكمت فيهم بحكم الله تعالى» أو قال: «لقد رضي الله عز وجل حكمك فيهم» فهذا حديث لا يعتد به.

والحسن بن عمارة بن مضرب الكوفي رماه شعبة بالكذب والوضع.

وقال الحافظ زكريا الساجي: أجمعوا على ترك حديثه.

وخرج نحو هذه القصة أبو داود في "سننه" فقال: حدثنا خشيش بن

 

#69#

أصرم, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا الثوري, عن صالح الهمداني, عن الشعبي, عن عبد خير, عن زيد بن أرقم قال: أتى علي رضي الله عنه بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد, فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا, حتى سألهم جميعاً فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا, فقرع بينهم فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة وجعل عليه ثلثي الدية, قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه.

وقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ, حدثنا شعبة, عن سلمة, سمع الشعبي, عن الخليل أو ابن الخليل قال: أتي علي بن أبي طالب رضي الله في امرأة ولدت من ثلاثة ... نحوه, لم يذكر اليمن ولا النبي صلى الله عليه وسلم ولا قوله: طيباً بالولد.

وقد ذكره الشافعي من بلاغاته, عن شعبة, عن سلمة بن كهيل, سمعت الشعبي يحدث عن أبي الخليل أو ابن الخليل: إن ثلاثة نفر اشتركوا .... وذكر الحديث بنحوه, فقد تختلف في إسناده ورفعه.

وخرجه الحاكم أبو عبد الله في "مستدركه" ولم يذكر اللفظة المنكرة التي في حديث الحسن بن عمارة: "فضحك حتى ضرب برجليه الأرض".

وقال الحاكم: أخبرني علي بن محمد بن دحيم الشيباني, حدثنا أحمد بن حازم الغفاري, حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي, حدثنا

 

#70#

الأجلح, عن الشعبي, عن عبد الله بن الخليل, عن زيد بن أرقم: أن علياً رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فارتفع إليه ثلاثة يتنازعون ولداً, كل واحد يزعم أنه ابنه, قال: فخلا باثنين فقال: أتطيبان نفساً لهذا الباقي بالولد؟ قالا: لا, وخلا باثنين فقال لهما مثل ذلك, فقالا: لا, فقال: أراكم شركاء متشاكسين وأنا مقرع بينكم, فأقرع بينهم فجعله لأحدهم وأغرمه ثلثي الدية للباقين, قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه.

قال الحاكم عقب هذا: قد أعرض الشيخان رضي الله عنهما عن الأجلح بن عبد الله الكندي أصلاً, وليس في رواياته بالمتروك, فإن الذي ينقم عليه به مذهبه.

قلت: مذهبه شيعي معدود في شيعة الكوفة يقال اسمه يحيى فيما ذكره البخاري في "تاريخه الكبير" والأجلح لقب وكنيته أبو حجبة, روى عنه الثوري وابن المبارك وغيرهما.

ورواه يحيى بن سعيد القطان, عن الأجلح متابعة لأبي غسان النهدي, خرجه أبو داود, عن مسدد, حدثنا يحيى .. فذكره.

 

#71#

*وقال هند: "ويفتر عن مثل حب الغمام":

وفي رواية ابن عباس عن هند: "ويتبسم" مكان "ويفتر" وهما بمعنى واحد, أفتر الرجل تبسم حكاه الزبيدي في "مختصر العين" وأصله من فررت عن سن الدابة فراً إذا كشفت شفتها لتعرف مقدار سنها. وفي "غريب المصنف" لأبي عبيد عن بعضهم: الافترار الضحك الحسن.

وحب الغمام هو البرد. وورد: يفتر عن مثل سنا البرق, والسنا – بالقصر ضوء البرق. وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه, وأنه كان أشنب الأسنان. وفي حديث أم معبد: "وإن تكلم سما وعلاه البهاء".

*قال الحسن رضوان الله عليه: فكتمتها الحسين بن علي رضي الله عنهما زماناً: يعني: الصفات الشريفة التي ذكرها له هند رضي الله عنه.

*قال: ثم حدثته فوجدته قد سبقني فسأله عما سألت عنه, ووجدته قد سأل أباه عن مدخله صلى الله عليه وسلم ومخرجه – وفي رواية: ومجلسه وشكله – فلم يدع منه شيئاً.

المراد بشكله هنا سيرته وطريقته – ذكره بعضهم – و"الشكل": المثل يقال: فلان شكل فلان أي مثله في حالاته قال الله تعالى: {وءاخر من شكله أزواج}.

 

#72#

$[حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نعت النبي صلى الله عليه وسلم]$

*قال الحسن: قال الحسين: فسألت أبي رضي الله عنهم عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك".

هذا أول حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي رواه عنه ولده الحسين رضي الله عنهما وعنده انتهى وصف هند رضي الله عنه.

لكن الحديث كله يعرف بهذا, ولهذا والله أعلم وهم فيه من وهم من نسبة كلام علي رضي الله عنه إلى هند رضي الله عنه على ما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى.

وغفل عنه أبو القاسم ابن عساكر فلم يذكره في "الأطراف" في حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

واستدركه الحافظ أبو الحجاج المزي فذكره في جملة أحاديث الحسين عن أبيه رضي الله عنهما فأجاد, والله أعلم.

*وقول علي رضي الله عنه "مأذوناً له":

يحتمل أن دخوله صلى الله عليه وسلم كان بإذن ربه عز وجل كما كانت أحواله كلها لله عز وجل

 

#73#

وبأمر الله عز وجل ويحتمل أنه كان يستأذن في دخوله فيؤذن له فيدخل, والله أعلم.

*قال علي: رضي الله عنه: "وكان إذا أوى إلى منزله":

يقال: أوى الإنسان إلى منزله – بالقصر – يأوي أوياً: رجع, وحكي: يأوي إواء, وأويته أنا بالمد أويه إيواء, وهذا هو الأفصح فيها, وبه جاء القرآن وحكي في كل منهما اللغتان.

*قال علي رضي الله عنه: "جزأ دخوله ثلاثة أجزاء":

أي قسمه ثلاثة أقسام بحيث إنه صلى الله عليه وسلم لم ير فارغاً في بيته.

وقال أبو الحسين محمد بن أحمد بن شمعون: حدثنا أبو بكر المطري – يعني: محمد بن جعفر – حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد, حدثنا بشر بن مهران, حدثنا محمد بن دينار, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رفع للنبي صلى الله عليه وسلم قط غداء لعشاء ولا عشاء قط لغداء, ولا اتخذ من شيء زوجين ولا قميصين ولا رداءين ولا إزارين ولا من النعال ولا رؤي قط فارغاً في بيته إما يخصف نعلاً لرجل مسكين أو يخيط ثوباً لأرملة.

 

#74#

وقال الإمام أحمد في كتابه "الزهد": حدثنا يعمر بن بشر, حدثنا عبد الله بن المبارك, أخبرنا الحجاج بن فرافصة, عن عقيل, عن ابن شهاب: أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل عمل البيت وأكثر ما يعمل الخياطة.

*قال علي رضي الله عنه: "جزء لله, وجزء لأهله, وجزء لنفسه":

فجزء الله عز وجل يخلو فيه بمناجاة الله وعبادته من صلاة أو تلاوة أو ذكر أو استغفار أو تفكر وما أشبه ذلك من أنواع العبادات, وإلا فقد كانت أوقاته كلها لله ومعمورة بذكر الله تعالى وأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم وإن كان منها دنيوي فهي ملتحقة بالأخروية التي هي لله عز وجل, صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.

وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا يعقوب, حدثنا أبي, عن ابن إسحاق, حدثني محمد بن عمرو بن عطار, عن نعيم المجمر, عن ربيعة بن كعب رضي الله عنه قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فما أزال أسمعه يقول: «سبحان الله, سبحان الله وبحمده» حتى أمل فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد .... الحديث.

 

#75#

ربيعة بن كعب هو ابن مالك الأسلمي أبو فراس, وسيأتي – إن شاء الله تعالى – ذكره في خدام النبي صلى الله عليه وسلم الأحرار.

وأما جزء أهله فهو الوقت الذي يصحبهن فيه ويعاشرهن ويعمل مصالحهن الأخروية والدنيوية, فكان صلى الله عليه وسلم هاديهن ومعلمهن ومؤدبهن وقائماً بحقوقهن مما يحتجن إليه حتى كان يدخر لهن نفقة سنة, صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.

قال أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي: سألت نعيم بن حماد قلت: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يشبع من خبز بر مرتين, وجاء عنه أنه كان يعد لأهله قوت سنتهم كيف هذا؟ قال: كان يعد لأهله قوت سنة فتنزل به النازلة فيقسمه فيبقى بلا شيء.

وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهونة عند رجل من يهود على ثلاثين صاعاً من شعير أخذها رزقاً لعياله.

 

#76#

وكان صلى الله عليه وسلم يقسم لكل من نسائه يومها وليلتها خلا ملك اليمين, وتارة يطوف على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار, وهن إحدى عشرة, كما رواه هشام الدستوائي, عن قتادة, عن أنس.

وروى سعيد, عن قتادة, عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة.

وجمع بين هذا الحديث والذي قبله ابن حبان في "صحيحه" بأن أنساً حكى ذلك الفعل منه صلى الله عليه وسلم في أول قدومه المدينة حيث كان تحته إحدى عشرة نسوة, وخبر سعيد أنه حكاه أنس في آخر قدومه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأن هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم كان مراراً كثيرة لا مرة واحدة.

 

#77#

وهذا غلط من ابن حبان رحمه الله تعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده إحدى عشرة زوجة في وقت قط, بل وجه الجمع والله أعلم أن قوله "إحدى عشرة" بالتسع اللاتي توفي عنهن وريحانه ومارية سريتيه, وأن قوله: "وله يومئذ تسع نسوة" أراد به الزوجات فقط, والله أعلم.

وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين.

وقال صفوان بن سليم: أعطي قوة أربعين رجلاً في الجماع.

وكذا روي عن معمر, عن ابن طاووس, عن أبيه.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث سويد بن عبد العزيز, عن المغيرة بن قيس, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت قوة أربعين في البطش والنكاح ... » الحديث.

وقال الزبير بن بكار في كتابه "ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم": حدثني محمد بن حسن، عن حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن صفوان بن سليم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيني جبريل عليه السلام بقدر فأكلت

 

#78

منها فأعطيت الكفيت وقاع أربعين رجلاً»

وقال: حدثني محمد بن حسن, عن مالك بن أنس, عن رجل من آل أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي من الجماع ما شاء الله تعالى فلما كانت الليلة التي أعطي فيها ما أعطي طاف على سائه, فكلما فرغ من امرأة اغتسل .... الحديث.

وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه بغسل واحد.

وفي رواية: "وله يومئذ تسع نسوة".

وحديث معمر, عن قتادة, عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أصب لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من نسائه أجمع.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي أهله ويعود, ولا يمس ماء. خرجه الإمام أحمد في "مسنده".

 

#79#

وخرج أيضاً عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في يوم فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه, فقيل: يا رسول الله, لو جعلت غسلاً واحداً, قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر».

وخرجه أبو داود وقال: حديث أنس أصح من هذا.

وخرجه النسائي وابن ماجه.

وروي نحوه عن سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم رواه الواقدي: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع, عن أبيه, عن جدته سلمى – مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالت: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه ليلة التسع اللاتي توفي وهن عنده, وكلما خرج من عند امرأة قال لسلمى: «صبي لي غسلاً» فيغتسل قبل أن يأتي الأخرى, قلت: يا رسول الله, أما يكفيك غسل واحد, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أطهر وأطيب».

وفي بعض طرقه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يطوف في ليلة على نسائه, ويغتسل من كل واحدة غسلاً, فسئل عن ذلك, فقال: «إنه أذكر», قال أبو عبيد: يعني: أنه أحد. انتهى.

مأخوذ من رهبت ذكرة السيف والرجل أي حدتهما.

 

#80#

وذكر أبو نعيم في كتاب "الطب النبوي": أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها من الرمد، هذا مع استناره وغض بصره عند الجماع.

وخرج الترمذي في "الشمائل" من حديث منصور، عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن مولى لعائشة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط.

وخرجه أحمد في "مسنده" وابن ماجه في "سننه" من حديث منصور هو ابن المعتمر.

وقال ابن ماجه عن شيخه أبي بكر ابن أبي شيبة، قال أبو بكر: كان أبو نعيم يقول: عن مولاة لعائشة. انتهى.

ورواه بركة بن محمد الحلبي، عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن محمد بن جحادة، عن قتادة، عن أنس: أن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت عورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قط.

 

#81#

وحدث به أحمد بن عبد الله بن شابور، عن بركة بنحوه، إلا أنه جعل مكان "الثوري": "حماد بن سلمة".

وبركة الحلبي كذاب يضع الحديث، قاله الدارقطني، وبركة لقبه، واسمه حسين.

وخرج أبو الشيخ ابن حبان قال: أخبرنا أبو يعلى، أخبرنا مجاهد ابن موسى، أخبرنا محمد بن القاسم الأسدي، حدثنا كامل أبو العلاء، عن أبي صالح أراه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نسائه إلا متقنعا يرخي الثوب على رأسه، وما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه مني.

وخرجه القاضي أحمد بن علي بن سعيد المروزي في كتابه "مسند عائشة رضي الله عنها" فقال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي .. فذكره بنحوه.

وإسناده واه، الأسدي كذبه أحمد بن حنبل وغيره، وشيخه كامل

 

#82#

ضعيف جدا.

وخرج الحافظ أبو بكر الخطيب من حديث منصور بن عمار، حدثني معروف أبو الخطاب، سمعت واثلة بن الأسقع رضي الله عنه سمعت أم سلمة رضي الله عنها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى امرأة من نسائه غمض عينيه وقنع رأسه الحديث، وهو حديث منكر، ومعروف بالمناكير معروف.

وقال محمد بن يونس الكديمي: حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه.

وخرجه البيهقي في "السنن الكبرى".

وقال أبو أحمد ابن عدي: لا أعلم لا رواه غير الكديمي، وقد اتهم بوضع الحديث.

 

#83#

قلت: ورواه إبراهيم بن راشد فقال: حدثنا علي بن حبان الحوري، حدثنا سفيان الثوري.. فذكره بنحوه.

ومع قيامه صلى الله عليه وسلم بحقوقهن وبكسبه لنفقاتهن لم يشغلنه عن الله عز وجل بل فيما خرجه النسائي في "سننه" من حديث عفان بن مسلم، عن سلام أبي المنذر، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «حبب إلي من الدنيا: النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة».

تابعه علي بن الجعد، عن سلام بن سليمان هو أبو المنذر القارئ البصري.

ورواه النسائي أيضا من حديث سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان عن ثابت، عن أنس مرفوعا به، ولفظه: «حبب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة».

ورواه أبو كامل الجحدري، عن سلام، عن ثابت، عن أنس.

وسلام هذا غير الأول هو ابن أبي الصهباء البصري الفزاري،

 

#84#

وكنيته أبو المنذر أيضا.

وبعضهم يروي هذا الحديث «حبب إلي من ديناكم ثلاث» وهو غلط ليس فيه "ثلاث"؛ لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها، فكان النساء والطيب أحب شيء إليه صلى الله عليه وسلم.

 

#85#

قال القاضي عياض: وكان حبه لهاتين الخصلتين - يعني: النساء والطيب – لأجل غيرته وقمع شهوته، وكان حبة الحقيقي المختص بذاته صلى الله عليه وسلم في مشاهدة جبروت مولاه ومناجاته، ولذلك ميز بين الحالين وفصل بين الحالين فقال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». انتهى.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» اخبر أن في الصلاة ما تقر به عينه، ولم يقل) وجعلت قرة عيني الصلاة. والصلاة هي صلاته صلى الله عليه وسلم لله عز وجل هذا هو المشهور عند الجمهور.

وقيل: المراد بالصلاة: صلاة الله عليه في قول عز وجل: {إن الله وملائكة يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}. الآية، والله أعلم.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا زكريا بن إبراهيم، (عن إبراهيم) عن أبيه، سمعت ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصبنا من دنياكم هذه إلا نساءكم».

تفرد به ابن أبي فديك، قاله الطبراني.

وحدث به أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" عن إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن الوليد بن برد، حدثنا ابن

 

#86#

أبي فديك، عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه قال:

سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعطيت من دنياكم هذه إلا نساؤكم».

وقال ابن سعد في "الطبقات" أخبرنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو بشر صاحب البصري، عن يونس، عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحببت من عيش الدنيا إلا الطيب والنساء».

وقال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا أبو المليح، عن ميمون قال: ما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عيش الدنيا إلا النساء والطيب.

وقال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده": حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل حدثني عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلىملله عليه وس    يعجبه من الدنيا ثلاثة: الطعام، والنساء، والطيب، فأصاب ثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام.

*وأما جزء نفسه صلى الله عليه وسلم بل قال علي رضي الله عنه في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "ثم جزء جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئا".

 

#87#

أي يعتمد على أن الخاصة ترفع إلى العامة علومه، قاله ابن الجوزي.

وقيل: يجعل منه جزءا للخاصة، ثم يشتركون مع العامة في جزئها.

وقيل: يجعل وقت العامة بعد وقت الخاصة.

وفسره أبو بكر محمد بن هارون الروياني فقال: يريد أن العامة كانت لا تصل إليه في منزله في هذا الوقت، ولكنه كان يوصل إليها حظها من ذلك الجزء بالخاصة التي تصل إليه فتوصله إلى العامة.

*قال علي رضي الله عنه: "فكان من سيرته صلى الله عليه وسلم في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه":

أي يؤثر بالإذن في الدخول عليه أهل الفضل.

 

#88#

قال علي رضي الله عنه: "وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم، والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول: «ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطانا حاجه من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة» "لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره".

هذا صفة دخول الخاصة عليه وقسمته بينهم على مراتبهم في الفضل لديه، وكيف كان يشتغل بقضاء حوائجهم تامة ويشغلهم بما به صلاحهم خاصة وصلاح الأمة عامة من الموعظة والتذكير، والتخويف، والتحذير والترغيب، والترهيب، والحث على تبليغ الغائب، وإبلاغ حاجه الجائع واللائب، ليس يذكر عنده سوى ما ورد، ولا يقبل غيره من أحد.

قال أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن ابن عبد الله بن يزيد بن تيم، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، أخبرني أبو زرعة يحيى بن [أبي] عمرو السيباني، حدثني عمرو بن عبد الله الحضرمي أنه حدثه عن واثلة بن الأسقع قال: خرجت مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم

 

#89#

أقبل الناس بين خارج وقائم فجعل رسول الله صلىالله عليه وسلم  لا يرى قاعدا إلا دنا إليه فسأله: «هل لك حاجة»؟ فبدأ بالصف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث حتى دنا إلي فقال: «ألك حاجة»؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: «ما حاجتك؟» قلت: الإسلام، قال: «هو خير لك» الحديث بطوله.

*قال علي رضي الله عنه: "يدخلون روادا":

أي محتاجين طالبين يقال: راد الشيء روادا وارتاده: طلبه، فهو رائد، وجمعه رواد يقال: بعثنا رائد يرود لنا الكلأ أي ينظر ويطلب، ورواد هنا مثل لما يلتمسون عنده صلى الله عليه وسلم من العلم والنفع في دينهم ودنياهم، ذكره أبو بكر الروياني.

*قال علي رضي الله عنه: "ولا يتفرقون إلا عن ذواق":

قيل: الذواق هنا ما يقدم للضيف مما يعد ذواقا، وهذا من بعض جوده وكرمه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقري الضيف وهذه كانت صفته قبل الإسلام، كما قالته خديجة رضي الله عنها وصفته في الإسلام كما هو المعروف من سيرته قبل وبعد.

قال سويد بن سعيد الحدثاني: حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا

 

#90#

نوح بن ذكوان، عن أخيه أيوب بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم عن الأجود الأجود، الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم» الحديث.

وقال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ: حدثنا عبد الرحيم بن عبد الباقي بحلب، حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، حدثنا خالد بن يزيد، عن إسماعيل - يعني: ابن أبي خالد – عن بيان - يعني ابن بشر عن أنس رضي الله عنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان أكرم الناس. وقيل: قوله "عن ذواق" عن معرفة استفادوها، وعلم تعلموه، وهذا أشبه؛ لأنه قال بعده: ويخرجون أدلة.

 

#91#

ويحتمل أنهم كانوا يتفرقون عن الأمرين جميعا، والأحاديث الصحيحة جاءت بذلك صريحة.

حدث الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، وأعرابي عن يمينه، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، فشرب رسول الله صلىالله عليه وسلم  فقال عمر: أعط أبا بكر، فناول الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن».

وخرج أبو الشيخ ابن حيان من حديث يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقي أصحابه فقالوا: يا رسول الله، لو شربت، فقال: «ساقي القوم آخرهم».

*ومعنى قوله: "ويخرجون أدلة" أي يدلون الناس على الخير الذي تعلموه منه صلى الله عليه وسلم في دخولهم عليه.

وري: "ويخرجون أذلة" – بالذال المعجمة - بدل المهملة، أي يخرجون من عنده بما سمعوه وتعلموه متواضعين متخشعين كما في قوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين}.

 

#92#

*قال الحسين رضي الله عنه: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟

(تنبيه تقدم الوعد به)

هذا الفصل مما وهم فيه أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "الوفا" وقبله أبو الفضل عياض في كتابه "الشفا" فجعلاه من كلام هند بن أبي هالة رضي الله عنه.

أما ابن الجوزي، فروى في باب مخالطته صلى الله عليه وسلم الناس وهو الباب الرابع والعشرون من أبواب آدابه وسمته وهديه صلى الله عليه وسلم بإسناده إلى الترمذي في "الشمائل": أخبرنا سفيان بن وكيع، حدثني جميع، حدثني أبو عبد الله التميمي، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سألت خالي هند بن أبي هالة عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه ... وذكر الحديث.

وإنما هذا الوصف من كلام علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه كما تقدم, سأله عنه ولده الحسين رضي الله عنهما وهو مبين في سياق الحديث.

وقد قطعه الترمذي في أماكن منها أنه ذكر طرفاً منه إلى قوله: "يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر" ثم قال: فذكر الحديث بطوله.

قال الحسن: فكتمتها الحسين زماناً, ثم حدثته, فوجدته قد سبقني إليه, فسأله عما سألته عنه, ووجدته قد سأل أباه عن مدخله وعن مخرجه وشكله فلم يدع منه شيئاً. قال الحسين: فسألت أبي عن دخول النبي صلى الله عليه وسلم.

 

#93#

وذكر أبو عيسى بقية الحديث من مدخله ومخرجه ومجلسه.

وأما القاضي عياض فقال في فصل حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم: وكان صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم, وذكره إلى قوله: وصاروا عنده في الحق سواء, ثم قال: بهذا وصفه ابن أبي هالة, ثم قال القاضي (عياض): قال: وكان دائم البشر سهل الخلق .... وذكر بقيته.

وهذا وهم بين وغلط ظاهر لم أر أحداً تعرض له, ولا نبه.

وقد وهم قبلهما في ذلك الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني في كتابه "طرق حديث نزول الرب عز وجل" فقال فيه: فكان كلامه – يعني: النبي صلى الله عليه وسلم – مع الناس على قدر معرفتهم, وينزل الناس منازلهم في العلم والمعرفة فكان يكلم كل قوم بلغتهم, وكان كما وصفه هند ابن أبي هالة للحسن بن علي رضي الله عنهم حين استوصفه عن مدخله ومجلسه فقال: كان جزأ نفسه ثلاثة أجزاء: جزءاً لله عز وجل وجزءاً لأهله, وجزءاً لنفسه.

وهذا ليس من وصف هند للحسن رضي الله عنهما بل من وصف علي لولده الحسين رضي الله عنهما بيناه قبل, ولله الحمد.

*قال علي رضي الله عنه حين سأله ابنه الحسين رضي الله عنه عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يصنع فيه فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه»:

 

#94#

وفي رواية: "إلا فيما يعنيهم".

تقدم قول هند: "ولا يتكلم في غير حاجة".

وحدث أبو داود في "سننه" عن محمد بن يحيى بن فارس, عن محمد بن يوسف الفريابي, عن إسرائيل, عن الوليد – قال أبو داود: ونسبه لنا زهير بن حرب – عن حسين بن محمد, عن إسرائيل في هذا الحديث قال: الوليد ابن أبي هشام, عن زيد بن زائد.

عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر».

وخرجه الترمذي عن محمد بن يحيى هذا به, ومن طريق عبيد الله بن موسى, وحسين بن محمد, عن إسرائيل, عن السدي, عن الوليد بن أبي هشام به, وقال: غريب من هذا الوجه.

ومن أفعاله صلى الله عليه وسلم في مخرجه: أنه كان يتبدى إذا اخضرت الأرض, قال أبو حنيفة – صاحب كتاب "النبات" -: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتبدى إذ هو بمكة قبل كثرة الأشغال ومقاساة أعباء الرسالة والنهوض بها, إذا اخضرت الأرض فأعشبت.

وهذا الذي قاله أبو حنيفة جاءت ببعضه الرواية, وذلك فيما رواه

 

#95#

إبراهيم بن سعد الزهري, عن شريك, عن بريد, عن أبي بردة, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبدى.

وخرجه الإمام أحمد في "مسنده" فقال: حدثنا ابن نمير, حدثنا شريك, عن المقدام بن شريح الحارثي, عن أبيه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدو؟ قالت: نعم, كان يبدو إلى هذه التلاع, فأراد البداوة مرة فأرسل إلى نعم من إبل الصدقة فأعطاني منها ناقة محرمة, ثم قال: «يا عائشة, عليك بتقوى الله عز وجل والرفق؛ فإن الرفق لم يك في شيء قط إلا زانه, ولم ينزع من شيء قط إلا شانه».

وحدث به أبو داود في "سننه" عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة ومحمد بن الصباح البزار، عن شريك بنحوه.

وقال أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأديب: حدثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي, حدثنا سعيد بن سيف الكريزي, عن سفيان بن عيينة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اهتم بدى.

 

#96#

غريب المتن والإسناد:

وجاء من رواية الحسن بن عمرو بن سيف, عن القاسم بن مطيب, عن منصور بن صفية, عن أبي معبد, عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري.

وخرجه أبو نعيم في "الطب النبوي".

*قال علي رضي الله عنه: "ويؤلفهم ولا ينفرهم":

وفي رواية "ولا يفرقهم":

صح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.

ومن تأليفه صلى الله عليه وسلم ما حدث به إسماعيل بن محمد الصفار, حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحارثي, حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العذري، حدثنا مالك بن أنس, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد بن ثابت, عن أبيه قال: جاء رجل من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أرضاً بين جبلين, فكتب له بها, فأسلم, ثم أتى قومه, فقال لهم: أسلموا فقد جئتكم من عند رجل يعطي عطية لا يخاف الفاقة.

 

#97#

هذا من أفراد العذري, عن مالك, والمعروف ما رواه أبو حفص عمرو بن علي الفلاس فقال: حدثنا خالد بن الحارث, حدثنا حميد – هو الطويل – عن موسى بن أنس, عن أبيه رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه, فجاءه رجل, فسأله فأمر له بغنم بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء لا يخاف الفاقة.

وحدث به مسلم, عن عاصم بن النضر, عن خالد بن الحارث.

وهو في "مسند أحمد بن حنبل" ولفظه: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه, فأتاه رجل, فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة قال: فرجع إلى قومه, فقال: يا قوم, أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.

وخرجه مسلم أيضاً من طريق حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس بنحوه.

 

#98#

وعند مسلم أيضاً من حديث عبد الله بن وهب, أخبرني يونس, عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين, وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم, ثم مائة, ثم (مائة).

قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان رضي الله عنه قال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي, فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.

وخرج أبو الشيخ الأصبهاني من حديث إبراهيم بن الحكم بن أبان, حدثني أبي, عن عكرمة, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء فأعطاه شيئاً ثم قال: «أحسنت إليك»؟ فقال الأعرابي: لا, ولا أجملت, قال: فغضب المسلمون, وقاموا إليه, فأشار صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا, ثم قام, فدخل منزله, ثم أرسل إلى الأعرابي, فدعاه إلى البيت – يعني: فأعطاه, فرضي, فقال: «إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك, وقلت ما قلت وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» قال: نعم, فلما كان الغد أو العشي جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صاحبكم هذا كان جاء يسألنا فأعطيناه فقال

 

#99#

ما قال, وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه رضي أكذاك؟» قال الأعرابي: نعم, فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كان له ناقة فشردت / عليه, فأتبعها الناس, فلم يزيدوها إلا نفوراً, فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي, فأنا أرفق بها فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض, فجاءت فاستناخت, فشد عليها رحلها واستوى عليها, وإني لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار».

وقال الطبراني في "معجمه الكبير": حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي, حدثنا أبو المغيرة: ح.

قال: وحدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد, حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قالا: حدثنا حريز بن عثمان, عن سليم بن عامر أن أبا أمامة رضي الله عنه حدثه أن غلاماً شابا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا, فصاح الناس, فقال: مه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقروه, أدن مني» فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحبه لأمك؟» قال: لا, قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم, أتحبه لابنتك؟» فقال: لا, قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم, أتحبه لأختك؟»

 

#100#

قال: لا, قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم, أتحبه لعمتك؟» قال: لا, قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم, أتحبه لخالتك؟» قال: لا, قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم» فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره, فقال: «اللهم كفر ذنبه, وطهر قلبه, وحصن فرجه».

وخرجه الطبراني أيضاً من حديث محمد بن عائذ, حدثنا الهيثم بن حميد, عن العلاء بن الحارث, عن القاسم, عن أبي أمامة بنحوه.

وخرجه الإمام أحمد في "مسنده".

وقد جاءت الرواية بما يشعر أن الذي استأذن في الزنا هو أبو كبير الهذلي الشاعر الذي تقدم (ذكر) نسبه, ولهذه القصة قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

سالت هذيل رسول الله فاحشة ... صلت هذيل بما سالت ولم تصب

سألوا نبيهم ما ليس معطيهم ... حتى الممات وكانوا عرة العرب

 

#101#

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة: منها: ما قال إبراهيم بن طهمان, عن أبي سعيد – وهو عمر بن سعيد أخو سفيان – عن الأعمش, عن عمرو بن مرة الجملي, عن أبي البختري قال: جاء أعرابي فبال في المسجد, فأخذوه فسبوه, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فصب على مكان البول الماء, ثم قال: «إنكم بعثتم هداة ولم تبعثوا مضلين, كونوا معلمين, ولا تكونوا معانتين, أرشدوا الرجل» قال: ثم جاء من الغد فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد صلى الله عليه وسلم ولا تغفر لأحد غيرنا, قال: ففعلوا به مثل ذلك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم بعثتم هداة ولم تبعثوا مضلين, كونوا معلمين, ولا تكونوا معانتين, أرشدوا الرجل».

رواه أبو عبيد الله محمد بن يحيى بن منده, عن أحمد بن معاوية, عن الحسين بن حفص, حدثنا إبراهيم – يعني: ابن طهمان ... فذكره.

*قال علي رضي الله عنه: "ويكرم كريم كل قوم, ويوليه عليهم":

هذا كفعله صلى الله عليه وسلم مع رؤساء الوفود التي وفدت عليه فإنه كان يكرم نزلهم ويجيز كلا منهم بما يليق به ويؤمر عليهم كريمهم.

 

#102#

من ذلك تأميره صلى الله عليه وسلم الحارث بن عوف على ذي مرة لما وفد عليه في ثلاثة عشر رجلاً وأمر بلالاً فأجازهم كل واحد بعشر أواق فضة, وفضل الحارث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية.

وكذلك تأميره صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على وفد ثقيف, وكان من أحدثهم سناً وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن, ومالك بن النمط – ذي الشعار – على همدان.

وفي قصة إسلام جرير رضي الله عنه قال: فألقى – يعني: النبي صلى الله عليه وسلم – إلي كساءه ثم أقبل على أصحابه ثم قال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه».

خرجه الطبراني بطوله في "المعجم".

وجاء عن القاسم, عن عائشة أن الأسود بن وهب خال النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا خال, أدخل» فدخل فبسط له رداءه, وقال: «اجلس عليه» قال: حسبي, قال: «اجلس على ما أنت عليه», قال: «إن الخال والد, يا خال من أسدي إليه معروف فلم يشكر فليذكر, فإنه إذا ذكر فقد شكر».

 

#103#

*قال علي رضي الله عنه: "ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشرة ولا خلقه":

في "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة» أو «بئس ابن العشيرة» فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه, فلما انطلق الرجل قالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله, حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا, ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة, متى عهدتيني فحاشاً؟! إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركته الناس اتقاء شره».

وقد جاءت الرواية بأن هذا الرجل هو مخرجه بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة أبو المسور, أحد المؤلفة قلوبهم.

قال أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني, حدثنا النضر بن شميل, حدثنا أبو عامر الخزاز, عن أبي يزيد المدني, عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء مخرمة بن نوفل فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته قال: «بئس أخو العشيرة» فلما جاء أدناه ... وذكر الحديث بنحوه.

 

#104#

رواه ابن منده في كتابه "معرفة الصحابة" من طريق الهيثم.

وقد حدث الحارث بن أبي أسامة, عن الخليل بن زكريا, حدثنا هشام الدستوائي, عن عاصم بن بهدلة, عن زر بن حبيش, عن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل رجل فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بئس أخو العشيرة, وبئس الرجل» فلما دنا منه أدنى مجلسه فلما قام وذهب قالوا: يا رسول الله, حين أبصرته قلت: بئس أخو العشيرة وبئس الرجل, ثم أدنيت مجلسه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخشى أن يفسد علي غيره».

حديث غريب تفرد بن الخليل بن زكريا البصري, وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي, وأبو الفتح الأزدي, وأبو أحمد ابن عدي.

وقال القاسم بن زكريا المطرز: وهو والله كذاب, ووثقه جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ أحد الرواة عنه, فقال أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي: سمعت جعفراً الصائغ يقول: سمعت الخليل بن زكريا –

 

#105#

وكان ثقة مأموناً.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم قلما يواجه رجلاً بشيء يكرهه.

خرجه أبو داود في "سننه", والترمذي في "الشمائل", والنسائي في "عمل اليوم والليلة".

*قال علي رضي الله عنه: "ويتفقد أصحابه".

حدث أبو محمد ابن حيان أبو الشيخ في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" عن أبي يعلى, حدثنا الأزرق بن علي, حدثنا يحيى بن أبي بكير, حدثنا عباد بن كثير, عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له, وإن كان شاهداً زاره, وإن كان مريضاً عاده.

قال حذيفة رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده.

خرجه أحمد في "مسنده".

وخرج دعلج في كتابه "مسند المقلين" من حديث أحمد بن شبيب,

 

#106#

حدثنا أبي, عن يونس, عن ابن شهاب, أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعود مرضى مساكين المسلمين ويشيع جنائزهم, ولا يصلي عليهم أحد غيره .... الحديث.

ورواه محمد بن أبي حفصة وسفيان بن حسين, عن الزهري, عن أبي أمامة بن سهل مرسلاً (ورواه إسحاق بن راهويه فقال: أخبرنا الوليد ابن مسلم, عن الأوزاعي, عن أبي أمامة بن سهل) كذلك.

ورواه عيسى بن يونس, عن الأوزاعي, عن الزهري, عن أبي أمامة ابن سهل, عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وجاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح برءوسهم.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث محمد بن عقبة السدوسي, حدثنا مسكين بن عبد الله – أبو فاطمة الأزدي – سمعت أبا عطية البكري – بكر بن وائل – قال: انطلق [بي] أهلي إلى

 

#107#

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام شاب فمسح يده على رأسي قال: فرأيت أبا عطية أسود الرأس واللحية وكانت قد أتت عليه مائة سنة.

تفرد به محمد بن عقبة.

وخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أسباط – هو ابن نصر الهمداني – عن سماك, عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله, وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً قال: وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار.

وقال أبو السري هناد بن السري في كتابه "الزهد" والإمام أحمد في "مسنده" واللفظ له: حدثنا وكيع, حدثنا الأعمش, عن أبي إسحاق, عن عبد الرحمن بن زيد الفائشي, عن ابنة لخباب قالت: خرج خباب في سرية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزاً لنا في جفنة لنا. قالت: فكان يحلبها حتى تطفح أو تفيض فلما رجع خباب حلبها فرجع حلابها إلى ما كان, فقلنا له: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلبها حتى تفيض. وقال مرة: حتى تمتلئ, فلما حلبتها رجع حلابها.

 

#108#

وحدث به أحمد بن حنبل أيضاً عن خلف بن الوليد, حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبد الرحمن بن مالك الأحمسي, عن ابنة خباب بن الأرت قالت: خرج أبي في غزاة ولم يترك لنا إلا شاة .... فذكره نحوه.

*قال علي رضي الله عنه: "ويسأل الناس عما في أيديهم":

من ذلك ما صح عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقاً أقمنا عنده عشرين ليلة, فظن أنا قد اشتقنا أهلنا, فسألنا عمن تركنا, فأخبرناه فقال: «رجعوا إلى أهاليكم فأقيموا فيهم ..» الحديث.

*قال علي رضي الله عنه: "ويحسن الحسن ويقويه – وفي رواية: ويصوبه – ويقبح القبيح ويوهنه":

هذا كمدحه صلى الله عليه وسلم العبادات المفروضات والنوافل والطاعات وسائر أنواع الخيرات, وكذمه المعاصي المهلكات والسيئات الموبقات وسائر الأقوال والأفعال الموجبة لصاحبها النكال, والأحاديث الواردة في معناه كثيرة.

*قال علي رضي الله عنه: "معتدل الأمر غير مختلف":

كان صلى الله عليه وسلم معتدل الأمر في القول والفعل, مجبولاً على الإنصاف والعدل, معتدل الخلق والخلق, ولد بالعدل, ورضع بالعدل, ونشأ بالعدل, ونبئ بالعدل, وقضى بالعدل, وأمر بالعدل, إلى أن مضى لسبيله وترك الناس على أعدل محجة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وسلم.

 

#109#

*قال علي رضي الله عنه: "لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا – وفي رواية يملوا – لكل حال عنده عتاد":

العتاد: العدة والشيء تعده لأمر ما.

ومعنى قول علي هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على هداية الأمة وإرشادهم إلى كل خير وإنقاذهم من كل شر, لا يغفل عن تعليمهم وتذكيرهم وإرشادهم للخير وتحذيرهم من الشر مخافة غفلتهم عن ذلك, بل كان يعد لكل من الموعظة والتذكير والدعاء إلى الإسلام ما يقتضيه الوقت والحال.

روى عبد الله بن عمر بن أبان, عن محمد بن فضيل, عن أبي حيان, عن عطاء, عن (ابن) عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر, فأقبل أعرابي, فلما دنا منه قال: «أين تريد؟» قال الأعرابي: إلى أهلي, قال «وهل لك إلى خير» قال: وما هو؟ قال: «تسلم» قال: هل من شاهد؟ قال: «هذه الشجرة» فدعاها فأقبلت تخد الأرض خداً, فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت له, قال: ثم رجعت إلى منبتها, ورجع الأعرابي إلى قومه فقال: إن يتبعوني آتك بهم وإلا رجعت إليك فكنت معك.

تابعه محمد بن طريف, عن ابن فضيل, حدث به الدارمي في "مسنده" عن ابن طريف.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في نصيحة الأمة على أحوال:

 

#110#

فتارة يبشرهم كما في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلىعليه وسلم       في قبة فقال: «ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قلنا: نعم, قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قلنا: نعم, قال: «أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟» قلنا: نعم, قال: «والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة, وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة, وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود, أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر».

وخرج ابن ماجه في "سننه" من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها, هي ورب الكعبة نور يتلألأ, وريحانه تهتز, وقصر مشيد, ونهر مطرد, وثمرة نضيجة, وزوجة حسناء جميلة, وحلل كثيرة, ومقام في أبد في دار سليمة, وفاكهة خضرة, وحبرة, ونعمة, في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله, نحن المشمرون لها, قال: «قولوا: إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله.

وكان صلى الله عليه وسلم تارة ينذرهم ويخوفهم كما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً».

 

#111#

وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم».

وتارة يجمع لهم البشارة والنذارة في وقت واحد, كما صح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل الجنة أحدا عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله, قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد, ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد».

وخرج أبو بكر الخرائطي في كتابه "مكارم الأخلاق" فقال: حدثنا القنطري, حدثنا عبد الله بن صالح, حدثنا الليث, حدثني أسامة بن زيد أنه سمع أبا حازم وحفص بن عبيد الله بن أنس يقولان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة, فإذا رآهم قد كسلوا وعرف ذلك فيهم, أخذ بهم في بعض أحاديث الدنيا حتى إذا نشطوا وأقبلوا أخذ بهم في حديث الآخرة.

 

#112#

وحدث به أيضاً في كتابه "اعتلال القلوب" عن علي بن داود القنطري هذا بنحوه مختصراً.

وأحاديثه صلى الله عليه وسلم في وعظ الأمة وترغيبها وترهيبها وتخويفها وتحذيرها لا تحصى ولا تحصر.

وفي رواية ابن عباس عن هند رضي الله عنهم: "وإذا وعظ جد وماد".

فمعنى "جد" اجتهد, و"ماد": أي أعطى المستمع للوعظ ما ينفعه, والله أعلم؛ لأن هذه المادة يقال فيها: ماد السكران وغيره ميداً تعطف, والأرض اضطربت, والرجل أعطيته، ومنه المائدة.

*قال علي رضي الله عنه: "لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره":

هذا في جميع أحواله صلى الله عليه وسلم المبنية على العدل.

صح عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك, وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها, وما أريد بها وجه الله, فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته فقال: «من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله, رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر».

*قال علي رضي الله عنه: "الذين يلونه من الناس خيارهم":

صح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لواقف في قوم قد دعوا الله لعمر رضي الله عنه وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: يرحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني

 

#113#

كثيراً مما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دخلت أنا وأبو بكر وعمر, وذهبت أنا وأبو بكر وعمر ...». الحديث.

وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة, ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم, ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ...» الحديث.

*قال علي رضي الله عنه: "أفضلهم عنده أعمهم نصيحة, وأعظمهم عنده أحسنهم مساواة ومؤازرة":

من كانت نصيحته من الذين يلونه عامة كان عنده المقدم المفضل, ومن كان أحسنهم مواساة ومؤازرة كان عنده المعظم المبجل, كالعمرين – يعني: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب – ونحوهما من المهاجرين, والسعدين – يعني: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة – وشبههما من الأنصار المؤثرين.

*قال الحسين رضي الله عنه: فسألته عن مجلسه – وفي رواية: - كيف كان يصنع فيه؟ فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر»:

تقدم حديث عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.

 

#114#

وجاء عن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو .... الحديث وسيأتي إن شاء الله تعالى بتمامه.

وخرج أبو داود في "المراسيل" من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن عمر بن عبد العزيز بن وهب, عن خارجة بن زيد بن ثابت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه.

*قال علي رضي الله عنه: "ولا يوطن الأماكن, وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك":

الوطن: محل الإنسان, وطنت الأرض: اتخذتها وطناً.

وقال أبو أحمد حميد بن زنجويه النسوي في كتابه "الترغيب والترهيب": حدثنا هشام بن عمار, حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا عثمان, عن أبي العاتكة, عن علي بن يزيد, عن القاسم أبي عبد الرحمن: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة العصر, ثم قام فدخل بيت عائشة, فمكث ساعة, ثم خرج إلى المسجد, فإذا برجل قاعد يقص على الناس ويذكرهم, والناس مقبلون

 

#115#

عليه بوجوههم, فلما نظر الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً قطع قصصه, وقام من مجلسه للنبي ؟, فأشار إليه بيده أن اثبت مكانك, وجلس النبي صلى الله عليه وسلم في أدنى الناس ولم يتخط أحداً, فلما فرغ الرجل من قصصه قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إليه والتفت الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو خلفهم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقم من مجلسك, ولا تقطع قصصك, فإني أمرت أن أصبر نفسي مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه, ولئن أصبر نفسي مع قوم يذكرون الله من حين يصلون الصبح إلى أن ترتفع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل». قال عثمان: بلغني أن الرجل الذي كان يقص: عبد الله بن رواحة رضي الله عنه.

وخرج أبو الشيخ ابن حيان في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" من حديث جرير, عن أبي فروة – يعني: عروة بن الحارث – عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير, عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل, فطلبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه, فبنينا له دكاناً من طين فكان يجلس عليه ونجلس بجانبيه.

وخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي فروة, بنحوه.

 

#116#

$[ما روي في تواضعه صلى الله عليه وسلم]$

ومن عادة أصحابه رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهى إليهم لم يقوموا إليه لكراهيته صلى الله عليه وسلم لذلك.

قال الإمام أحمد في "مسنده": وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن حماد بن سلمة, عن حميد, عن أنس رضي الله عنه قال: ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته صلى الله عليه وسلم لذلك.

وحدث به الترمذي في "جامعه": عن عبد الله بن عبد الرحمن, عن عفان, عن حماد بنحوه, وقال: حسن صحيح غريب. انتهى.

تابعهما إبراهيم بن الحجاج, عن حماد, حدث به أبو بكر ابن السني في كتابه "رياضة المتعلمين": عن أبي يعلى الموصلي, حدثنا إبراهيم ابن الحجاج ... فذكره.

وخرج أبو داود من حديث أبي غالب, عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عصى فقمنا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً».

 

#117#

وخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" ولفظه: عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عصى, فلما رأيناه قمنا إليه فقال: «لا تفعلوا كما تفعل الأعاجم يقوم بعضها لبعض» قلنا: اشتهينا أن تدعو لنا, فقال: «اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا وتقبل منا, وأدخلنا الجنة ونجنا من النار, وأصلح شأننا كله», قال: فكأنا اشتهينا أن تزيدنا, فقال: «أوليس قد جمعت الخير».

وكراهيته صلى الله عليه وسلم لقيام أصحابه له من باب تواضعه صلى الله عليه وسلم على علو منصبه.

والأحاديث في معنى تواضعه صلى الله عليه وسلم كثيرة:

منها ما قال أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي: أخبرنا الحجاج, حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت البناني, عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت سيدنا وابن سيدنا, وخيرنا وابن خيرنا فقال: «يا أيها الناس, قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان, قولوا: محمد بن عبد الله».

وحدث به النسائي في (كتابه) "عمل اليوم والليلة" عن أبي بكر بن نافع وهو محمد بن أحمد بن نافع البصري، عن بهز بن أسد, عن حماد.

وقال أبو مسعود الرازي – أيضاً -: أخبرنا محمد بن الفضل, حدثنا مهدي بن ميمون, عن غيلان بن جرير, عن مطرف بن عبد الله, عن أبيه

 

#118#

قال: وفدنا على النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر فسلمنا عليه, فقالوا: أنت والدنا, وأنت سيدنا, وأنت أفضلنا فيها فضلاً, وأطولنا علينا فيها طولاً, فقال: «قولوا بقولكم ولا يستجري» – يعني: - الشيطان, أو قال: «الشيطان».

ومنها ما خرج محمد بن فضيل بن غزوان الضبي في كتاب "الزهد" له عن عمارة, عن أبي زرعة, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جلس جبريل عليه السلام (إلي النبي صلى الله عليه وسلم), فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل, فقال له جبريل عليه السلام إن هذا الملك ما نزل قبل منذ يوم خلق قبل الساعة, فلما نزل قال: يا محمد, أرسلني إليك ربك, فملكاً نبياً يجعلك ربك أم عبداً رسولاً؟ فقال جبريل: تواضع لربك يا محمد, فقال: «بل عبداً رسولاً».

حدث به الإمام أحمد في "مسنده" عن ابن فضيل.

وخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" مطولا فقال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى (حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى) عن الحكم بن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل عليه السلام يناجيه إذ انشق أفق السماء،

 

#119#

فأقبل جبريل يدنو من الأرض ويتمايل، فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي صلىالله عليه وسلم  فقال: يا محمد، إن الله عز وجل يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي، قال: «فأشار جبريل عليه السلام إلي بيده أن تواضع، فعرفت أنه لي ناصح، فقلت: عبد نبي» فعرج ذلك الملك إلى السماء، فقال «يا جبريل قد كنت أردت أن أسأل عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة، فمن هذا يا جبريل؟» قال: هذا إسرافيل، خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه، وبيه وبين الرب تعالى سبعون نورا ما منها نور يكاد يدنو منه إلا احترق.. وذكر الحديث، وفيه أن جبريل قال: وما الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة.

تابعه محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن عمران، تفرد به ابن أبي ليلى، عن الحكم، والحكم عن مقسم، والله أعلم.

وحدث بنحوه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، عن عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي أبو تقي، حدثنا عبد الله بن سالم الحمصي، عن الزبيدي، حدثنا الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس: أن (ابن) عباس كان يحدث: أن الله تعالى أرسل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة معه جبريل عليه السلام. وذكر الحديث.

ورواه يعقوب بن سفيان في "تاريخه" فقال: حدثني أبو العباس

 

#120#

حيوة بن شريح، أخبرنا بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، فذكره بنحوه.

وحدث به ابن المبارك في "الزهد" عن معمر، عن الزهري من بلاغاته.

وقال حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد في كتابه "تركة النبي صلى الله عليه وسلم" حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني وحميد، عن الحسن: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنبي عبد أم نبي ملك؟ قال: «لا بل نبي عبد» قال جبريل عليه السلام: إن الله عز وجل يشكرك على ذلك، أنك أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول من يدخل الجنة.

وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا المعلى، عن الحسن، قال: وحدثنا المهاجر مولى أبي بكر، عن أبي العالية، قال: نزل إسرافيل ولم ينزل قبلها، فقال: يا محمد، إن ربك أرسلني إليك يخيرك بين أن تكون نبيا عبدا، وبين أن تكون ملكا،

 

#121#

فأشار إليه جبريل عليه السلام بيده، قال حماد: وسمعت غير المعلى يقول: وكان جبريل له ناصحا، قال: «فقلت: نبيا عبدا» قال: «فشكمني عز وجل أن تواضعت له، وجعلني سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع».

قوله: "فشكمني" أي: أعطاني وأثابني، والشكم: العطاء والثواب.

وخرج الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني في كتابه "حلية الأولياء" من حديث يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت أبا حازم، سمعت ابن عمر رضي الله عنهما، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي وهو إسرافيل عليه السلام فقال: السلام عليك يا محمد، وقال: أنا رسول ربك إليك، أمرني أن أخيرك إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا فنظر إلي جبريل عليه السلام فأومأ إلي أن تواضع» فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «نبيا عبدا» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أني قلت: نبيا ملكا ثم شئت لسارت معي الجبال ذهبا».

هذا حديث غريب من حديث أبي حازم، عن ابن عمر، تفرد به أيوب بن نهيك، وأبو حازم مختلف فيه، فقيل: سلمة بن دينار، وقيل محمد بن قيس (المدني. قاله أبو نعيم، ومحمد بن قيس) أشبه بل الصواب.

 

#122#

قال الطبراني في "معجمه الكبير": حدثنا أبو شعيب – عبد الله بن الحسن الحراني - حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت محمد بن قيس المدني – أبا حازم -، يقول: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يوم الأربعاء، ويوم الخميس، ويوم الجمعة ثم تصدق يوم الجمعة بما قل من ماله أو كثر غفر له كل ذنب علمه حتى يصير كيوم ولدته أمه من الخطايا».

ثم قال عقب هذا: حدثنا أبو شعيب، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت محمد بن قيس المدني، سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد من بعدي وهو إسرافيل» وعنده جبريل عليهما السلام، فقال: السلام عليك يا محمد، ثم قال: أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيرك إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا، «فنظرت إلى جبريل عليه السلام فأومأ جبريل إلي أن تواضع» فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «نبيا عبدا» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أني قلت: نبيا ملكا (ثم شئت) لسارت الجبال معي ذهبا».

قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر،

 

#123#

عن سعيد - يعني: المقبري – عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا، فنظرت إلى جبريل عليه السلام، فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا»، قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا، يقول: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد».

وقال ابن المبارك في كتابه "الزهد": أخبرنا الأوزاعي، عن عبد الله بن عبيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام بمفاتيح خزائن الدنيا، فوالذي نفسي بيده ما بسطت إليها يدي»، قال عبد الله بن عبيد: لو علم صلى الله عليه وسلم أن فيها خيرا لبسط إليها يده.

عبد الله هو: ابن عبيد بن عمير الليثي أبو هاشم، من أعيان التابعين.

وقال أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه": أخبرنا عبد الله بن صالح البخاري – ببغداد - حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرني الحسين بن واقد، حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس».

وحدث به أبو بكر ابن أبي عاصم، عن محمد بن علي بن شقيق، عن أبيه، ولفظه: «أوتيت بمفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به

 

#124#

جبريل عليه السلام».

وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين، و إن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة».

خرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.

وخرجه الترمذي في "جامعه" من حديث ثابت بن محمد العابد الكوفي، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة».

وقال المسعودي – عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود - عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر بجلده، فجعلت أمسحه عنه، وأقول: بأبي وأمي ألا آذنتنا فنبسط لك، قال: «مالي وللدنيا إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها».

 

#125#

وحدث به وكيع في كتابه في "الزهد" دون القصة فقال: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم بن علقمة، عن عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في أصل الشجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها».

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: لما قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه فقال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين»

خرجه الطبراني في "الطولات".

وخرجه أبو سعيد الخليل بن أحمد السجزي في كتابه "الآداب" من حديث حفص بن عمرو – هو ابن الصباح - عن العلاء بن هلال الرقي، حدثنا طلحة بن زيد، عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة، قال: (قدم وفد النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم فقام النبي) صلىالله عليه وسلم  يخدمهم، فقلنا: يا رسول الله، نحن نكفيك، فقال «إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأحب أن أكافئهم».

تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي.

 

#126#

تابعه علي بن الحسن النسائي وهلال بن العلاء بن هلال، عن أبيه.

قال أبو نعيم الأصبهاني عن هلال بن العلاء بن هلال، والحديث به اشتهر.

وقال أبو الشيخ في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم": حدثنا دليل بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا جعفر بن عون، عن إسماعيل، عن قيس - يعني: ابن أبي حازم – عن أبي مسعود رضي الله عنه: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يكلمه فأرعد فقال: «هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».

وخرجه ابن ماجه بنحوه.

وخرجه الطبراني في "معجمه الأوسط": من حديث محمد بن كعب الحمصي، حدثنا شقران، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم من بين يديه فاستقبلته رعدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».

لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير إلا عيسى بن يونس، تفرد به شقران، قاله الطبراني.

وعد الدارقطني حديث جرير هذا وحديث أبي مسعود قبله

 

#127#

وهما قال: والصواب، عن إسماعيل – يعني: ابن أبي خالد – عن قيس مرسلا، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن المبارك في كتابه "الزهد": أخبرنا معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن أنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا والله ما كانت تغلق

 

#128#

دونه الأبواب ولا تقوم دونه الحجبة (ولا يغدى عليه بالجفان)، ولا يراح عليه بها، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان بارزا، من أراد [أن] يلقى نبي الله صلى الله عليه وسلم لقيه، وكان – والله - يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف بعده، ويلعق - والله – يده صلى الله عليه وسلم.

وحدث عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت ما كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ فقالت: كان بشرا من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه.

تابعه الليث بن معاوية.

ورواه ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن مجاهد، عن عائشة.

ورواه غيره عن يحيى فأدخل بينه وبين مجاهد حميد بن قيس المكي الأعرج.

وخرج أبو نعيم في كتابه "حلية الأولياء" من حديث الحماني، حدثنا الحسن بن عمارة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك

 

#129#

رضي الله عنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف، وينام على الأرض، ويأكل من الأرض، ويركب الحمار ويردف خلفه، ويعقل البعير (كذا) فيحلبها ويجيب دعوة العبد.

تفرد به الحسن بن عمارة فيما ذكره أبو نعيم.

وخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليهوسلم " من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله كل – جعلني الله فداك – متكئا فإنه أهون عليك.

قالت: فأصغى برأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض ثم قال: «لا، بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد».

وقال الإمام أحمد في كتابه في "الزهد": حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام أمر به فألقي على الأرض، وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد».

 

#130#

وقال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، حدثنا عبدة بن أيمن، عن عطاء بن أبي رباح، قال: دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على وسادة، وبين يديه طبق عليه رغيف، قال: فوضع الرغيف على الأرض ونحى الوسادة، فقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».

وجاء من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد على الطعام استوفز على ركبته اليسرى وأقام اليمنى، ثم قال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأفعل كما يفعل العبد».

وتقدم عن أنس مثله.

وله شاهد عن ابن عمر وغيره.

وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل وهو مقع من الجوع. خرجه النسائي.

وقال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي في كتابه "المواعظ

 

#131#

والوصايا": أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن زياد, حدثنا الهيثم بن خلف الدوري – ببغداد – حدثنا يحيى بن عثمان, حدثنا بقية بن الوليد دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه فأتيت فجلس هكذا, ووضع رجله اليسرى تحت أليته ونصب رجله اليمنى ووضع يده عليها وقال: يا أبا محمد تعرف هذه الجلسة.؟ قلت: لا.

قال: هذه جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان يجلس جلسة العبيد ويأكل أكل العبيد, كل باسم الله, وذكر بقيته.

وخرجه الدينوري في "المجالسة" فقال: حدثنا محمد بن عمرو, عن يحيى بن عثمان, عن بقية بن الوليد ..... فذكره مختصراً.

وقال أبو الحسن علي بن المهدب الحموي الطبيب في كتابه "الطب النبوي": روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس عند الأكل متوركاً على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى؛ تواضعاً لربه عز وجل وأدباً, وهذه الهيئة أحمد؛ لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي التي خلقت عليه. انتهى.

وجلوس النبي صلى الله عليه وسلم كان كيفما تيسر تارة يجلس القرفصاء وهي أن يجلس على إليتيه ويلصق بطنه بفخذيه, وتارة يستلقي في المسجد على قفاه, وتارة يتكئ على جنبه.

قال أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الذكواني:

 

#132#

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي – هو أبو عبد الله – حدثنا هشام بن علي بن هشام, حدثنا عبد الله بن رجاء, أخبرنا الحسن بن صالح بن حي, عن مسلم الأعور, عن مجاهد, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد هذه القعدة ووضع ذراعيه على ركبتيه وقبض بكفه اليمنى على ذراعه اليسرى, واليسرى على اليمنى.

وخرج الترمذي في "الشمائل": عن عبد بن حميد, عن عفان بن مسلم, عن عبد الله بن حسان, عن جدتيه, عن قيلة بنت مخرمة أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو قاعد القرفصاء.

قالت: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق.

هذا الحديث مختصر من حديث قيلة بنت مخرمة العنبرية التميمية وفيه طول.

وروى بعضه الترمذي في "جامعه" بهذا الإسناد.

ورواه بطوله أبو بكر محمد بن هارون الروياني في كتابه "الغرر", وأبو القاسم الطبراني من طريق أبي الجنيد عبد الله بن حسان العنبري, وتفرد هو بالحديث عن جدتيه وهما صفية ودحيبة بنتا عليبة

 

#133#

وكانتا ربيبتي أبي قيلة, وكانت قيلة جدة أبيهما.

وفي بعض طرقه عن جدتيه أن قيلة حدثتهما أنها كانت تحت حبيب ابن أزهر أخي بني جناب, فولدت له النساء, ثم توفي فانتزع بناتها منها أثوب بن أزهر عمهن, فخرجت تبتغي الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام, فبكت جويرية منهن هي أصغرهن حديباء كانت قد أخذتها الغرصة فرحمتها فاحتملتها معها ... الحديث.

وفيه: قالت: ثم انطلقت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فبينما أنا عندها ليلة تحسب عني نائمة, إذ دخل زوجها من السامر, فقال: وأبيك لقد وجدت لقيلة صاحباً صاحب صدق حريث بن حسان الشيباني غادياً وافد بكر بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا صباح .... الحديث إلى أن قالت: فخرجت معه صاحب صدق حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالناس صلاة الغداة, وقد أقيمت حين انشق الفجر والنجوم شابكة في السماء, والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل, فصففت مع الرجال وامرأة كانت حديثة عهد بجاهلية, فقال الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أو رجل؟

 

#134#

قلت: لا, بل امرأة, فقال: إنك قد كدت تفتنيني فصلي في النساء وراءك.

وإذا صف من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته (حين دخلت فكنت فيهن) حتى إذا طلعت الشمس دنوت, فكنت إذا رأيت رجلاً ذا رواء, وذا قشر طمح إليه بصري لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الناس حتى جاء رجل، وقد ارتفعت الشمس، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعليك السلام ورحمة الله», وعليه – يعني: النبي صلى الله عليه وسلم - أسمال مليتين وقد كانتا بزعفران وقد نفضتا, وبيده عسيب نخلة مقش غير خويصتين من أعلاه, وهو قاعد القرفصاء, فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق, فقال جليسه: يا رسول الله, أرعدت المسكينة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره: «يا مسكينة عليك السكينة».

وفي رواية أبي بكر الروياني قالت: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق وأنا قاعدة عند ظهره.

فقالت له عائشة: يا رسول الله, أرعدت المسكينة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومأ بيده من خلفه ولم ينظر إلي: «يا مسكينة عليك السكينة».

فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أذهب الله تعالى ما كان دخل قلبي من الرعب .... الحديث بطوله.

 

#135#

وحدث به ابن سعد في "الطبقات": عن عفان بن مسلم, حدثنا عبد الله بن حسان أخو بني كعب من بلعنبر, حدثته جدتاه صفية بنت عليبة ودحيبة بنت عليبة فذكرتاه مطولاً بنحوه.

وحدث به بطوله أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه": عن أبي إسحاق أحمد بن إسحاق الحضرمي, وموسى بن إسماعيل المنقري قالا: حدثنا عبد الله بن حسان. فذكره.

وذكر في آخره, فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه, عن أبيه, عن سلمويه, عن ابن المبارك, عن عبد الله بن حسان بحديث قيلة هذا, وجعله في كتاب الأمراء – يعني: ابن المبارك – والله أعلم.

تابعهم عبد الله بن سوار العنبري, وعلي بن عثمان اللاحقي, وغيرهما عن عبد الله بن حسان العنبري بطوله.

وحدث ببعضه أبو داود في "سننه": عن حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل كلاهما, عن عبد الله بن حسان.

قولها: "تحسب عني نائمة" على لغة تميم, يبدلون العين من الهمزة, وتسمى العنعنة, أي: تحسب أني نائمة.

ورواه بعضهم: تحسب عيني نائمة, والأول أحفظ وأشهر.

والرواء: المنظر الحسن الجميل, والقشر: اللباس النفيس.

والأسمال: الأخلاق من الثياب, واحدها سمل.

ومليتين: تصغير ملاءتين تثنية ملاءة وهي الثوب الذي يتشح به ويؤتزر.

 

#136#

وخرج الترمذي في "الشمائل": من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المجلس احتبى بيديه.

وصح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبياً بيديه هكذا.

وذكر البخاري: أن الاحتباء باليد هي القرفصاء.

 

#137#

وصح عن خباب رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة, فقلت: ألا تدعو الله, فقعد ... وذكر الحديث.

وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه في الكبائر, قال: وكان متكئاً فجلس وقال: «ألا وقول الزور».

وعن عباد بن تميم, عن عمه أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في المسجد رافعاً إحدى رجليه على الأخرى.

وفي لفظ: مستلقياً في المسجد.

وحدث محمد بن أسلم الطوسي, عن عبد الحكم بن ميسرة, حدثنا ابن جرير, عن أبي الزبير, عن جابر رضي الله عنه قال: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم ماداً رجليه بين أصحابه.

وخرج أبو داود في "سننه" من طريق محمد بن إسحاق, عن يعقوب بن عتبة, عن عمر بن عبد العزيز, عن يوسف بن عبد الله بن

 

#138#

سلام, عن أبيه رضي الله عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء.

 

#139#

$[عود إلى شرح حديث علي رضي الله عنه]$

*قال علي رضي الله عنه: "يعطي كل جلسائه بنصيبه, لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه":

هذا من عدله الكثير وإنصافه الخطير, مساواته صلى الله عليه وسلم بين جلسائه الصغير والكبير, حتى لا يحتقر أحد نفسه لديه, ولا يحسب أن أحداً أكرم منه عليه.

خرج الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه "الدلائل": من حديث يزيد بن هارون, أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي, حدثنا المعلى – يعني: ابن زياد – عن العلاء بن بشير المازني, حدثنا أبو الصديق الناجي, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت في عصابة من المهاجرين جالساً, وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري, وقارئ لنا يقرأ علينا, فكنا نستمع إلى كتاب الله عز وجل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم», قال: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل بنفسه فينا, وقال: «أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة, تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم, وذلك خمسمائة عام».

وخرجه أبو داود في "سننه" عن مسدد, عن جعفر بن سليمان

 

#140#

بنحوه.

وحدث به الإمام أحمد بن حنبل في كتابه "الزهد" فقال: حدثنا سيار, حدثنا جعفر, حدثنا المعلى بن زياد, حدثنا العلاء بن بشير المزني, وكان – والله – ما علمت شجاعاً عند اللقاء بكاء عند الذكر, عن أبي الصديق الناجي, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت في حلقة من الأنصار, إن بعضنا ليستتر ببعض .... وذكر الحديث بنحوه.

وخرجه أبو بكر ابن السني في كتابه "رياضة المتعلمين: فقال: أخبرنا أبو يعلى, حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق, حدثنا جعفر بن سليمان .... فذكره.

وقال حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد في كتابه "تركة النبي صلى الله عليه وسلم": حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد, حدثنا المعلى بن زياد, حدثني العلاء بن بشير, عن أبي الصديق الناجي, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونحن جلوس, ورجل يقرأ علينا ويدعو لنا – ناس من ضعفاء المسلمين – وإن بعضنا ليتوارى ببعض من العري والجهد وسوء الحال, فجلس إلينا ثم قال بيده هكذا, فاستدارت له الحلقة وما أظنه يعرف منهم أحداً, ما هم إلا من ضعفاء المسلمين, فأمسكوا, فقال: «ما كنتم تراجعون؟» قالوا: كان هذا يقرأ علينا, ويدعو لنا, قال: «فعودوا لما كنتم تراجعون» ثم قال: «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر

 

#141#

نفسي معه» ثم قال: «أبشروا ضعفاء المسلمين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام, هؤلاء ينعمون وهؤلاء يحاسبون».

وخرج مسلم في "صحيحه" من حديث حجاج بن أبي زينب, حدثني أبو سفيان: طلحة بن نافع, سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:

 

#142#

كنت جالساً في داري فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي فقمت إليه, فأخذ بيدي فانطلقنا حتى أتينا بعض حجر نسائه, فدخل ثم أذن لي فدخلت الحجاب عليها فقال: «هل من غداء؟» فقالوا: نعم, فأتى بثلاثة أقرصة, فوضعن على بني, فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرصاُ, فوضعه بين يديه, وأخذ قرصاً آخر فوضعه بين يدي, ثم أخذ الثالث فكسره باثنتين, فجعل نصفه بين يديه, ونصفه بين يدي, ثم قال: «هل من أدم؟» قالوا: لا, إلا شيء من خل قال: «هاتوه, فنعم الأدم هو».

*قال علي رضي الله عنه: "من جالسه أو أقامه لحاجة – وفي رواية: أو قاومه لحاجة – صابره حتى يكون هو المنصرف".

خرج الترمذي: من حديث عمران بن زيد التغلبي, عن زيد العمي, عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لم ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع, ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه, ولم ير صلى الله عليه وسلم مقدماً ركبتيه أمام جليس له.

 

#143#

وخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه "الأخلاق النبوية" من طريق أبي الوليد خلف بن الوليد, حدثنا أبو جعفر الرازي, عن أبي درهم, عن يونس بن عبيد, عن مولى لأنس – قد سماه ونسيته – عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين, وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهته, وكان إذا لقيه أحد من أصحابه قام معه ولم ينصرف عنه, حتى يكون الرجل هو ينصرف عنه, وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناولها إياه, (فلم ينزع منه حتى يكون الرجل ينصرف عنه, وإذا لقيه أحد من أصحابه فيناوله أذنه ناوله إياه) فلم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه.

وحدث به ابن سعد في "الطبقات" عن عبد الله بن صالح بن مسلم, عن مندل, عن الحسن بن الحكم, عن أنس رضي الله عنه بنحوه.

وقال أبو علي أحمد بن الفضل بن العباس بن خزيمة: حدثنا الحارث بن محمد, حدثنا عبد الرحيم بن واقد, حدثنا عدي بن الفضل, عن يونس بن عبيد, عن ثابت البناني, عن أنس بن مالك

 

#144#

رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس لطفاً بالناس, والله ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد ولا أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء البارد فيغسل وجهه وذراعيه, والله ما سأله سائل قط أذنه إلا أصغى إليه, فلم ينصرف حتى كان هو الذي ينصرف, ولا (تناول أحد) يده قط إلا ناولها إياه, فلم ينزعها من يده حتى يكون هو الذي يدعها.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط": من حديث روح بن صلاح, حدثنا سفيان الثوري, عن ليث بن أبي سليم, عن مجاهد, عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فصافحه, فلم ينزع النبي صلى الله عليه وسلم يده من يد الرجل حتى انتزع الرجل يده ... الحديث.

وهو من أفراد روح عن سفيان.

وخرج أبو الشيخ ابن حيان في كتابه "الأخلاق الشريفة النبوية": من طريق غندر, عن شعبة, عن علي بن زيد, قال: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: إن كانت الوليدة من ولائد المدينة تجيء فتأخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت.

وخرجه مرة من طريق أخرى عن علي بن زيد, عن أنس قال: إن

 

#145#

كانت الأمة من إماء (أهل) المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدور بها في حوائجها حتى تفرغ, ثم يرجع.

وعلقه البخاري في "صحيحه": عن أنس بنحوه.

وخرجه ابن ماجه في "سننه" موصولاً من طريق شعبة.

وخرج مسلم في "صحيحه": من حديث حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء, فقالت: يا رسول الله, إن لي إليك حاجة فقال: «يا أم فلان, أنظري أي السكك شئت حتى أقضي حاجتك» فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها.

وخرجه أبو داود في "سننه" لحماد.

وخرج أبو الشيخ في كتاب "الأخلاق": من حديث حسين بن واقد, عن يحيى بن عقيل, سمعت ابن أبي أوفي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو, ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة, وكان

 

#146#

لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين, فيقصي له حاجته.

وخرجه النسائي في "سننه": من طريق حسين.

وخرج الطبراني في "معجمه الأوسط": من حديث أبي مسلم – قائد الأعمش – عن الأعمش, عن مجاهد, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن كان الرجل من أهل العوالي ليدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف الليل على خبز الشعير فيجيب.

وهو في "المعجم الكبير" أيضاً.

وفي "صحيح مسلم": من حديث سلمان بن المغيرة, عن ثابت, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء, فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها, فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها.

 

#147#

 

#148#

$[ما روي في جوده وسخائه صلى الله عليه وسلم]$

*قال علي رضي الله عنه: "ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول".

أحاديث جوده صلى الله عليه وسلم وكرمه وسماحته وسخائه لا تستقصى.

قال عبد الله بن عامر بن سعد الأنصاري: حدثنا هشام بن عروة بن هشام بن عروة, عن جده, عن عروة بن الزبير, عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أنشد أبو بكر رضي الله عنه قول لبيد:

أخ لي أما كل شيء سألته ... فيعطي وأما كل ذنب فيغفر

 

#149#

فقال أبو بكر رضي الله عنه: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد صح من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا.

قال الطبراني في "معجمه الأوسط": حدثنا جعفر بن محمد الفريابي, حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني, قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله, استغفر لي, فسكت عني, فقلت: يا رسول الله إن سفيان بن عيينة حدثنا, عن محمد بن المنكدر, عن جابر أنك ما سئلت شيئاً قط فقلت: لا, قال: فتبسم في وجهي, فقال: «اللهم اغفر له».

وخرج أبو محمد الدارمي في "مسنده": من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيياً لا يسأل شيئاً إلا أعطى.

وصح عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس, وأجود الناس, وأشجع الناس.

ورواه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد, حدثنا محمد بن زنبور,

 

#150#

حدثنا حماد بن زيد حدثنا ثابت البناني, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وجهاً, وأجودهم كفاً وأسمحهم, وفزع أهل المدينة فخرج على فرس لأبي طلحة عري وقال: «لن تراعوا, لن تراعوا ....» الحديث.

حدث به النسائي عن ابن زنبور.

وقال محمد بن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون, أخبرنا مسعر, عن عبد الملك بن عمير, عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما رأيت أحداً أجود, ولا أنجد, ولا أشجع ولا أوضأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحدث الحاكم أبو أحمد – محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق – إملاء, عن أبي الجهم – أحمد بن الحسين القرشي الدمشقي – قال: حدثنا العباس – يعني: ابن الوليد بن صبح الخلال – حدثنا مروان بن محمد, حدثنا سعيد بن بشير, حدثنا قتادة, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الناس بأربع: في السخاء، والشجاعة, وكثرة الجماع, وشدة البطش».

ولا أعلم أحداً حدث به غير سعيد, قاله الحاكم أبو أحمد.

 

#151#

وهو في "معجم الطبراني الأوسط" من حديث محمد بن هارون بن محمد بن بكار, عن العباس.

وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي: حدثنا داود بن عمرو, حدثنا شريك بن عبد الله القاضي, عن عبد الله بن محمد بن عقيل, عن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وأجر زغب, فأعطاني ملء كفيه أو كفه حلياً أو ذهباً.

وحدث به ابن سعد في "الطبقات": عن الأسود بن عامر, وإسحاق بن عيسى قالا: حدثنا شريك ... فذكره.

وقال أبو عمرو ابن السماك: قال القاسم بن منبه: سمعت بشراً – يعني: ابن الحارث الحافي – يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: لو شئنا أن نشبع شبعنا, ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه.

 

#152#

وخرج الترمذي في "الشمائل": عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسأله أن يعطيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عندي شيء, ولكن اتبع علياً, فإذا جاءني شيء قضيته», فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته وما كلفك الله ما لا تقدر عليه, فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر, فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً, فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعرف البشر في وجهه؛ لقول الأنصاري ثم قال: «بهذا أمرت».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل أنصاري أربعين صاعاً, فاحتاج الأنصاري, فأتاه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما جاءنا من شيء بعد» فقال الرجل, وأراد أن يتكلم فقال: «لا تقل إلا خيراً, فأنا خير من تسلف» فأعطاه أربعين فضلاً وأربعين بسلفه, فأعطاه ثمانين, ذكره البزار.

وخرج الترمذي من حديث يزيد بن هارون, عن أيوب, عن سعيد المقبري: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فعوضه منها بست بكرات .... الحديث.

 

#153#

قال الترمذي: ويزيد يروي عن أيوب أبي العلاء – وهو أيوب بن مسكين – ويقال: ابن أبي مسكين, ولعله هذا.

وقال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده": حدثنا وكيع, حدثنا إسماعيل, عن قيس, عن دكين بن سعيد الخثعمي قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «قم فأعطهم», فقال: يا رسول الله ما عندي إلا ما يقيظني والصبية.

قال وكيع: القيظ في كلام العرب أربعة أشهر, قال: «قم فأعطهم» قال عمر: يا رسول الله سمعاً وطاعة, قال: فقام عمر وقمنا معه, فصعد بنا إلى غرفة له, فأخرج المفتاح من حجرته ففتح الباب, قال دكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض قال: شأنكم, قال: فأخذ كل منا حاجته ما شاء, قال: ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة.

وخرجه أبو داود: عن عبد الرحيم بن مطرف, عن عيسى بن يونس, عن إسماعيل بن أبي خالد, بنحوه.

 

#154#

وهو عند قتيبة عن سفيان, عن إسماعيل. علقه البخاري مختصراُ عن قتيبة في "تاريخه الكبير".

وسعيد والد دكين: بفتح أوله وكسر ثانيه على الأصح. وكذا ذكره البخاري فيما حكاه ابن الجوزي, وقال: قال ابن سعد: وبعضهم يقول سعيد بضم السين، وقال البرقي بن مسعدة: قال أبو عبد الله الصوري الذي أحفظه: سعيد, وقال الإسماعيلي: سعيد بضم السين, فوهم في ذلك, انتهى قول ابن الجوزي. وحكي في أبي دكين قول رابع وهو سعد.

والحديث له شاهد من حديث النعمان بن مقرن فما خرجه من حديث هشيم, عن حصين, عن ذكوان – أبي صالح – عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة من مزينة فلما أردنا أن ننصرف, قال: «يا عمر زود القوم», فقال عمر: ما عندي إلا شيء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعاً, قال: «انطلق فزودهم» فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله, ثم أصعدهم إلى علية له, فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق, فأخذ القوم منه حاجتهم, قال النعمان: فكنت آخر من خرج فالتفت فإذا فيها من التمر مثل الذي كان.

 

#155#

وقال أبو حاتم – محمد بن إدريس الرازي -: حدثنا أبو توبة – يعني: الربيع بن نافع – حدثنا معاوية بن سلام, عن زيد بن سلام: أنه سمع أبا سلام, حدثني عبد الله الهوزني – يعني: أبا عامر الهوزني – قال: لقيت بلالاً مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بحلب, فقلت: يا بلال, حدثني كيف كانت نفقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما كان له شيء [من ذلك], إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه الله عز وجل إلى أن توفي, فكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عارياً يأمرني فأنطلق وأستقرض وأشتري البردة والشيء فأكسوه وأطعمه, حتى اعترضني رجل من المشركين, فقال: يا بلال إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني, ففعلت, فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة؛ فإذا المشرك في عصابة من التجار, فلما رآني قال: يا حبشي, قال: قلت: يا لبيه, فتجهمني, وقال قولاً غليظاً, فقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب, قال: إنما بينك وبينه أربع ليال فآخذك بالذي لي عليك, فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك, ولكن أعطيتك لتجب لي عبداً فأدرك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك, فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس, فانطلقت, ثم أذنت بالصلاة, حتى إذا صليت العتمة رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهله فاستأذنت عليه, فأذن لي, فقلت: يا رسول الله, بأبي أنت وأمي, إن

 

#156#

المشرك الذي ذكرت لك أني كنت أتدين منه قد قال لي كذا وكذا, وليس عندك ما يقضي عني ولا عندي, وهو فاضحي, فأذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا, حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عني, فخرجت حتى أتيت منزلي, فجعلت سيفي وحرابي ورمحي ونعلي عند رأسي, واستقبلت بوجهي الأفق, وكلما نمت انتبهت, فإذا رأيت علي ليلاً نمت حتى انشق عمود الصبح الأول, فأردت أن أنطلق, فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال أجب النبي صلى الله عليه وسلم.

فانطلقت حتى أتيته صلى الله عليه وسلم, فإذا أربع ركائب عليهن أحمالهن, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنت, فقال (لي) النبي صلى الله عليه وسلم: «[أبشر] فقد جاءك الله بقضائك» فحمدت الله عز وجل, وقال: «ألم تمر على الركائب المناخاة الأربع؟» قال: فقلت: بلي, قال: «فإن لك رقابهن وما عليهن», فإذا عليهن كسوة وطعام, أهداهن له عظيم فدك, «فاقبضهن إليك, ثم اقض دينك» قال: ففعلت فحططت عنهن أحمالهن, ثم عقلتهن, ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح, حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت إلى البقيع, فجعلت أصبعي في أذني فناديت وقلت: من كان يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناً فليحضر, فما زلت أبيع وأقضي وأعرض وأقضي حتى لم يبق على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين في الأرض حتى فضل عندي

 

#157#

أوقيتان أو أوقية ونصف, ثم انطلقت إلى المسجد, وقد ذهب عامة النهار, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد وحده, فسلمت عليه فقال لي: «ما فعل ما قبلك؟» قلت: قد قضى الله عز وجل كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شيء, قال: «فضل شيء؟» قال: قلت: نعم ديناران. قال: «انظر أن تريحني منهما, فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما» [قال]: فلم يأتنا أحد حتى أمسينا, فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني, فقال: «ما فعل [ما] قبلك؟» قلت: هو معي لم يأتنا أحد, فبات في المسجد, حتى أصبح, وظل في المسجد اليوم الثاني, حتى كان في آخر النهار جاء راكبان, فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما, حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال: «ما فعل الذي قبلك؟» قلت: قد أراحك الله منه, فكبر الله وحمد الله شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك, ثم اتبعته صلى الله عليه وسلم, حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة [امرأة] حتى أتى صبيه فهذا الذي سألتني عنه.

تابعه أبو داود فحدث به في "سننه": عن أبي توبة.

 

#158#

وحدث به أبو القاسم الطبراني في كتابه "الطوالات": عن أحمد ابن خليد الحلبي, حدثنا أبو توبة – الربيع بن نافع ... فذكره.

وخرجه أبو حاتم – محمد بن حبان في "صحيحه" فقال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام, حدثنا محمد بن خلف الداري, حدثنا معمر بن يعمر, حدثنا معاوية بن سلام أنه سمع أبا سلام.. فذكره بطوله.

وأحاديث جوده عليه الصلاة والسلام وآثار كرمه وسخائه كثيرة.

قال أبو الشيخ [عبد الله بن] محمد بن جعفر بن حيان: حدثنا محمد بن السمط الجرجاني, حدثنا علي بن عبد العزيز, حدثنا أبو نعيم, حدثنا مسعر, عن علي بن الأقمر سمعت أبا جحيفة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل تمراً فإذا مرت به حشفة أمسكها في يده, فقال له قائل: أعطني هذا الذي نقيته. قال: «إني لست أرضى لكم ما أسخطه لنفسي».

 

#159#

$[عود إلى شرح حديث علي في وصف النبي صلى الله عليه وسلم]$

*قال علي رضي الله عنه: "قد وسع الناس بسطه وخلقه, فصار لهم أباً, وصاروا عنده في الحق سواء":

وفي رواية: وصاروا عنده في الحق متقاربين, متفاضلين فيه بالتقوى.

خرج البيهقي في "سننه الكبرى": من حديث يوسف بن يعقوب, حدثنا محمد بن أبي بكر, حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن عجلان, حدثني القعقاع بن حكيم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم» وذكر الحديث.

وحدث به الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني في كتابه "رياضة المتعلمين" فقال: أخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي أخبرنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا يحيى بن سعيد, عن محمد بن عجلان, عن القعقاع بن حكيم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد الرحيم أعلمكم».

وهكذا أخرجه النسائي في "سننه": عن يعقوب الدورقي.

وحدث به أبو داود في "سننه": عن عبد الله بن محمد النفيلي, عن عبد الله بن المبارك, عن ابن عجلان.

 

#160#

وخرجه ابن ماجه في "السنن": عن محمد بن الصباح, عن سفيان بن عيينة.

وعن يعقوب بن حميد بن كاسب المخزومي, عن المغيرة بن عبد الرحمن المكي, كلاهما عن محمد بن عجلان – طوله ابن عيينة.

وهو في "صحيح ابن حبان".

وصح عن أنس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها, فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه».

وقال الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان أبو الشيخ في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" وهو أول حديث فيه: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم, حدثنا جعفر بن مهران, حدثنا عبد الوارث, عن أبي التياح, عن أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً.

وقال: حدثنا أحمد بن جعفر بن نصر الجمال, حدثنا جرير بن يحيى, حدثنا حسين بن علوان الكوفي, حدثنا هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال له: «لبيك» فلذلك

 

#161#

أنزل الله عز وجل: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

وقال: حدثنا أحمد بن جعفر, حدثنا جرير بن يحيى, حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن عدي بن الفضل, عن إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر, عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله. قال: «يا لبيك».

وخرج الطبراني في "معجمه الكبير": عن محمد بن حاطب أن أمة قالت: يا رسول الله فقال: «يا لبيك, وسعديك» .... الحديث.

وقال الحارث بن أبي أسامة في "مسنده": حدثنا الحسن بن موسى, حدثنا حماد بن سلمة, عن عاصم بن بهدلة, عن زر بن حبيش, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير, وكان علي بن أبي طالب وأبو لبابة زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا إذا كانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالا: يا رسول الله اركب حتى نمشي عنك, قال: «ما أنتما بأقوى مني, ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».

 

#162#

وخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم": من حديث نصر بن علي, حدثنا المقرئ هو أبو عبد الرحمن, حدثنا الليث, حدثني الوليد بن أبي الوليد, أن سليمان بن خارجة حدثه, عن أبيه: أن نفراً من أهل العراق دخلوا على زيد بن ثابت فقالوا: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا, وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا, وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.

وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة ومحمد بن عبد الله بن نمير وأحمد بن إبراهيم الدورقي, قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ, عن ليث بن سعد, حدثني أبو عثمان – الوليد بن أبي الوليد – أن سليمان بن خارجة بن زيد بن ثابت حدثه عن أبيه خارجة, قال: دخل نفر على زيد بن ثابت فقالوا: حدثنا عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت جاره, فإذا نزل عليه الوحي أرسل إلي فكتبت له, وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا, وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا, وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا وكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحدث به يعقوب بن سفيان في "تاريخه" فقال: حدثنا المقرئ أبو عبد الرحمن, حدثنا الليث بن سعد ... فذكره.

 

#163#

وحدث به أبو بكر محمد (بن) جعفر الخرائطي في كتاب "اعتلال القلوب" عن علي بن حرب, حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ..فذكره.

تابعه أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني الضعيف, عن ليث.

*قال علي رضي الله عنه: "مجلسه مجلس حلم وحياء, وصبر وأمانة":

أي: مجلسه صلى الله عليه وسلم يشتمل على (الحلم) وهو الأناة والتثبت في الأمور وترك الطيش, وهو من شعار العقلاء.

وعلى "الحياء" وهو خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في الحق.

وقوله: "وصبر": أي على الطاعة, وقيل: على الشدة, وقيل: عن المعصية.

والأمانة: يحتمل أنه قيامهم بالعهد الذي أخذه الله عليهم والتكليفات, أو يأمن بعضهم بعضاً, ويحتمل الأمرين معاً وهو الأقوى.

*قال علي رضي الله عنه: "لا ترفع فيه الأصوات, ولا تؤبن فيه الحرم":

وفي رواية: ولا تنثى.

وفي رواية: فلا تنتثل فلتاته.

 

#164#